دكتور إبراهيم الأمين.. جيتا جيت
04-18-2012 07:12 PM

دكتور إبراهيم الأمين.. جيتا جيت

رباح الصادق المهدي

لم يذهب دكتور إبراهيم الأمين يوما عن حزب الأمة، ولكن التعبير: جيتا جيت، بسبب تقلده الجديد لمنصب الأمين العام لحزب الأمة القومي وقد انتخب بالإجماع في جلسة كانت خارج أطر التوقعات المحسوبة ظهر السبت السابع من أبريل 2012م، كثيرون حسبوا لقدومه وعملوا، ولكن مع الاستقطاب ما من أحد ظن أنه سوف يأتي محمولا على أعناق الكل.
واجهة الرأي العام
ودكتور إبراهيم الأمين قيادي معروف في حزب الأمة القومي يشكل واجهة مقبولة قوميا بشكل ذكرنا بأيام الأمير عبد الله نقد الله (1964-1969م) حيث شكل الحالة ربما الوحيدة التي التقى فيها مزاج حزب الأمة لكابينته التنفيذية مع مزاج النخب المؤثرة على الرأي العام، فالحزب ينتخب بالطبع من يوافق مزاج جماهيره بدون تأثر كبير برؤى النظـّـيرة أو النظارة من الخارج، وكثيرا ما كان بين المزاجين فجوة! كان أول سكرتير عام للحزب السيد عبد الله خليل (1945-1958م) بأداء تنظيمي مذهل وتفان وطني مشهود ولكن الدعاية المصرية أطلقت عليه رشاشا أصاب قطاعات عريضة من الرأي العام إصابات جعلت البك ليس فنجان النخب المثقفة المشروب، وقد أبعدت صراحةُ وأنصاريةُ قحة لدى المرحوم الدكتور عمر نور الدائم (1988-2003م) كذلك مزاج الرأي العام عن مزاج جماهير الحزب الذي لم يكن يرى لأبي التومة ندا. كما أبعدت ظلال المنافسة بين الأمير عبد الرحمن نقد الله شفاه الله وبين الدكتور عبد النبي رحمه الله (2003-2009م)، أبعدت الأخير الذي قدم ما ملكت يداه من جهد للحزب والوطن، عن مزاج قسم مقدر من النخب التي التقت على محبة الثلاثي الأميري: الأب والابن والابنة نقد الله، وأبعدت ظلال المؤسسة الشرطية الفريق صديق محمد إسماعيل النور (2009-2012م) عن قلوب نخب كثيرة برغم ما ذكرنا من ملفات عطائه وحركيته، فكان قدر حزب الأمة أنه وكثيرا ما يكون القائد الذي تختاره جماهيرنا لا يوافق مزاج النخب المؤثرة على الرأي العام، فتكون سباحة أولئك القادة ضد تيار قوي مناكف وغير معترف بقدراتهم أو بعطائهم مما يسبب إحباطا ضخما. ولذلك نستطيع أن نقول من المعاني الهامة في انتخاب دكتور إبراهيم الأمين هو هذا الالتقاء بين مزاج جماهيرنا والتيار الغالب في الرأي العام السياسي السوداني، مما يجعلنا نستبشر بعهد وردي بيننا وبين منصات صياغة الرأي العام.
عطاء فكري وإعلامي
الدكتور إبراهيم الأمين عرف كسياسي وككاتب صحفي في الصحف السودانية والعربية، وشوهد في المنابر الفكرية ونشرت له العديد من الكتب آخرها كتاب يعرّي السياسة الإنقاذية وتخبطها الأسطوري بعنوان (الدين والسياسة في السودان) قدّم له الإمام الصادق المهدي وتصدره «مدارك» يقودها أستاذنا إلياس فتح الرحمن هذا الشهر، وقبله كتاب (ما بين أمريكا وحركات الإحياء الديني: التحدي، المناورة والخداع السياسي) قدّم له المفكر المصري الرصين المستشار طارق البشري، وقبل ذلك كتاب (الصراع حول المياه في حوض النيل: من يدفع الثمن؟) وغيره من إصدارات. كما قدم برنامجا تلفزيونيا بفضائية (النيل الأزرق) بعنوان (أضواء كاشفة) حصد مشاهدية عالية مستغلا هامش الحرية أيام كانت الحكومة مسروقة بسكينة اتفاقية السلام، ولكن سرعان ما أعاد ديدبانها ما سرقته (السكين) فصحت من غفلتها بإيقاف حلقات عن الدواء بتدخل من السيد مندور المهدي شخصيا، لئلا ينكشف مستور الدواء، فقرر الأمين وقف البرنامج لعدم إتاحة الحرية المطلوبة بعد أن استمر لمدة عام وعرّفه لقطاعات عريضة من الشعب السوداني مهتما بقضايا المواطن ومناقشا لها بشفافية ومسئولية بالغتين.
عطاء سياسي
أما في حزب الأمة فقد كان دكتور إبراهيم على الدوام مناضلا للديكتاتوريات كم اعتقل وشرد ونفي وواجه من عنت. أيام العنت المايوي كان مسئولا عن مكتب الحزب للمعارضة بالقاهرة، وقد التحق بالقاهرة من جديد معارضا للإنقاذ في النصف الثاني من التسعينيات بعد أن كان نزيلا للسجون والمعتقلات ردحا من الزمان، وهناك واجه عنتا من نوع آخر حيث كانت أمور الحزب بالخارج آنذاك تدار بشمولية (فصلتها في كتابي: الاختراق والانسلاخ في حزب الأمة) وقد تصاعدت وصدّعت أرجاءه حتى صدع بها شاعر أم درمان (المرحوم عبد الله محمد زين) في قصيدته: حزب الأمة حكايته حكاية. وكان ذلك هو الفصل الأول من مسلسل الزوابع الذي انتهى بمؤتمر سوبا 2002م. لاقيت الدكتور إبراهيم الأمين في القاهرة أيام تلك المنافي الإنقاذية وشهدت موقفه المستقل من تلك الزوابع والملتزم بخط الحزب أبدا.
فسيرة الدكتور إبراهيم تظهر خلطة من الاستقلال بالرأي والتعالي عن المحاور والاستقطابات التي شكلت أحد منافذ إضعاف التجربة الحزبية في بلادنا. ما من تجربة حزبية في العالم خلت من مجموعات الضغط القائمة على اختلافات سياسية وفكرية ومصلحية وغيرها من دوافع العمل والانتماء المفتوحة والموضوعية. وفي السودان اتخذ شكل هذه المجموعات خلطة من الشللية والقبلية والجهوية فصارت مرتكزة على دوائر مغلقة وذاتية. وهنا هو الفرق الكبير بين مجموعات الضغط الأولى التي يمكن اعتبارها حميدة بالرغم من أعمالها غير الحميدة أحيانا (كما لدى اللوبي الصهيوني في أمريكا كمثال)، أما مجموعات الشلل في أحزابنا فقد كانت دائما غير حميدة، وتعمل بعيدا عن المصالح العليا وقريبا من المصالح الفردية. لذلك يحسب لدكتور إبراهيم الأمين ابتعاده عن المحاور والاستقطابات، وعمله باستقلالية رأي وموضوعية، وهذا يمكن أن يقرن بالطريقة التي انتخب بها، حيث قدمته جماعات متحالفة، ولكن انتخابه جاء حقيقة من الجميع وبمباركتهم، مما جعله يقول في أول خطبة له كأمين عام إنه سوف يسعى للتعبير عن هذا الخط الإجماعي في كابينته، بحيث يرى كل فرد في الحزب نفسه في التكوين الجديد.
هذا الوعد بالطبع صعب للغاية، ولكن الأمل كل الأمل أن يستطيع تحقيقه للعبور بحزب الأمة من تجربة الطحان والاستقطاب الحاد التي عايشها مؤخرا إلى فجر اتحاد العزائم لصالح الوطن. ونجاحه في ذلك رهين بإدراك المجموعات كلها ضرورة هذا المسعى ولا جدوى الطحان ولا وطنيته. لقد كان الفريق صديق كما ذكرنا سباقا في الموقف التاريخي المعضد للقبول بالخيار الديمقراطي واضعا أساسا متينا للتراضي المنشود، وليس بوسعنا إلا تنبيه الجميع لأن الفاصل بين (الحوار) و(الخوار) يمكن عبوره في حالات الفعل ورد الفعل غير المحسوبة. وبالعموم نستطيع القول إن انتخاب الدكتور إبراهيم بتلك الطريقة هو الخطوة الأولى نحو تجربة حزبية معافاة من الاستقطاب لقدر معقول، تجعلنا نقي أنفسنا تدخلات «الإنقاذ» من جهة وتدخلات (عراب الزوابع) الذي هدّم حزبه طوبة طوبة، وجاء ليخرب حزبنا من جهة أخرى.
كذلك في انتخابه عزم يصح نحو مواجهة صارمة «للإنقاذ». صحيح إن الفريق صديق التزم بخط المؤسسة في تحقيق الأجندة الوطنية وليس صحيحا ما فهمه البعض من مقالي السابق إنه كان يعزف لحنه الخاص، ولكن الفارق في الدرجة. فالأجندة الوطنية تتخذ الحوار وتضغط عبر حراك جماهيري وتعبئة شاملة تتصاعد حتى تصل للمسيرات المليونية. ويشكل انتخاب دكتور إبراهيم الأمين نية لتفعيل ذلك الضغط الذي بدأه الحزب بشكل حثيث حتى يصل لمنتهاه لتحقيق تلك الأجندة. فإذا أضفنا ما حدث من نقلة لواجهة الحزب التنفيذية أمام الرأي العام، وما ينتظر أن يحدث من إنعاش للعلاقة بزملائنا في تحالف المعارضة، وإذا أضفنا أن الدكتور إبراهيم الأمين هو أيضا الأمين العام لتحالف منظمات المجتمع المدني الداعمة للربيع العربي، فإننا نفهم تصاعد آمال المنادين بإسراع الخطى نحو إسقاط النظام أو تغييره عبر الضغط الجماهيري.
عودة مرحّب بها.. ودهشة
ومن اللقطات المشجعة في عهده تيار العودة المتنامي، فمنذ اجتماعات الهيئة المركزية ثم حفل العشاء الذي أقامه ببيته عقب انتخابه، وحتى المؤتمر الصحفي بالأربعاء الماضي شهد الحزب عودة فردية وجماعية لكثيرين، وهي مسألة موجبة ترفع الروح المعنوية وتجد الترحيب من كل ذي قلب ولب، وهذا لا يمنع تعليقنا على تعبير وحشي بمقياس المؤسسية، كأن يقول قائل: بعثني أبي فلان الذي وجهني وأخواني أن نستغل مساحة الديمقراطية في الحزب ونعود إليه! إن تجربة حزب الأمة قد تعدت تلك الذهنية الأبوية، والذهنية التوريثية لدى أبناء المراتب (كما في تعبير الإمام المهدي عليه السلام) وهي ذهنية بائرة رمانا بها كاذبون، إذ ما انفككنا نقول بخطل التوريث وكساد بضاعته، وضرورة التمسك بمبادئ المهدية حول من يقود الناس (من تقلد بقلائد الدين ومالت إليه قلوب المسلمين)، وفي الحقيقة فإن حزب الأمة منذ ولد كان مؤسسيا وديمقراطيا وإن حدث بعض التدافع حول مدى سطوة الكيان الأنصاري على الحزب ومفهوم (الرعاية) الإمامية، وهو ملف طويت صفحاته قبل زمن، فالرعاية نفسها أسقطت من دستور الحزب منذ المؤتمر العام الخامس في 1986م. لقد ظللنا نقول إن المؤسسية تتطلب ألا يأتي للحزب أحد إلا بقناعته الشخصية، وتتطلب غروب شمس (الإشارة) من أب أو قائد والإشارة قـُـبرت حتى في كيان الأنصار عبر بيعة (الطاعة المبصرة)، كما أن هلال الديمقراطية في حزب الأمة لم يغب يوما ليتحراه اليوم المتحرون، نقول ذلك بدون أن نخفي حبورنا لمقدم القادمين ولكننا ننبه إلى أن حزب الأمة الذي يعود إليه البعض يختلف عن حزب الأمة الذي في أذهانهم، ويختلف كذلك عن حزب الأمة الذي دشنه من ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر باعثين لذوي أسماء بدون عطاء، إنه حيث يقف أرباب الأسماء بين يدي الله والقاعدة حتى يثبتوا استحقاقهم للمناصب ويُختارون طوعا. ولربما كانت تلك المقولة التي برغم سعادتنا بعودة العائدين أعلت لدينا حاجب الدهشة، من باب: كفّ العين، فقد تتالت علينا على عهد الدكتور إبراهيم الأمين أحداث رمقتها أعين كثيرة بالإعجاب.
ومجمل قولنا ونحن نرحب بعهد الدكتور إبراهيم الأمين، هو أن الآمال جسام والمسئولية كبيرة والوطن يحتضر ولنا ولجميع بنيه ينتظر، وفقك الله وزملاءك داخل الحزب وخارجه أن تنتشلوه من الهاوية.
وليبق ما بيننا


الراي العام


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2573

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#338876 [zoal sudanese zoal]
4.17/5 (9 صوت)

04-19-2012 11:51 AM
((أعتقد أنه الصحيح : جيداً جيت)) , فعفواً أختي


#338702 [منذر محمد حمد]
4.18/5 (7 صوت)

04-19-2012 10:02 AM
التحية لك الاستاذة رباح الصادق على هذه السرد التاريخى الجميل لحزبكم العريق ,,,,مما لاشك ان حزب الامة هى من الاحزاب الكبيرة التى شكلت خارطة السياسة السودانية ووضعت بصمات واضحة فى كل دروووووووب العمل السياسى فى السودان.


#338297 [ابو محمدI]
4.16/5 (10 صوت)

04-19-2012 03:07 AM
الزول لو كان زي ماقلتي صدقيني بقيف قدام الناس العندهم فهم ان حزب الامة بيت الصادق
القداسة والكهنوتية و الفاتيكانية ولى عهدها و صدقيني كل من حولكم يزين لكم الواقع و الواقع مرير بالجد وابوكي هو المسئول عن الانصار و الحزب امام الله اولا ثم امام اهلنا الاولين


#338085 [abubakr]
4.14/5 (10 صوت)

04-18-2012 11:21 PM
ثم ماذا؟


#338038 [محمد خليل]
4.11/5 (9 صوت)

04-18-2012 10:43 PM
الحزب لا يمكن أن ينتشل من الهاوية الا بتنحى السيد/الصادق المهدي، و ما دام السيد/الصادق المهدي متشبث بكرسي الزعامة فلا أمل فى انتشال الحزب من الهاوية حتى يدخل الجمل من سم الخياط.


#337800 [ahmed]
4.14/5 (10 صوت)

04-18-2012 07:38 PM
يااااااا رباح الصادق
د. اهيم الامين ا يحتاج لتلميع
واذا كان لا بد من التلميع فيجب ان يقوم بذلك شخصاً اعلي قامة من د. ابراهيم , أما إذا كانت كتاباتك توثيق فإنت لم تعطي الرجل حقه أما إذا كانت تهنئة فلا يهنئ الرجل علي تكليف
مع تحياتي


رباح الصادق المهدي
رباح الصادق المهدي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة