المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
نُقُدْ .. للسودان و الكادحين حـتى الـرمـق الاخــير
نُقُدْ .. للسودان و الكادحين حـتى الـرمـق الاخــير
04-25-2012 01:12 PM

عــفو الخاطــر:

نُقُدْ .. للسودان و الكادحين حـتى الـرمـق الاخــير

عمر جعفــر الســــَّــوْري
[email protected]




فجأة و البوم ينعق ...
و الشيوعيون لمّا ينعم الاحباب منهم بالتحايا
بعد طول السجن، في غاب الحديد؛
الشيوعيون ملح الأرض،
قوت للخناجر
و العســـاكر ...
يشربون الخمر في ساح الشهيد
علي عبد القيوم

في الربع الأول من العام 1970 انعقدت في مبنى البرلمان بالخرطوم ندوة الربيع الثانية للاشتراكيين العرب... و الاخيرة حتى اشعار آخر. التأمت الندوة الأولى في الجزائر عشية حرب 5 يونيو/حزيران 1967، و كان نجمها الساطع و القامة الباسقة فيها الشهيد عبدالخالق محجوب، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني وقتذاك. و في تلك الندوة تعرف العرب على نوع آخر من الشيوعيين غير الذي عرفوه في بلدانهم.

تولى اعداد ندوة الخرطوم و استضافها د. منصور خالد، وزير الشباب في حكومة انقلاب 25 مايو/أيار الأولى. كان الوزير قد قذف حجراً في مياه النخبة الراكدة قبل عامين من ذلك التاريخ حينما نشرت له صحيفة الايام سلسلة من المقالات تحت عنوان "حوار مع الصفوة". جاء الوزير عبر "الأيام" ليذكرهم بنفسه؛ إذ نسي الناس المحرر الشاب الذي عمل تحت رئاسة جعفر السّوْري في صحيفة الجمهورية، فأطل عليهم من جريدة الايام بعد سنين عددا ليثير زوبعة أخذت كثيرين على حين غرة، كما أخذت حيزاً واسعاً من أمسيات أطياف اليسار و اليمين السودانيين في سهراتهم الليلية و الاسبوعية بحدائق المقرن و الموردة والريفيرا والجندول والقرشي و غيرها من مخابئ "الافندية" المعتمة في العاصمة المثلثة، و في الأقاليم. وحدهم الشيوعيون و غالبية أنصارهم لاذوا بدورهم أو ببيوت العازبين منهم. لكن السجال في المنازل غير السجال في الحدائق، حدثاً و منطقاً و احتداما، إذ لم يكن الشيوعيون و "الديموقراطيون" معنيين بذاك الحوار مع الصفوة، بقدر ما أدهشتهم قليلاً إطلالة الكاتب. فالأمر الجلل الذي تفجر يومذاك، بُعيد ملهاة/مأساة حل الحزب الشيوعي، مسّ السودان و وحدته و نسيجه و مستقبله قلباّ و قالباً، كما سينسحب على رزق الناس و طرق حياتهم و عيشهم. كانت نذر الجمهورية الرئاسية و الدستور الإسلامي تتلبد سحبها فوق البلاد. كانت الطبقة العاملة، في خضم هذا الصراع، غير معنية بالصفوة و "خمجها"، تجتهد للدفاع عن مطالبها النقابية و عن مستقبل السودان السياسي الذي قد تدفع ثمن اختطافه غالياً، و قد حدث! عبّر العمال عن ذلك بمسيرات 20 أغسطس/آب 1968 العارمة، و ما تلاها من فعاليات.

حضر ندوة الخرطوم يومئذِ نجوم اليسار العربي و منظمات المقاومة الفلسطينية التي استولت على المشهد كله بعد هزيمة 1967. من بين هؤلاء النجوم كان كمال بيك جنبلاط، وزير داخلية لبنان الذي لم يمض على تسلمه الحقيبة الوزارية غير أشهر قليلة أخرج خلالها، و بعد جلوسه على كرسي الوزارة بأسبوع أو نحو ذلك، الحزب الشيوعي اللبناني و حزب البعث و الناصريين و منظمة العمل الشيوعي و غير ذلك من تنظيمات اليسار اللبنانية من مخابئها الرطبة المظلمة الى الهواء الطلق و النور و ذلك بقرار شرّع به عملهم السياسي و رخصّ لهم الوجود علانية، رغم أنف المكتب الثاني Deuxième Bureau (جهاز استخبارات الجيش)، الذي شكل قوة قهر و جبروت ابان رئاسة اللواء فؤاد شهاب و خليفته الرئيس شارل الحلو، الذي سار على نهج الشهابية، حذو النعل بالنعل، لا يحيد عنها قيد أنملة. كانت تلك الاحزاب ممنوعة من العمل وفق قانون صارم الى أن جاء رئيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي و زعيم طائفة الموحدين الدروز ليجلس على رأس وزارة الداخلية اللبنانية في حكومة الرئيس رشيد كرامي الثامنة التي تشكلت في أواخر عهد شارل الحلو، و القتال مستعر بين المقاومة الفلسطينية و الجيش اللبناني قبيل "اتفاق القاهرة" الشهير الذي ما انفك يثير الخلاف الى اليوم بين اللبنانيين و الفلسطينيين و يهدد السلام الهش القائم بينهم.

افتتحت الندوة مساء، و في صبيحة اليوم التالي رأس جلسة العمل فاروق القدومي (أبو اللطف)، أحد القادة المؤسسين لحركة فتح و العمل الفدائي الفلسطيني. كلمة الوزير منصور خالد التي افتتح بها الندوة أثارت لغطاً بين المشاركين و المدعوين من النظارة الجالسين في شرفات مبنى الجمعية التأسيسية المنحلة. جاء الرد عليها سريعاً من ممثلي اليسار السوداني و أولهم الشيوعيين. دعا فاروق القدومي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، محمد ابراهيم نُقُدْ، الى القاء كلمته، لكنه نطق الاسم بتحريف طفيف اذ قال محمد ابراهيم نَقْد، فانفجر السودانيون ضحكاً أربك القدومي و أثار دهشة العرب ، حتى عُرف السبب. نسب القدومي هذا الرجل النحيل الى النقود أياً كان نوعها أو الى الانتقاد كيفما أتى. الا ان تصحيح الاسم و الصفة جاء سريعاً بعد أن همس أحدهم في أذن القدومي بما يجب أن يقول. لم يبال نُقد بالخطأ الذي وقع فيه نجم من نجوم الكفاح المسلح لمع مؤخراً، و هو صاحب الباع الطويل في الكفاح السياسي، بل طواه بدعابة لاذعة: " ليس لنا نَقد نعطيه كما لغيرنا من المناضلين، فليتهم يقتسموا معنا، و سأرضى حينئذِ بالاسم الجديد!" كانت كلمة نُـقـد ضافية نأت بعيداً عن الاستعراض و التقعر الذي حاول غير مشارك الاستعانة بهما طوال جلسات الندوة لإخفاء عجزه عن بيان المعنى، والافصاح عن ضحالة الفكر و فساده. لكن في تلك الايام كانت اللغة المبهمة داء المتثاقفين و انصاف المتعلمين في أرجاء الوطن العربي كله، هؤلاء الذين قرأوا كتابين مترجمين ترجمة سيئة بلغة ركيكة تداخلت فيها الكلمات و اختلطت السطور، مما برأ و استبرأ منه الشيوعيون السودانيون.

هل كانت تلك الكلمة هي التي ألهبت الخلاف بين العقيد جعفر نميري و بعض رهطه من جهة و بين عموم أطراف اليسار و الشيوعيين خصوصاً من جهة أخرى، و هل هي التي أبرزته من خلف الستار و دفعت به الى خشبة المسرح السياسي، ثم من بعد ذلك قادت سلطة مايو/أيار الى العنف الدموي الاعمى و الى توطيد أركان السلطة المستبدة الغاشمة؟ ذلك من بين الاسئلة الكثيرة عما جرى في 19 يوليو/تموز 1971 و ما تلاه و لم تلق اجابة شافية، حتى اليوم. و رغم ذلك أدرك محمد ابراهيم نُقد، و هو قد أمسك بمقود الربان في قمرة القبطان، بعد اغتيال عبدالخالق محجوب، زعيم الحزب ذي الشخصية الساحرة، أن عنف السلطة الأهوج لا يُرد عليه بالعنف؛ فإن ذلك سيدخلهم في قلب عاصفة الانتقام الحزبي و الشخصي لتدور بهم الزوبعة ثم تدخلهم اتون بركان متفجر، و سيحرفهم عن مقاصد النضال الشرعية لبناء سودان جديد يقوم على العدل و المساواة و الحرية و الرفاه: "وطن حر و شعب سعيد"، كما يقول الشيوعيون العراقيون. أدرك أن عليه العمل بهمة و دأب، بعد هذه الضربة القاصمة، لبناء حزب جماهيري يناضل في سبيل الديموقراطية، حتى لو كان النضال يجري في ظروف و بشروط غير ديموقراطية. كان يعرف ان السودانيين ليسوا في حاجة الى حزب طليعي ينوب عنهم لتغيير الاوضاع بالعنف، بل بالنضال السياسي المشروع - إن أمكن – إذ إن على السودانيين أنفسهم بجميع فئاتهم و انتمائهم و مجموعاتهم القومية national groups أن يغيروا الاوضاع من خلال أو بمساعدة حزب جماهيري يكون مرتبطاً بهم مثلما هم مرتبطين به. هل استطاع هذا العابد المتبتل في محراب الكفاح أن يدرك مقصده أم عاجلته المنية و هو على مسافة من تلك الاهداف؟ قد يستطيع الحزب الشيوعي الاجابة عن ذلك السؤال، لكن السودانيين كافة هم الاقدر على ذلك و الاجدر به، و قد أصبح العنف اليوم هو ديدن الناس و سمة المرحلة الصعبة و الداء المتوطن المزمن المنتشر في جسد البلاد و الشعب و الامة، و هو يسبح في بحور من الدماء!

كان نُقد قادراً على تبيّن مواضع أقدامه، مدركاً لحجمه دون خداع للنفس أو تسول عاطفة جماهيرية سرعان ما تذهب جفاء. فبعد سقوط الحقبة النميرية و بداية عهد الديموقراطية الثالثة لم يتوان – و هو يخطب في ليلة سياسية ضمته الى سياسيين آخرين بينهم الحاج محمد أحمد مضوي - عن الاعتراف بأن الحزب الشيوعي السوداني ليس أكبر الاحزاب الشيوعية في أفريقيا و العالم العربي (كما يردد البعض بعفوية أو بغرض مريض متآمر من البعض الآخر)، فأين هو من الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا على سبيل المثال؟ تلك فضيلة ما بعدها فضيلة، أن تعرف موضعك و تتحرى مكانك و تدرك حجمك!

منذ منتصف ستينيات القرن الماضي أصبح للثورة الإرترية حضور ملحوظ في السودان، كما أصبح لها علاقات واسعة بالقوى السياسية و النقابية السودانية، و رجال الفكر و الصحافة، الا الحزب الشيوعي الذي كان متوجساً منها. لذلك النفور أسباب عددا تخص الشيوعيين السودانيين أنفسهم و أخرى كثيرة لها صلة بالاتحاد السوفيتي و علاقاته بإثيوبيا و مصالحة في منطقة القرن الافريقي، و رؤيته الاستراتيجية العالمية:

كان الاتحاد السوفيتي - و ما زالت وريثته روسيا - تنظر الى اثيوبيا على انها الركيزة الأساس في بناء مصالحها السياسية و الامنية و الاقتصادية في هذه البقعة من العالم، فهي القاعدة الاهم في زاوية المثلث المضطرب جنوباً، ذلك المثلث الذي يمتد من بعد الأناضول الى سواحل الاطلسي و يهبط الى بحر العرب و المحيط الهندي. و مساحة اثيوبيا و عدد سكانها و جيرانها يقتضون تفضيل الانحياز إليها اذا ما جاء وقت الاختيار، و هو ما حدث ابان الحرب الاثيوبية- الصومالية، و قبل ذلك الرضا بقرار الامم المتحدة رقم 390 (أ) – 5 الذي ضم إرتريا فدرالياً الى اثيوبيا بما يؤدي فيما بعد الى الضم الكامل و الالحاق بالإمبراطورية؛ و هو القرار الذي وصفه مندوب الاتحاد السوفيتي يومئذِ، اندريه قروميكو (و ما أدراك ما أندريه قروميكو)، بأنه زواج كاثوليكي بالإكراه لن يحقق الامن و السلام في المنطقة. ثم ان حاكم البلاد بلا منازع في ذلك الوقت هو أحد أبطال الحرب ضد الفاشية، الامبراطور هيلي سيلاسي، الذي حذر من خطرها في خطابه الشهير أمام عصبة الامم قبيل الحرب العالمية الثانية، فصمّت اروبا اذانها عن صرخته المدويّة مثلما ادار العالم "الحر" له ظهره. هو رفيق نضال اذن! و حينما سدد الامبراطور ثمن القرار الفدرالي للولايات المتحدة الاميركية بقاعدة كانيو العسكرية و هي في ذات الوقت قاعدة اتصالات كانت الاكبر خارج الولايات المتحدة، لم يهمل الاتحاد السوفيتي فمنحه الاذن بإقامة واحد من اكبر مراكز الثقافة السوفيتية في عاصمته أديس ابابا، دون حظر على توزيع المطبوعات الماركسية، و صور لينين، و بيارق المطرقة و المنجل، و تنظيم الندوات و الاحتفالات و عرض الشرائط السينمائية؛، كما لجأ اليه لبناء مصفاة تكرير النفط في ميناء عصب، جنوبي إرتريا. هل كان هنالك غيرها في أفريقيا؟ مصفاة للنفط يشتغل فيها العمال و يُبتعثون للتدرب في حقول النفط السوفيتية و مصافيها، ستؤسس قاعدة عمالية مستنيرة، لا محالة، في بلد يحكمه الاقطاع و الاكليروس، ثم تأتي الأرثدوكسية كضمير مستتر تقديره لدى صناع القرار! كان ثعلب السياسية الافريقية يعرف كيف تؤتى أُكلها كل حين، فقد بادر بالاعتراف بالصين الشعبية، في زمن كان ذلك كفر بواح عند حلفائه في الغرب. جرى ذلك يوم علم أن الصين قد أقامت صلات مع الثورة الإرترية و دربت لهم خمسة مقاتلين، بينهم رئيس إرتريا الحالي، أسياس أفورقي.

أما تلك الاسباب التي تخص الشيوعيين السودانيين أنفسهم و التي حدت بهم الى التحفظ عن أية علاقة بالثورة الإرترية فقد نتجت عن رؤيتهم اندفاع الاخوان المسلمين في السودان الي احتضانها، و البعثيين في سوريا الى مدها بالعون و الدعم و المساعدة و السلاح، مع شبهة تأييد بعض دول الخليج لها. كانت دلائل ذلك تتمثل في أن الخطيبين الدائمين في احتفالات ذكرى اندلاع الثورة الإرترية التي تقام في نادي طلاب جامعة الخرطوم هما الشيخ الصادق عبدالله عبد الماجد، قطب حركة الاخوان المسلمين، و جبهة الميثاق الاسلامي الابرز بعد زعيمها، د. حسن عبدالله الترابي، و الصحافي عبد الله محمد أحمد، رئيس تحرير جريدة "الامة"، الناطقة بلسان حزب طائفة الانصار المهدوية؛ و كانت تربطه علائق وشيجة بالإخوان المسلمين، ثم يأتي من بعد ذلك ممثلو حزب الشعب الديموقراطي، الذراع السياسية لطائفة الختمية و التي يطلق عليها أيضا الطائفة الميرغنية، و غيرهم.

ربما بددت نظرة أعمق لهؤلاء الخطباء و علاقتهم العاطفية أولاً بإرتريا، قبل الدوافع السياسية، ذلك التوجس و ربما خففت كثيراً من حذرهم، إذ أن للشيخ الصادق صلة قربى بسودانيين استوطنوا تلك البلاد و آخرين ولدوا بها و اختاروها مقراً و مستقراً. فقد فر بعض السودانيين ممن نجوا من مذبحة المتمة (كتلة المتمة) في العام 1897 التي أبادت سكان البلدة و قتلت زعيم الجعلييين، عبدالله ود سعد، بعد خلاف مع خليفة المهدي، عبدالله التعايشي، و دفعت بهم الى أقصى شرق إرتريا حيث سكنوا مدينة مصوع و ضواحيها على ساحل البحر الاحمر؛ و لموزع البريد الأميري على ظهور الهجن و شاعر الدوبيت، ابراهيم ود الفراش، قصائد و حكايات عن مصوع و اسمرا، و غيرهما، كما كانت له قضايا عدلية و محاكمات فيها. من بين هؤلاء الناس الذين استقرا بها أقرباء للشيخ الصادق ظلوا على صلة وثيقة به، منهم والدة كاتب مسرحي سوداني شهير مقتدر. بل كان كثير من الإرتريين ذوي الاصول السودانية يزورونه و يلجؤون الي حي الدومة بودنوباوي في امدرمان إذا ما دعتهم الحاجة الى طلب العون، و ينسحب هذا القول على الصحافي و السياسي و الوزير و السفير عبدالله محمد أحمد. و معروف عن السودانيين أن العاطفة قد تحكم مواقفهم السياسية و تتحكم بها.

أما المراغنة فقد توزعوا بين السودان و إرتريا، فكما أسسوا للطريقة و الطائفة في السودان، وطدوا لها في تلك البلاد، فكانت الطريقة الأكبر هناك و الاكثر نفوذاُ بدون منازع من بين طوائف المسلمين و طرقهم الصوفية. و لعل مما يثير الانتباه و يلفت النظر الى أحوال الطريقة في ذلك البلد، هو رئاسة امرأة لها لأول و آخر مرة حتى الان. فقد خلفت الشريفة علوية الحربية والدها السيد محمد هاشم الميرغني. لم يكن للشريفة علوية نفوذً ديني فقط، بل لعبت أدواراُ سياسية و اجتماعية مختلفة في حقبة هي الاكثر دقة من تاريخ المنطقة المعاصر، من بين تلك الظروف الدقيقة اندفاع قوات موسليني نحو الحبشة و احتلالها، و احتلال مدينة و منطقة كسلا في السودان. لم تكتف علوية الحربية برئاسة الطريقة الختمية فحسب، بل تولت مقاليد الجمعية الخيرية الاسلامية التي ترعى شؤون المسلمين جميعاً و المهاجرين العرب قاطبة في إرتريا بعد أن اختلف المسلمون و المقيمون العرب حول قيادة نجيب يوسف جنبلاط. لذلك كانت علاقة الثورة الإرترية بختمية السودان و حزبهم السياسي هو من طبائع الأمور، التي لا تستدعي حذراً أو نفورا من بقية القوى السياسية.

هذا الحذر و النفور لم يمنع الطرفين من تلمس الطريق نحو حوار يزيل الالتباس. حاول الإرتريون في البداية فتح نافذة تطل عليه عن طريق الكاتب الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد، و لكنه كان الحصان الخاسر في هذا الشوط، إذ أن علاقاته مع اليسار عموماً و الشيوعيين خصوصاً اكتنفتها الشكوك. كان لنُقد هنا دور حاسم في وضع أسس العلاقات بين الثورة الإرترية و الحزب الشيوعي السوداني، فجرى اختيار "صلاح الزملاء" ليصبح قناة الاتصال و الحوار بين الفريقين. سُمى هذا المهندس الذي كان يعمل بإدارة التنظيم في مديرية الخرطوم بصلاح الزملاء بسبب وزنه الزائد و لتكراره كلمة زميل لمن يعرف و من لا يعرف، فالجميع عنده شيوعيون أو قابلون على أن يصبحوا أعضاء في الحزب فيما بعد، فغلب عليه الاسم حتى نسي الناس اسم أبيه و كنيته. و رغم زيادة الوزن هذه كان صلاح رشيق الحركة لا يهدأ، خفيف الظل، سريع البديهة. كنت و الزميل صديق محيسي نستمتع بتجاذب أطراف الحديث معه و سماع تعليقاته اللاذعة حول ما كان يجري يومئذٍ في السودان، و عن انقسامات في داخل الحزب الشيوعي ذاته و الحركة الشيوعية العالمية، و ذلك وقوفاً تحت ظلال عمارة أبي العلا التي كان صديّق يسكن فيها و كان مكتبي في رويتر بها، أما ادارة التنظيم فقد كانت عبر الشارع. كان صلاح الزملاء بجسده الممتلئ يصطدم بنا في غدوه و رواحه.

أما الإرتريون فقد اختاروا عضو المجلس الاعلى لجبهة التحرير الإرترية، سيد أحمد محمد هاشم، بوجهه الذي تزينه شلوخ ثلاث على كل خد من خديه، و زين العابدين يسن شيخ الدين، مسؤول الاعلام في القيادة العامة لجيش التحرير الإرترية. يتحدر سيد أحمد هاشم ممثل الثورة في أنحاء السودان كله، من قرية سبدرات التي تقع على مرمى حجر من مدينة كسلا السودانية، كما يأتي الزين يسن من بلدة "علي قِدِر" الحدودية أيضاً، و هي مركز زراعة القطن في إرتريا، و ما تشكله من تشابه مع مناطق زراعة القطن في منطقة الجزيرة بالسودان، ودلتا نهر طوكر في شرقه خصوصاً. و فوق ذلك ترعرع الزين في شرقي السودان و درس هناك ثم تخرج من جامعة الخرطوم أيام ثورة أكتوبر/تشرين الاول 1964، فخالط فصائل اليسار السوداني و حفظ نصوص الماركسية اللينينية عن ظهر قلب. كان المحاوران الإرتريان هما "عز الطلب" لمن أراد الوصول الى علاقة مثمرة مع الطرف الآخر. و قد تابع نُقد تفاصيل ذلك الحوار، حتى أرتقى به الى مستويات أعلى من ذلك فيما بعد، ليتصل الى حوار مع الاتحاد السوفيتي و الدول الاشتراكية، حاول نائف حواتمة أن يقطف ثماره، و تلك قصة أخرى!

لعل أمير الشعراء، أحمد شــوقي، استشرف المستقبل، لتصدق على محمد ابراهيم نقد، حينما أنشد في رثائه شاعر النيل، حافظ ابراهيم:

يا مانح السودان شرخ شبابه و وليه في السلم و الهيجاء
لما نزلت على خمائله ثــوى نبع البيان وراء نبع المــاء
قلدته السيف الحسام و زدته قلماً كصدر الصعدة الســمراء
قلم جرى الحقب الطوال فما جرى يوماً بفاحشة و لا بهجاء




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 808

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عمر جعفــر الســــَّــوْري
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة