04-19-2012 11:48 AM



إلى حبيبتي عزة.. (الحوش السوداني) لوحات من عالمه الآسر

عبد الغني كرم الله

عزة الأميرة..
صبح أسمر، كلون أخواتي، في بلادي الحبيبة..
لم لم يصنع العرف في بلادي عيدا للأخت؟ تلكم البطلة السمراء، الحانية، الأصيلة، التي تساهر، من أجلنا كأم وأخت، وتقضي طلباتنا بصدق، في قلب الليالي الباردة، أو في عز الهجير، (أعملي شاي، أو عشاء)، وتتفانى بمجد رسولي عظيم، وتزغرد في أفراحنا من أعماق قلبها، وترتسم على محياها ألف قصيدة حب، ولو خاطت وقائع فعلها النبيل، لطالت النيل طولا، وخصبا، وبركة، وشكلت عقدا من ماس السهر، وذهب العشق، يزين جيد الكون كله، أنها الأخت، البطلة السمراء، التي تزين دور بلادي، وقلبها، لكل أخت، ألف محبة، وعظيم امتنان، وكريم شكر، أنت أهله، بل أكثر، ولا أظن أن الحكمة الجميلة (سيد القوم خادمهم)، يستحق أمرؤ، مثل الأخت فهي الخادمة، السيدة للبيت، تفعل ذلك بطيبة فطرية، وجمال من يشعر بالجمال في قضاء حوائج الناس، وهي المرأة، التي استضعفت عبر التاريخ الطويل من عمر الإنسانية، وغرقت في بحور من العرق والدم، صابرة مصابرة، حتى استعلن نورها، ولا يزال، ولن ينفك، حتى تطلق العنان لمواهبها العظيمة، وتخصب الحياة، فلها التقدير الوافر، والأمل الأكمل بمستقبل تجد فيه المرأة، كأخت وأم وزوجة، وصديقة، حقها في الحياة الكريمة، الخصبة، الخلاقة, ويشرق نور عقلها، وضياء قلبها، أبهى ما يكونأا
(اللوحة الأولى)
أختي، والمقشاشة والورقة السمراء!!
عزة الجميلة
أحكي لك عن سعدية، أختي الصغيرة، وهي تكنس الدار، في غبشة الفجر، وهي تضئ الدار ، قبيل شمس السماء، فهي شمس الله السمراء..
(1)
«كش.. كش.. كش.»!!...
سعدية تكنس، سعدية تعزف، ايقاع يومي، تبدأ به الدار حياتها ، في الفجر، حين تكون الشمس برتقالية، كأنها بالون أنفك من يد طفل شقي أقصى الشرق، مسالمة، تمسك أختي سعدية المقشاشة، الريشة، ثم تعزف على تراب الدار، حوش كبير، يصلح ميدانا للمولد، أو ملعبا لكرة الشراب، كما كنا نفعل، ونلهو!!..
تصحو قبلي، لم _ لست أدري، لأني ولدـ تبدو أذكى، وأجمل، أصغر مني بعامين، غزيزة الجمال تتوهج بقلبها، كأن الأرض خدها الوضئ، تعاملها برفق وتأن، هواية محببة، أكثر من واجب يومي، ما أعذب وقائع الحياة اليومية، في عيني سعدية، قلبها مفعم بالمحبة، لأكثر الأشياء رتابة، وعادة، أكون راقدا في العنقريب، وأنا أراقبها، شبه نائم، ظل الصالون يفرش ملاءته فوقي، وعلى برميل المياه، وتربيزة العشاء، وجزء من كرسي خشبي، جلس عليه خالي، بقية الكراسي في ضوء الشمس، تبدو برتقالية، تحاكي شعيعات الشمس الواهنة، رغم لونها الأبيض..
اقتربت من عنقريب مدثر الصغير، لا يزال نائما، وضعت قبله حارة على خده البارد، مسحها بكفه، لا شعوريا، وهو يهمهم بلغة غامضة، وكأن حشرة دبت على خده، انقلب على جنبه الآخر، ويده مكورة بشدة، أظنه يمسك بحلوى، في الحلم..
هل تحبون مثلي صوت المقشاشة؟!
تعني لي الأرض، تغوص شعيراتها في تراب وطني الصغير، دارنا، كي تمسح عنها بقايا حياة يوم كامل، الحياة تمحى، هي الأخرى، لسلة الماضي، آثار نعال أمي، حوافر حيوانات، ودجاج، وجيران، ووضوء خالي (دفع الله)، وآثار ترابيز، وسرائر، وبقايا طعام، وفوضى رياح (جلبت معها اوساخ فطرية، وريقات نيم وبعر وقش وشعر مشاط بتول)، وشقاوة مدثر، ابن أختي الكبرى..
تمسح كالبشاورة، يوم الأمس، حكايات الأمس، سعي الأمس، تعد الدار، والحوش ليوم جديد، كي تقبل شعيعات الشمس وجه الدار، وكي تسير أمي، وأخواتي ويبكي مدثر، وتكاكي دجاجات، ويزورنا أهل، وضيوف، ونرسم بشعور، أو لاشعور، أحداث يوم عادي آخر، ومعنا الدجاجات، والأغنام، والرياح، والمطر، والسرائر، والفطرة كلهن أبطال (أوع.. ما تجر العنقريب، بتحفر البيت، انتظر اشيلو معاك).. تصرخ سعدية من بعيد، وكأني خدشت يديها الطيبتين، وليس تراب الدار، حس كضوء قمر لطيف، يلامس نبض البيت كله!!..
(2)
« دو .. ري، مي»..
شرعت في الكنس أمام غرفة جدي، وفي خطوط مستقيمة، تسعى شمالا، ثم ترجع جنوبا، تترك وراءها مويجات ترابية، خلقت سجادا جميلا على تراب الحوش!..
تثير بخورا خفيفا من الغبار، فتبدو كأنها مارد، يخوض وسط عاصفة لا تتجاوز ركبتيه، ماردة حقيقية، همة عالية تمضي، وتقبل، بلا كلل، أو ملل، بذاءات الانحاءة، كأنها تقرع طبلا غير مرئي بطرف المكنسة، في حلق ذكر غيبي!!..
(السكر في البرطمانية فوق الرف)، ترد على أمي واقفة، ثم تنحني لصلاة الكنس، وفتح ورقة سمراء على كتاب الحوش، نكتب فيها وقائع الحياة، بكل كرنفالها الفطري، والمقدر، والمكتوب، لابد من ماض، ولا بد من غد، كي يجري نهر الحياة، وإلا احتشدت الحياة في الحاضر، كغرفة صغيرة، مليئة بالاثاث، والكتب، والبراميل، والوقائع...
بغتة،!! يتوقف ايقاع المكشاشة، وقد انتظمت ضربات قلبي معها، فأرفع الملاءة الزرقاء عن رأسي لأرى ما جرى، سعدية منحنية، تنظر بعمق لشيء في الارض، عثرت على ثروة كبرى ( شلن، أم حشرة بهيجة الشكل، لم تمد يدها لحملها، بل اكتفت بتقليبها بطرف المكشاشة)، وحين أنحنت أكثر، كي تتابع اكتشافها السعيد، ايقنت بأنها حشرة، وما أكثرها في دارنا، خمس دقائق ظلت واقفة، كأنها صنم من سحر الحشرة، ثم تبدأ عزفها، فيبتعد عني صوت المكشاشة، فالدار وسيعة، وحنونة !.
ورقة نيم هبت مسرعة، رجعت للمساحة المكنوسة، وكأنها حنت لوطنها، هي الأخرى، ياللمفاجأة!! عدة اوارق خرجت من الحد الفاصل، كل الاشياء تقلد بعضها!!، استغلت انشغال سعدية، ورجعت تلعب في الحوش النظيف، اوراق وجرايد، .. احتارت!!.. وقفت متحسرة، وضعت يديها على جنبها، ثم استرقت السمع لأغنية، تتسرب من مذياع الجيران، استراحة محارب، أمامه مساحة للكنس، وترتيب الفوضى، وإعادة العنقاريب، والكراسي، والترابيز، لداخل الغرف الطينة،..
(3)
اسمع هذا الايقاع وأنا شبه نائم في الحوش الوسيع، كأنه يأتيني من عالم آخر، النعاس كالشعر، يخلل الواقع، ويجعله كالضباب، غيم من حياة، يالها من فنانة كبيرة، تكنس الدار بأحساس عظيم، تنسج خطوطا متوازية، ثم تكوم الأوساخ في زاوية بعيدة، ثم تجلس، ولمدة طويلة، غارقة في تأمل ثروة بسيطة، أخرجتها المكشاشة من باطن الأرض (بينسة، حبة سبحة، ريال، أوراق جرايد، حصى ملساء، سكسك ملون)، وخبايا أخرى، رخيصة، وغالية جدا، جداً!!....
حكاية لا تنتهي، تتساقط الأوراق والأزهار الميتة، ويسعى الإنسان، وتسعى الاكياس للدار بأرجل الرياح، تمارس الطبيعة حياتها، بمعنى، ظاهر، أو غامض، كل يوم، بلا ملل، وتجري في الدار حيوات عصية الفهم، شاعرية، وحزينة، ومغرضة، ثغاء معزة، سعال جدي، بكاء مدثر، مرض حبوبة، ميلاد فوزية، وتتطاول شجرة، ترسم الحياة، ترى شكلها في مرآة الواقع.. أيعجبها؟...
النسيم يتلاعب بورقة جريدة قديمة، اسطوانية الشكل، بداخلها صورة زعيم شهير، تتدحرج يمنة ويسرى، لم تلتزم بالقسم اللامرئي لبقايا الأوساخ، تبدو صورة الزعيم وكأنه طفل ولج بطن برميل، ثم دفعه الأطفال، كما كنا نلعب، ونلف داخل بطن البرميل، ونحس بالدوار الخلاق، حيث تتداخل الصور، وتترنح الخطوات، كالثمل..
تنظر بحبور خلفها حين تسمع (سعدية.. سعدية مششيني)، يقولها مدثر وقد افسد عليها نظافة البيت، فتعود جزلى (فلا تضج ولا تثور)، كيف تفهم الحياة؟ يالها من حدس، يتشرب قلبها الغض، بعزائم الأمور، ما أوسعها هذه الطفلة، أي تاج خفي يتوج رأسها المغبر، كيف أراها، كما هي، وليس كما يبدو لي، كيف؟...
يعاود النسيم مشاغبتها، أوراق تهرب للوراء، ترجع متحسرة وتعيدها إلى صف الاوساخ المستقيم، مجموعة أوراق وأكياس تجري هنا وهناك، «يالها من لعبة اقتنصتها الأوراق مع سعدية»، تنظر لهن بتزمت، «كويس؟ تهددهن»، تضع يدها اليسرى على خدها، ماهذا القرار الشجاع، غيرت رأيها تماما، مضت لآخر الدار، تقرر الكنس من الاتجاه المعاكس، نهاية الحائط،، النسيم يكنس معها، يبدو على عجل، وغير متقن، مثلها، يترك أشياء، ويستخف بالأوراق والأكياس، تسير أمامها، بمكنسة النسيم العجولة، ما اسعد حوشنا، تحننه سعدية، والنسيم، معا، لفتح صفحة سمراء، جديدة، على أديمه، كي نكتب حكاوينا، حياة جديدة، من نهر الحياة المتدفق، دوما، نحو الغد، نحو البسمة الأصيلة..
أنها في المنتصف، تجمعت الأوساخ في خط مستقيم، يفصل بين المحو والإثبات، بين ورقة سمراء فارغة، وأخرى مليئة بسطور الحياة، أثار نعال أمي «أعتى قصاص لم يتقص أثر أمي في الدار، تسعى، وتحج بين المطبخ، والصالون، والزريبة، وغرفة جدي،».. بل والسماء، أمي تحلق، كالطيور، بل تتسلل لباطن الأرض، كالجذور، ومياه الأمطار.. هي اكثر من ذلك، هي أنضر، أية مكنسة لا تستطيع محو عطر أمي، وروح امي، في الغرف والبرندة، وشارع الحوش، والقلب..
(4)
يسرح طرفي، مع الايقاع المنتظم، «كش كش كش»، مع مكنسة الزمن، وهي الأخرى، تكنس وقائع الحاضر، في سلة الماضي، كي تسعى حيوات الغد، وتغمر حوش الحاضر، أروع ما يكون، فيكبر مدثر، وترسم سعدية، وتعرس فارس، عصى الوصف، مثلها!! ..
دجاجة تتمرغ في التراب، تستحم، ألهذا شرع الدين «التيمم»، كم للتراب من قدرات، ينظف، ويسعد، ويلوث، حسب نيته، وحينا يكون عشبا أخضر، وسهلا، وصحراء ذهبية، بيده الاكسير، والطيبة..
يتلون الكنس، وايقاع المقشاشة، من يد لأخرى، كانت المقشاشة ريشة بيد سعدية، ومجرد مكنسة بيد رشا، حسب وردية كتبها عرف تالد، أعباء للفتاة، وبراح للاولاد..
(5)
تعثر على شئ ما، خلف زير مكسور في ركن الدار، تخبئه بمكر، كي لا نراه، أاها علبة سجاير برنجي، لأخي الأكبر، تستر الكثير من الأسرار، التي تعثر عليها، وهي تكنس الدار كلها، عمرها ألف، أقسم، بل أزيد، تعثر على رسائل عاطفية، وعلى صور أشعة أكس، التي تخفيها أمي عنا، أمراض أمي تخيفنا، وسعدية تعلم، وتخفي همها في قلبها الأصم الصغير، عن النميمة، والتشهير، من هي سعدية؟ بربكم من هي، من هو الملاك الذي يختفي في صورة أختي الصغيرة، من؟ كتب محرمة عن الأنظمة الحاكمة، وبيانات شجب، تختفي في سعة صدرها، وهي تكنس الدار، عن الغبار، والخوف، صدرها قبر لأي سر، وحين تنهي الكنس، تعامل أخي الأكبر، وكأن شيئا لم يكن، بل قد يضربها لو تأخرت في عمل الشاي، وسره مدفون في صدرها الحنون، (أختاه أجمل قصائد الشعر الحية)!..
ثوب أمي المعلق على حبل الغسيل حجبها عني، أخفاها، لحيظات، بل سنوات، سوى أرجلها وطرف المقشاشة، الأرجل تمشي ببطء، وشعيرات المكشاشة تنفش شعر الأرض، تستخرج فصوص بلح، حصى، وبينسات.. يبدو الثوب كأنه ستارة مسرح الممثل الواحد، .. سيرفع الستار، عن بطلة صغيرة، تلبس فستانا بزهور فاقعة، صفراء، وبنفسجية، وبيدها ريشة عجيبة، يتداخل صوت المقشاشة مع فوران الشاي، ولغط صبية في طريقهم للبحر، وحوافر الاغنام، ورائحتها، وغبارها وهي في طريقها للمرعى..
عثرت على حصى ملساء، رفعتها بيدها اليسرى، نعومة الحصى غطست في جسدها، واستقرت في قلبها، كسمكة ملونة في ذلك البحر اللانهائي، لم ينصب الحرير ملكا، إلا بتاج النعومة، النعومة!! هي الشعر، هي حصى ملساء تمد شعاع نعومتها حتى قلب سعدية، المترامي الآفاق..
(6)
اختفت وراء المزيرة، تبدو كمقام إبراهيم في قلب الدار، ولكن الايقاع الفضولي لم يختف، وصلني، أيتلوى الصوت؟ مثل البخور، وروح سعدية؟؟..
نظرت لوجهها في الزير، الماء لا يكذب، استطاع ان يعكس جمال وجهها، والخصلة التي تسربت بفعل الكنس، بدت واضحة في المرآة الدائرية للزير، مضت وهي تحشر الخصلة في طرحتها الزرقاء، والوجه على صفحة الزير، أهو الآخر حشر الخصلة الآن؟..
ظهرت بالطرف الآخر، وجهها يتلألأ، من رصعها بالماس في هذا الغياب الصغير خلف المزيرة، جبينها يتلألأ بعشرات اللآليء الصغيرة، .. ثم تسيل على وجهها، فتنبع من جسدها لؤلؤة أخرى، ما اعظم التشابه بين الخالق والمخلوق، جسدها وتلكم اللآليء السائلة..
لاتزال نعومة الحصى، تتوغل في جسدها كضوء في بركة..
تحت الشجرة الأوراق الصفراء تفترش الثرى، كنست الاوراق، وجمعتها في كوم على حدة، هب نسيم، تساقطت عشرات الأوراق الصفراء، رمت المقشاشة، ووضعت يديها حول خصرها، مم تذمرت؟.. من النسيم أو الأوراق الصفراء، أم تعجبا من الأوراق الخضراء، والتي ظلت ممسكة بالوطن الأخضر، ولم تفر كالصفراء، وتتخاذل لأبسط إغراء بالحرية، بعيدا عن الفرع، والغصن، الأوراق الصفراء لم تبال، بل حلقت حولها رأسها، وحطت على كتفها ورأسها، (أتخذلين أمك الشجرة)، للأوراق التي فرت من حضن الأم، ألا ترى كيف حلقت الأوراق وهي تفك قيدها!! وهي تسبح في الهواء ثملة، وتجرى هنا، وهناك، انعتقت بعد صيام طويل، أصفر جسدها، وقطع الكائن الغريب(الموت) حبل القيد، كي تعي ذاتها، منفردة، للمرة الأولى في حياتها.. قطعت خواطرها صرخة من وراء الحجرات (المدرسة قربت ياسعدية).
(7)
نشفت جبينها، بطرف الطرحة!! ومضت شمالا، وجنوبا، هذه المرة داخل الغرف، والبرندة، والصالون الطويل، كقمرة قطار، تسعى، بصمت، حينا أحسها بأنه لوحدها، كائن وحيد، يفهم المعاناة بطريقته، كل الاشياء صديقة، فنان عثر على شيء عظيم، مستغرقة فيه، كأنها لا تكنس، بل تصلي، لجمال عظيم، بداخلها، يحرك المقشاشة، والروح، والأرض، والجمال، والنظافة، وتجدد الحياة السرمدي..
في ركن الدار، جمعت الاوساخ في القفة، حملتها بيدها اليمني، وباليسرى المقشاشة، وضعت المقشاشة، في المطبخ، ثم مضت لخارج الحوش، للكوشة، بعيدا في الفسحة، سمعت اصوات صويحباتها، عن حنة فاطمة، أو استعارة كراس، أو دعوة لشراب الشاي، معا،..
رتبت البيت كله، عاد النظام والدقة والنظافة للدار، بانتظار حيوات، تمارس فطرة الحياة، وتدون وقائع، الله وحده يعرفها، في مسرح بحجم الكون..
الحوش الآن جاهز، كي تزخرفه حيوات أهلي، لا أحد يشبه الآخر، حتى في مشيته، سمفونية حياة، فهذا مركوب خالي فهو يسير بصورة زاوية منفجرة، وكأن كل رجل فيه تسعى لمكان،، وتلك سفنجة سعد، بها شرخ، يبدو جليا في التراب، وتلك قمزات نعال (بتول جارتنا)، فهي في عجل، كي تنقل (شمار حار وطازج) وهذا المجرى الصغير، الصغير جداً، لدجاجة شقية، وقعت فريسة في شبك من شعر أختي (سعاد)، فعلقت في بقايا شعرها المتساقط، فتكورت في نهاية الشعرة قطعة طينية، (لا أدري لمادا تحب الفيزياء والميكانيكا الشكل الكروي)، وللحق كلما نطارد الدجاجة لكي نخلصها من هذا الأسر، تجري خائفة منا، فهي (لا تأمن بني آدم حتى وهو في قمة فضائله)، أليست له معدة، وهناك كائن غريزي يسمى الجوع!!...
تكنسه في الصبح، وعند المساء، وأحيانا أكثر من ذلك، حين يباغتنا ضيف، أو خطوبة ما، أو حفل عرس، أو حج، أو حلق ذكر، تستل أختي سيفها الجميل، المقشاشة، وتشرع في محو حياة، لرسم حياة أخرى، غناء، وطار، وسعي في الدار..
الحوش الآن، ورقة سمراء، في انتظار حبر أخضر، وقصيدة حية، يكتبها أهلي، وعشيرتي، وجيراني، ودهر يطل من باب الغد، وبهيئة غامضة، كل حين!!...
أما سعدية، فقد وقفت متعبة، تضع يدها على خصرها، وتتكيء على المقشاشة، وتنظر لورقتها السمراء، الجميلة، النظيفة، حوشنا الحنون، وقد فتح صدره، كي نحيا، ونعيش فيه، أجمل ما يكون، ونرسم بخطواتنا، وأقدامنا، لوحة الحياة، الحياة الغامضة كالشعر، بكل شكولها، وسرها، وسحرها، وآثار قدمي سعدية، هما أول من يسطر تلكم القصيدة، فهاهي تمضي، وآثار قدميها، خلفها، تحنن البيت، ليت السامري، أدرك أثر خطوها، وحثا منه، لخلق تمثال حب، للأخت، للوفاء الأجمل، والأحلى...
عزة السمراء...
هاهي آثار قدميها، في الدار، ومن يقتفي إثرها، سيبلغ جنة الأرض..
عميق محبتي
ابنك المخلص
عبدالغني كرم الله
حي الأزهري، جنوب الخرطوم
الراي العام


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2943

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#340217 [عدلان يوسف]
4.16/5 (11 صوت)

04-20-2012 03:28 PM
والله يا عبد الغني كرم الله إنت كتّاب كتابة الجن .. وربما كنت الآن أفضل سارد سوداني على الإطلاق

(بالاشتراك مع الطيب صالح وإبراهيم إسحق وبشرى الفاضل وأحمد الملك والحسن البكري ...)..


ومجموعتك (آلام ظهر حادة ) نضعها في حدقات عيوننا ... بس معليش اعذرنا شوية الأيام دي .. ما فاضين

من ناس المؤتمر اللاوطني الذين اعتقدوا أن هوشة التعبئة العامة لهجليج هذه هي فرصة جات ليهم من

السماء لإطالة عمر النظام ...ونسوا أن تحرير هجليج يمر عبر تحرير الخرطوم التي احتلها الجيش

السوداني بالتحالف مع"الكيزان " في صبيحة 30 يونيو 1989 ولا زالت محتلة مع السودان الشمالي بأسره

حتى كتابة هذه السطور ...


#339957 [kabashor]
4.09/5 (9 صوت)

04-20-2012 11:17 AM
يا اخي هو فضل فيها عزه يا اخي نحنا بقيناها عره


ردود على kabashor
United States [عبدالغني كرم الله] 04-20-2012 05:41 PM
العزيز، كبشور..


للحق لاتزال عزة، والأدب الأصيل لا يسب الدهر، بل يرى مرضه العارض، في صحته الأبدية، وكل شري، ستمضي به الحياة، وتبقى عزة متوحدة، فسنة الموت ليس للأفراد، بل للحضارات، بل حتى الحضارات العظيمة تموت، لم؟ للأن الغد أجمل وأبهى من كل حاضر، وماض، (وربما الشر في الخير أنطوى)، كما يقول الشاعر الكبير المجدوب، وللحق أكتب بحسن ظن بالحياة، ولا أظنني أكتب بعجلة، وحلم سادح، ولكن تاريخ الحياة، يقود حداءه عقل عظيم، وإرادة غريبة، وغامضة، وكل دابة، حتى الجبال تدب، ناهيك عن بني أدم، تلكم القوى تأخد بنواصيها، لغاية كبيرة، وأحس بأن الأدب عبر التاريخ لا يعرف التحسر المريض، والدموع الثلكى، بلى قد يشير لدلك، ويبكي بحرقة، ولكن كي يؤشر المرض، والداء العضال، مثل كوخ العم توم، التي فجرت ثورة الزنج في امريكا الشمالية، ومثل عشرات الحكايات والقصص المسئولة، التي كتبت عن سر الحياة، ومعاناة الحياة، ومن ضمنها السياسية، وفي بلادي لاتزال السياسة فعل سادج، ملتوي، ولكن ستشرق شمس السياسة الحقة، والشفافية، والاسئلة، والمحاسبة، وستفتح لهدا الشعب العظيم، وبيده، أعظم أبواب الحرية، كي يفجر طاقات، وفكره، ومشاعره، أوسع ما يكون، وأحس بأن من واجب الأدب الحقيقي، أن يمد طرفه للشمس الكامنة في قلوب الناس، وفي أفق البلاد، الغربي والجنوبي، والشمالي، والشرقي، كي تشرق من كل فج..

لك شكري، وأحس بتعبك من حال البلاد، ومن قهرها، ولكن الصدأ في السطح، واي فكر نير، سينفض الغبار عن روح وعقل ومشاعر بلادي، ..

عميق محبتي..


#339294 [أدروب همد]
4.12/5 (11 صوت)

04-19-2012 05:16 PM
زاك هو الوطن ...وتلك هي صورته


عبد الغني كرم الله
 عبد الغني كرم الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة