المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
السودان.. تلازم التفكك والحروب
السودان.. تلازم التفكك والحروب
04-23-2012 12:41 AM


السودان.. تلازم التفكك والحروب

د.نهلة الشهال

يمكن الاسترسال في نقاش طبيعة الحرب المتوقعة بين دولتي السودان وجنوب السودان, وعما إذا كانت شاملة ومستمرة أو أنها ستكون منخفضة الإيقاع, تتمثل بتوتر دائم واشتباكات محدودة ومتقطعة في أكثر من نقطة على تلك الحدود غير المرسَّمة بعد بصورة رسمية ونهائية, والتي تحوي عدة مواقع متنازع عليها, بينما هي تمتد على أكثر من 1800 كيلو متر.

ويمكن كذلك الجدال في ما إذا كانت "حادثة" هجليج قد انتهت حقاً, وهل تم ذلك بفضل الضغط الدولي على جوبا, (لأن هناك توافقاً على هذا المستوى لاعتبار هذا الحقل النفطي المهم تابع لدولة السودان), أو أنها انتهت بسبب هزيمة نكراء لحقت بجيش الجنوب, سيىء الاعداد والتنظيم والتجهيز, والذي يقول الحكام في الخرطوم أنهم "أبادوا" وحداته التي احتلت هجليج, ولم يخرج منها "رجل واحد حي" (يا لفظاعة الصورة, حتى لو كان ذلك غير صحيح!)...

كل ذلك على أهميته, ليس هو لب الموضوع, بل لبه هو سؤال أو تفحص تلك الجدلية بين التفكك والحرب. فبعكس ما يُظن, لا تُحل الانقسامات والاستقلالات الأمور حين تُصان وتُحمى الأسباب التي افضت الى النزاع, فتبقى كالجمر تحت الرماد. بل ان بعض تلك الاسباب, أو بعض مظاهرها, مستحضَر بشكل بشع في حالة السودان, ليس أقله الخطابة الشعبوية التي يمتهنها البشير, مستخدماً تعابير يندى لها الجبين, كالقول الايحائي بأنه "لا يمكن تأديب الحركة الشعبية إلا بالعصا" (أي أنه يتعامل مع "عبيد", وفق المتنبي مخاطباً كافور الاخشيدي!), أو كنعته مؤخراً, ومع إعلان "تطهير" هجيج, سلفا كير برئيس "الحشرات", وهو تصريح جاب العالم, مثيراً الاستنكار الشديد.

وعلى أية حال, فسعادة البشير بالحرب نفسها, وتحشيده لها, مقيتان بقدر ما هي مقيتة تلك الخطابات. فهل ثمة من يتمنى لشعبه الدخول في آتون المحرقة, ويسعد لقتل شعب آخر كان حتى عام جزءا من دولة السودان الموحدة, وما زالت تربط أبناء القسمين أواصر ووشائج متعددة, وما زال هناك نصف مليون سوداني جنوبي يعيشون في الشمال, مقابل 80 الفاً من الشماليين في الجنوب. هل هناك ما يسر, وقد كلفت الحرب الخاطفة أو التحركات التي وقعت على قرع طبولها, الاقتصاد السوداني المتهالك في الدولتين, ثمناً باهظاً حتى بحدود "التمهيدات" التي حدثت, فانهار الجنيه في الشمال, وتوقف انتاج النفط في الجنوب الذي يمثل 98 بالمئة من موارده, بقرار ذاتي "عقابي" للشمال - يشبه من يطلق الرصاص على قدميه - اتخذته جوبا في كانون الثاني الفائت. فالشمال يحتكر النقل والتكرير والتصدير, وينال جراء ذلك حصة من أثمان البراميل, وهي حصة متنازع على قيمتها (بين 38 دولار للبرميل حسب الخرطوم و3 دولارات للبرميل تقترحها جوبا), وكانت سبباً مباشراً في اشتعال هذا الملف.

هل يتخذ عاقل قراراً بالحرب في بلدان تتضور جوعاً, وتواجه خراباً كبيراً في كافة بناها التحتية نتيجة حروب متعددة سابقة امتدت على أكثر من عقدين, وكلفت السودان ما يقرب من المليونين من الضحايا, ونزاعات لم تحل (فعلاوة على دارفور التي كلفت حتى الآن 300 الف ضحية, هناك النزاعات في ولاية النيل الازرق, وفي ولاية جنوب كردفان...وهناك أبيي التي يفترض ان تخضع لتحكيم دولي, الى آخر لائحة طويلة). ثم أن كلفة اصلاح ما خربته واقعة هجليج تفوق امكانات الشمال, الذي يطالب الجنوب - المفلس - بتعويض عن احتلاله لها وعن نتائج ذلك الاحتلال وخساراته.

يقال ان واقعة هجليج قد منحت البشير بعض الاعتبار الدولي لأن جوبا كانت معتدية في تحركها, ولأن جميع المحافل الدولية والاقليمية والرئيس أوباما, قد توجهوا اليه والى سلفا كير بدعوات للتهدئة, بينما هو مطلوب لمحكمة الجزاء الدولية. كما منحته الواقعة تأييداً داخلياً "إجبارياً", على اعتبار العدوان أولاً, ولأهمية نفط هجليج للشمال ثانياً, والذي يدر لحكام الخرطوم 150 مليون دولار شهريا. ولكن تلك ميزات من ضمن الواقع المأساوي وليس من أي منظور متفائل واستشرافي للتنمية والتقدم.

اللب في كل ذلك هو أن ما جعل استمرار وحدة السودان شاقاً وغير جذاب يعود هنا فيطل برأسه على شكل حروب أو تهديد بها: الاستعلاء واضطهاد المختلف (وقد قال البشير يوما انه لا يوجد في السودان مكان للمختلف ولا اعتراف بالتمايز), وخصوصاً فشل مشروع التنمية الوطنية, وهو الفشل الذي يدفع كل من يمكنه ذلك الى القفز من قارب غارق.

هناك بالتأكيد إسرائيل الجاهزة لتلقف هؤلاء (كلهم وليس فحسب في السودان), لمصالح تخص منطق وجودها المباشر, ولمصالح اقتصادية واستراتيجية تتعلق بالمنطقة. وارتماء جنوب السودان في احضان تل أبيب, وتحوله لواحد من قواعدها, مصدر إضافي للقلق على السودان بمجمله وعلى افريقيا بشكل أوسع. ولكن التفسير باسرائيل هو من قبيل وضع الحصان قبل العربة. وهو لن يحل بالخطابة التعبوية الفجة التي تمارس في الخرطوم. تدعو احزاب المعارضة على اختلافها الى مؤتمر تأسيسي لاعادة تقييم مجمل الموقف, ولتوفير منصة وطنية لمعالجته. لن يقبل البشير, فهو منتشٍ "بنصره". يا للبؤس !! .

العرب اليوم


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1177

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#343557 [الناصح الجديد]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2012 11:55 AM
دكتورة نهلة
تحية طيبة ،،
أعتقد أن على من يكتب في الشأن السوداني على الأقل الالمام بتاريخ مشكلة السودان ،حيث ترجع هذه الأزمة الى تاريخ 1956 والسودان وقتها لم يحصل على استقلاله ، وكعهدنا بالمستعمر أن يبذر بذور الشقاق قبل رحيله، وبالفعل تمكن اشعال فتيل الأزمة في ذلك التاريخ فكانت الأنانية 1 والانانية 2
وهي حركة بدات في ذلك التاريخ اي فجر استقلاق السودان ، لذا فان القول بأن اسباب المشكلة يرجع للاضطهاد هو قول ضعيف 0 ثم لقد تعاقبت الحكومات على السودان وظلت هذه المشكلة مستعرة الى أن تم التوقيع على الاتفاقية الأخيرة التي نال بموجبها الجنوب الانفصال على الشمال 0 بل أن السودان ممثلا في رئيسه كان أول من يهنئ هذه الدولة باختيارها 0 وأعتقد أن الحركة الشعبية لو كانت حريصة على استقرار الدولة الوليدة لانتهت هذه الازمة ، خاصة وأن الجنوب يذخر موارد جمة يمكنها تحقيق نهضة كبيرة لهذه الدولة الوليدة ، ولكن الحركة مازالت تحت قرار المستعمر وتأتمر بأمره حتى بعد الانفصال والدليل على ذلك أنها ما زالت تسمي نفسها الحركة الشعبية لتحرير السودان ، لذا فانني أسأل تحرر السودان من من ؟


#343464 [ام احمد]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2012 10:52 AM
تحليلك سليم و
المشكله فى السودان كيف يتم اداره التنوع بحيث لايحس طرف بالغبن تجاه الاخر يمكن الراحل الدكتورقرنق هواكتر سياسى سودانى فهم مشكله السودان وحاول يحلها ولو عاش كان نجح فى توحيده وحتى لو حصل انفصال كان حتكون العلاقه طبيعيه لكن نقول شنو نحن شعب كج الساسه الان لاهم لهم الاانفسهم حزبهم قبيلتهم احقادهم الشخصيه الله يرحمنا


#343382 [محمد عبدالله]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2012 09:42 AM
شكرا يادكتوره على التحليل المستنير


#343255 [الجـعـلى البعـدى يـومـو خنـق ..]
5.00/5 (1 صوت)

04-23-2012 04:20 AM
أزمة(هجليج) تعنى فشل نظام البشير .. فكل التصريحات والتسريبات كانت متناقضه ومحرجه والروايات الرسمية مبتورة ومقتضبة وغامضة لكل ما حدث ..


** الجـعـلى البعـدى يـومـو خنـق .. ودمـدنى السٌُــنى ..


#343194 [sudani]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2012 01:27 AM
The problems in sudan is bigger than Heglig ...Heglig was the resourecs .the soul and the life line of NCP ..Juba didn't make a mistake when they capture Heglig..they meant to do that ...but what after Heglig...are there any others resources to finanaces the war ..unless the sudanese people want to sleep hungry..and donate their gold and silver...histroy repeat itself ...but this time it will be different cause the burning fire are every where...we heared a lot trashy talks from the president and his cabinet...and the people went nuts ...against the south ...soon Heglig fever will end and the reality of miserable situation remains ....
Ghadafi called his people rats ...and we knew the result of his trashy talks
Omer called south sudan insects ...
omer is enjoying what is going on today .but tomorrow he will regret it ..and by then he will say what ghadafi said to his people .
I have understood you ...


د.نهلة الشهال
د.نهلة الشهال

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة