هدم ..(قصة قصيرة)
04-16-2012 05:15 PM

هدم ..(قصة قصيرة)

طه جعفر
[email protected]

تفتحت عيناه علي الدنيا ليشاهد سقف البيت البلاستيكي. السقف كيس بلاستيكي من النوع المستخدم في تغطية الأغراض التي يتم ترحيلها جويا. يمتد السقف بلونه الأزرق علي شبكة ضعيفة كونتها عوارض القنا المربوطة بخيوط الجامايكا. لمغالبة الريح العدوانية وضعت( أكيج) إطارات سيارات قديمة لتثبت السقف. البيت عبارة عن غرفة ملتصقة بحائط الجيران الشرقي، الفضاء الذي يشغله البيت هو ما كونته حوائط بيوت الجيران من الجهات الشمالية و الغربية و الشرقية، ليس هناك حائط جنوبي. هو مجرد قطعة لم يتذكر صاحبها أن يبنيها.
الجيران من النواحي الثلاث يسكنون عمارات أقلّها علوا تتكون من ثلاث طوابق و هم في هذه العشة. اكيج نازحة من الجنوب هي مركز البيت و عموده الفقري، من هذه العشة في وسط الحي الراقي يخرج بعض الأولاد صباحا إلي المدرسة و البعض الآخر مساءا إلي مدارس الكنائس المسائية اكبر الأطفال سنا في الرابعة عشرة من العمر، في المنزل الصغير أكثر من أمهات ثلاث اثنان منهن أخواتها و الثالثة أخت زوجها جميعهن بأزواج غائبين يعملن خدما في البيوت و يصرفن ما يكسبنه علي أولادهن . الرجال من أهل اكيج أو أهل زوجها الغائب الرجال الذين ينامون أحيانا في البيت يفترشون العراء العريض، حتى أوان المطر و يكون غطاءهم كيس بلاستيكي. أكيج في عقدها الثالث هادئة الملامح و صابرة، تخرج للكنيسة بالتوب السوداني ملتفا علي جسدها. ابنها كور صغير أنجبته في هذا المكان، تعلم المشي و الكلام في هذه البقعة التي بنتها حوائط الجيران و أيادي الفقر و الحرمان. عندما بلغ كور الرابعة من العمر كان طفلا نشطا يلعب في فضاء البيت و علي الطريق الترابي إلي الجنوب منه، يكون كور نائما عندما يأتي زوار المساء الذين يبحثون عن العرقي و هم جمع من أناس قليلي الحيلة ما يطلبونه عند أكيج هو العرقي، يكون شراؤهم مستعجلا و خائفا من مداهمة الشرطة، اكيج تتضايق من ذلك النوع من المتبطلين الذين يطلبون كرسيا و طاولة للجلوس و شرب حصتهم بالمكان و تتضايق أكثر من طلاب هذه الخدمة نهارا لكنها لا ترفض لأنها تحتاج إلي المال. كور يحس بمشاعر أمه و يعرفها فهو لا يحب هذه الزيارات غير المرغوب فيها، مرة رآها تحفر حفرة صغيرة لتدفن فيها كريستالات العرقي فسألها لماذا تحفرين يا أمي فردت عليه بابتسامة قائلة لأجلب لك لعباً من تحت الأرض! ظل كور منتظرا و لا يخرج الا التراب و لا يزداد إلا عمق الحفرة، أرسلته لإحضار ماء من الجركانة داخل الغرفة فذهب، تناولت اكيج من سقف البيت بقايا لعبة مكسرة وجدها الصغار و هم يجمعون زجاجات الماء و المشروبات البلاستيكية من أكوام الزبالة لتعبئتها بالعرقي ، رجع كور ليجد اللعبة في يد أمه ففرح كثيرا و انصرف ليلعب بها . أكملت اكيج مهمتها مخفية كريستالات العرقي في بطن الحفرة وتمنت أن تبيعهن جميعا في هذا المساء دون مداهمة من الشرطة.
جاءوا علي ظهر دفار و معهم سيارة ميتسوبيشي زرقاء انزلوا عدتهم و هي عبارة عن حفارات و جواريف، بحثوا في المنزل لم يجدوا شيئاً كانت علي الجدار الشرقي صورة تضم السيدة العذراء و السيد المسيح في حجرها يظلاهما جناح الروح القدس .
لم يهتموا بمناقشتها و شرعوا في الهدم، انشغلت أكيج و من معها من اليافعين في أخراج الأغراض التي سوف يتلفها هذا الهدم، كور في طرف الفضاء الجنوبي الشرقي للبيت يراقب السيارتين و الرجال في زيهم الموحد و يتطلع إلي أمه باكيا يسأل ما الذي يريدونه منا؟ رمي لعبته القديمة علي الأرض ثم اندفع إلي أمه التي حملته، بللت رأسه دمعات انهمرت من عينيها تطلع إلي وجهها و بكي بصوت عال، كانوا منهكين في الهدم، أزالوا الغرفة تماما و سووها بالأرض، كوموا أعواد القنا و كيس السقف و قاموا بإحراقها مع مجموعة أوعية بلاستيكية، اهتم كور بمتابعة عمود الدخان ذو اللون الرمادي و هو يتصاعد نحو سماء تملاها أشعة الشمس بالحر و الضوء الباهر. لم يتحدث أحد مع الرجال المنهمكين في الهدم. انتهي الهدم و الإحراق فطلبوا من أكيج مرافقتهم إلي القسم ، تمشي أكيج معهم و تركب علي ظهر الدفار لا يعطونها فرصة أن تلف جسدها بالتوب، كور يمسك بإطراف فستانها تمسكه أخته محاولة تخليص أمها من أيادي كور الصغيرة التي جعلها الخوف و الحزن أكثر قوة في الإمساك بفستان أمه ، يصرخ كور و يبكي بجنون و لا أحد ممن هدموا البيت أو المتطفلين من المارة يهتم الحزن المتلوي في صرخات كور المبحوحة من التعب لا أحد يهتم غير أخواته اللائي شاركنه دمعا بدمع، حزنا بحزن، غضبا بغضب .
أدار الدفار ماكينته بصوتها المتبجح. تطلع الجيران من نوافذ غرفهم و بلوكوناتهم المطلة علي بيت اكيج، فقط تطلعوا، قليل منهم كان غاضبا و أغلبيتهم لا يهتمون بغير رائحة الحريق التي امتصتها المكيفات لتزعج نهارهم. توقف كور عن البكاء بعد أخبرته أخواته بأن أمه لن تغيب طويلا. مضي جميع من في الفضاء الناتج عن الحريق لياليهم التالية في العراء المحض فقط هي قطعة الأرض الفارغة التي نسي صاحبها أمر بناء عمارة فيها.
وجد كور شبها شديد بين السماء و سقف بيتهم المهدوم عدا أن للسماء شمسا بالنهار و قمرا بالليل و ليس في سقف بيته المهدوم ضوء. فعلا قضت أمه فترة الحبس بسجن النساء في امدرمان، بناتها يعرفن أنها قد جُلِدت و طُلِبت منها غرامة مالية هي لا تستطيع دفعها و بالتالي يتوجب عليها قضاء فترة إضافية في الحبس. الحبس في سجن النساء تكفل بجراح الجلد البدنية لكنها عمق جراحه النفسية باهظة العذاب. خلال غيابها استبدلت أهل البيت العشة بأخرى أسوأ منها، لم يتوقف بيع العرقي، أشرفت عليه بناتها، الرجل الذي يجلب المقدار من العرقي الذي يتم تقسيمه في الكريستالات لم يتوقف، استمر البيع لان قليلي الحيلة من الشاربين ما زالوا يرغبون في الشرب و حاجة اكيج للمال لن تنتهي.
لم يمر أكثر من ستة أشهر استمتع فيها كور بعشتهم الجديدة، زارهم خريف كشفت أمطاره عورات البناء الذي يحتاج إصلاحا بعد كل هبة ريح عاتية أو زخات مطر غاضبة. جاء الدفار ثانية و معه البوكس الميتسوبيشي الأزرق، انزل الرجال أصحاب الزى الموحد الحفارات و الجواريف و كرروا نفس الإجراءات لهدم العشة الجديدة، كور لم يبك هذه المرة، لم يزرف دمعة واحدة، ضحكت أخواته و اندهشت أمه، كور وقف صامتا، انشغل هذه المرة بملابس الرجال ذات اللون المهادن بين الأزرق البين و الرمادي الجسور، يقف لون زيهم في هذه المسافة الباهتة، لم يجد كور علاقة للون زيهم بلون السماء المحدد أو لون الرماد الصريح، كره كور لون زيهم، كرههم و أحس بأن ما يفعلونه هو عمل غير ذي معني فلم يبك حتى يعطي عملهم قيمة لا يستحقها.
انتهي الهدم و طلب الرجال في الأزياء ذات اللون المهادن من اكيج مرافقتهم، ففعلت، غابت ثم عادت مستعدة لهدم جديد و مستعدة لسماء جديدة.
كور كان يكبر، أمه تزداد صبرا مع كل هدم، تعّوَد جسمها علي الجلد و تعّوَد عُمرها علي تمديد فترة الحبس نتيجة لعدم دفعها للغرامة، اعتادت علي كل ذلك.
يرتاد كور مدرسة مجاورة، كبر قليلا و تعلم الكثير، أحب كور أمه عندما عرف أنها تبيع العرقي لتربيهم و تكفل لهم العيش بمعاناتها عبر جسدها و روحها. عندما بلغ كور سن العاشرة تعلم غسل السيارات كان يعطي ما يكسبه لأمه التي تفرح بعطيته لها، يعود أحيانا من مشاوير غسيل السيارات فلا يجدها و يجد البيت مهدوما فلا يسأل ، يصمت كور و يقضي الليل منتظرا أن يتوقف الشاربون عن المجيء لترتاح أخته. أصبح كور قويا و عرف من أين يمكنه أن يتحصل علي مواد بناء جديدة، يغيب اليوم التالي للهدم عن المدرسة لينجز بناء العشة من جديد.
تمضي الأيام و أحيانا الشهور بين هدم و هدم و جديد قبلهما هدم قديم.
كور يكبر و إحساسه بالمسئولية يتعاظم، رصيده من المعرفة يكبر و الشقة بينهم و بين المكان و الجيران تزيد و حوائط التمييز و التهميش تعلو، كور قرر شيئا.
انتظرهم كور، جاء الدفار و معهم الميتسوبيشي الزرقاء، علي صفحتها عبارة "أمن المجتمع" عرف كور أنه ليس من المجتمع الذي تحميه هذه السيارة برجالها أصحاب الزى الموحد ذو اللون المهادن الذي لا يشبه لون السماء أو لون الرماد.
عندما أتموا الهدم و اتجهوا إلي أمه ليقودوها إلي القسم، أوقفهم كور قائلا" انا من يبيع العرقي في هذا البيت و ليس أمي". لم يتركوا أمه أخذوها معه إلي القسم ربما بحكم العادة!. جلدوه كما جلدوها و حكموا عليه بالغرامة كما فعلوا معها، مدوا فترة حبسه كما مدوا فترة حبسها لعدم سداد الغرامة.
عرف كور مرارة الجلد و قسوة السجن، عرف أن بالسجن أناس كثيرون من قبيلته و أناس كثيرون من الجنوب. أفرج عن كور، عاد إلي البيت فوجد أمه، كان مشتاقا إليها و مشتاقا إلي أخواته.
أعدت أخته طعاما أكله كور و حكي لهن عن مرارة الجلد و قسوة السجن، سمعنه بتركيز و أحببنه أكثر و جميعهم ازداد حبهم لأمهم. حمل كور عدة غسله للسيارات. و في صباح اليوم التالي احضر مواد بناء و عدل هيئة العشة في انتظار هدم جديد، جلد جديد و سجن قديم يتجدد.




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1128

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




طه جعفر
طه جعفر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة