هجليج وأخواتها: سيادة وزيادة (1-2)
04-25-2012 01:19 PM

هجليج وأخواتها: سيادة وزيادة (1-2)

رباح الصادق المهدي

في البداية لا نخفي غبطتنا باسترداد أرض سودانية أخذت عنوة ونهنئ الشعب والوطن على ذلك، ونقول: لم نستغرب لتوحد الحركة السياسية السودانية حول حق تحرير الأرض بعد احتلال هجليج الأخير (10-20 أبريل). فالموقف إزاء أي شبر أرض يحتل عنوة وغصبا موقف ليس فيه مراء ولا استفتاء.
ولكن الاستغراب يأتي من محاولة تصوير الأمر كأنه منعزل عن أحداث كثيرة متشابكة وحصره في السيادة، صحيح إن السيادة الوطنية مسألة عزيزة ولكن هجليج قضية سيادة وزيادة. وعلى أي حال، من ناحية سيادة وطنية مغتصبة، فإن هجليج ليست الأولى. سبقها احتلال مثلث حلايب من قبل الحكومة المصرية والذي اتخذت حكومتنا تجاهه "سياسية ضبط النفس" بحسب الدكتور أسامة زين العابدين في كتابه (سياسة السودان الخارجية). ففي هذه الفترة استغلت مصر وضع السودان من ناحية وجود علاقة ما بينه وبين العدوان على الرئيس المصري المخلوع في أديس أبابا عام 1995م. قال الدكتور أسامة: "في نهاية 1997م تبلورت بعض المعطيات السياسية ونمت لتحقيق انفراج في العلاقات بين البلدين ومعالجة بعض المشاكل التي أصبحت حواجز أمام تطبيع علاقة البلدين، وفي ظل هذه الظروف والمعطيات غضت حكومة السودان النظر عن احتلال مصر لمثلث حلايب المتنازع عليه". ثم استمر الصمت حتى بعد خلع مبارك للحاجة لوقوف مصر إلى جانب حكومة ملاحقة دوليا. وفي ظروف مشابهة تم احتلال أثيوبيا لأراضي الفشقة الزراعية الخصبة ثم قامت أفريقيا الوسطي باحتلال وادي أم دافوق.
قضية هجليج هي سيادة وزيادة، فهي أهم المدن الاقتصادية في السودان لضخها نصف الإنتاج الوطني من النفط. مسألة أخرى هي أن احتلالها يأتي ضمن عدائيات الأخوة، وأهلنا يقولون (مغص القريب أحرّ من عطش الشتاء)، وهي عدائيات أعدت اتفاقية السلام حطبها وأوقدت شرارتها بما نصبت وسطاء ينحازون لطرف دون الآخر، وبما تركت من نقاط غامضة مختلف عليها يمكن تفسيرها كيفما اتفق لكل طرف، من ضمنها المناطق الثلاث (أبيي، وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق)، والحدود.
ونحن نقف كغيرنا من الوطنيين مطالبين بالتعويض عما جرى من خسائر اقتصادية للسودان جراء احتلال هجليج غير الشرعي والذي أدين دوليا وإقليميا، كما نقف مع الأصوات التي علت تطالب بمساءلة الذين فرّطوا في هجليج برغم (البروفة) في 26 مارس التي أكدت أن الزحف نحو هجليج هو أحد السيناريوهات المحتملة، وكذلك الأصوات التي انتقدت التدخلات في أهم مؤسسة دفاعية وسيادية وطنية من تشريد لكفاءاتها وحزبنة لترقياتها مطالبة بإعادة قوميتها، لأنما السيادة هي للشعب لا لحزب معين، وإن أردنا استبطان هذا المعنى فإن لذلك استحقاقات تبدأ من استيفاء حقوق المواطنة للجميع وتمر بخلخلة مفاصل دولة الحزب لصالح دولة الوطن وتنتهي بأن يكون الوطن للجميع في حلوه وفي مره لا كما يقول المثل: في حزنكم مدعية وفي فرحكم منسية! فمثلما الحزن بضياع شبر وطني هو حزننا جميعا، ينبغي أن يكون الفرح بأي إنجاز وطني هو فرحنا جميعا، فلا يكون السد ردا على أحد بل لفائدة الجميع، ولا يكون البترول حينما استخرج (كيتن) في معارض عليه أن يغتسل بالبحر الأحمر، أو كما قيل.
ونقف كذلك مع الأصوات التي إذ تدين احتلال هجليج تعف عن الإساءات العنصرية لأهلنا في الجنوب وكما قال الإمام الصادق المهدي في 19/4/2012م: نحن بُرآء من هذه اللغة الجاهلية البغيضة ونعتذر لكم يا أهلنا في الجنوب عنها، لقد كنا ندينها لدى منبر السلام العادل، ولكن اتضح الآن أن قادة المؤتمر الوطني كلهم منبر سلام عادل فكأنما كان ضميرا لهم.
الحمد لله أن حررت هجليج هذا أولا، وثانيا، ينبغي الانطلاق من تحريرها لحل كافة القضايا الحدودية المعلقة كما جاء في بيان الاتحاد الأوربي بلوكسمبرج بالاثنين 23أبريل، إذ أنه وبعد تحريرها الميمون لا زلنا أمام حالة الشريط الحدودي الملتهب، بعضه بسبب استخدام القوة في حسم قضايا المناطق الثلاث، وبعضه الآخر بسبب تعليق الاتفاق على الحدود، وجهجهته، ذلك أن هجليج تشكل واحدة من نقاط خلاف تسع بين السودان وجنوب السودان (نفصلها لاحقا بإذن الله) وحلها ممكن في إطار الشرعية الدولية والإلتزام بحدود 1956م والحق معنا لو كنا ندير معاركنا بحق ونقف عند حده دون الاعتداء والتعدي والتلويح بتحرير جوبا وغير ذلك من أوجه العدوان.
إن مسائل الحدود بيننا وأخواننا الجنوبيين بحثتها لجنة الحدود الفنية التي كونها الحزبان الحاكمان في السودان وجنوب السودان أيام الحكومة الانتقالية (2005-2011م) ولكن بقيت أمور لا تحسم فنيا فهي سياسية وقد تكررت الإشارة من قبل وطنيين بضرورة حسمها عبر لجنة حكماء تعطى وقتا كافيا للتحيكم حولها.
هذه الأصوات لم يستمع لها أحد، كذلك نشطت منظمات دولية تبحث الأمر وحللت وأوصت، ولعل من أهم الأدبيات الصادرة حول المشاكل الحدودية التقرير الذي أصدرته منظمة كونكورديس الدولية والذي أعده فريق من خبراء سودانيين ودوليين قاموا بعمل حقلي وبحثي حول الحدود بين الشمال والجنوب. بعنوان (أكثر من خط: الحدود بين شمال وجنوب السودان).
أكد ذلك التقرير أن اللامركزية التي نجمت عن اتفاقية السلام الشامل لم تكن فعالة ولم تقم بتقوية المجتمعات التقليدية لإدارة النزاعات، وإن كاتبو مسودة الاتفاقية توخوا التعاون بين الهويات المختلفة كإطار للاحترام المتبادل ولكن ذلك لم يتحقق، وبعكس ذلك صار هناك استدعاء لذاكرة النزاع في السودان عامة وخاصة في المناطق الحدودية. وإن الاتفاق القومي (سواء أكان رسميا أم غير رسمي) على ترتيبات ما بعد الاستفتاء ضروري ولكنه ليس كافيا لتأمين السلام المستدام. فمع وجود مصالح متباينة، وتهميش، وتحالفات معقدة، وثقافة عسكرة وتوافر الأسلحة، هنالك خطر وإمكانية أن تستطيع الجهات المحلية الفاعلة التي لم تراع مصالحها جذب طرفي الاتفاقية للعودة لصراع أوسع نطاقا.
وقال التقرير إن الديناميات التاريخية المحلية في المناطق الحدودية تم تعزيزها بالاختلاف على المستوى القومي حول الأرض، وحول النفط والموارد الطبيعية والتي لم تحلها اتفاقية السلام الشامل. وإنه في سياق عدم تلبية اتفاقية السلام الشامل للتوقعات على الصعيد المحلي، ظهرت جماعات مسلحة كمهدد خطير للأمن في كل من الشمال والجنوب لها صلات مع الجماعات المسلحة في جنوب كردفان وجنوب دارفور تسلط الضوء على إمكانات عدم الاستقرار في المنطقة.
وقال التقرير الصادر عام 2010م إن أهم الأسباب في الصراع حول بعض المناطق الحدودية هي:
أ‌- وجود موارد معدنية إستراتيجية:
- النفط هو المحرك الرئيسي للمطاعن على الحدود. منذ حكم المحكمة الدائمة للتحكيم، الذي حدد منطقة أبيي، صارت هجليج ( بين ولايتي الوحدة وجنوب كردفان) هي أكثر منطقة متنازع عليها. نظرا لحجم الاحتياطيات، والبنية التحتية النفطية، وعدم الوضوح في عملية ترسيم الحدود.
- الترتيبات المتعلقة بحوض ملوط في ولاية أعالي النيل الممزقة سياسيا، ليست متنازع عليها في الوقت الراهن، ومن المرجح أن تكون ذات أهمية متزايدة فحصتها النسبية من إنتاج النفط في السودان لا تزال تنمو وقد تضارع حوض المجلد.
- المنطقة الحدودية غنية بالأراضي الزراعية (مشاريع( أعالي النيل، النيل الأبيض، النيل الأزرق)، وبالنحاس واحتمال باليورانيوم غرب حوض بحر الغزال وجنوب دارفور)وبذهب في الكرمك/ مابان).
ومع الاهتمام الاستراتيجي بهذه الموارد وما تشكله من فرص اقتصادية وعدم الوضوح في خط الحدود لسنة 1956م تتنامى مظاهر النزاع وتنذر بتفجر الحرب.
ب‌- الهجرة للمراعي: قلق القبائل الرعوية بشأن مستقبلها: فترة ما بعد الاتفاقية زادت من التوتر والمشاكل بين الجنوبيين والجماعات الرعوية، وذلك مع وجود وفرة من الأسلحة والمقاتلين السابقين الساخطين بين جماعات البدو الرحل المتضررة ،وفي بيئة العسكرة والنزاع المتأجج يلوح خطر كبير على الاستقرار. النقاط الساخنة والحبلى بالنزاع تقتصر حاليا على الحزام الشمالي لشمال بحر الغزال ومثلث جنوب كردفان والوحدة، رغم أن هذا يمكن أن يتغير.
ويظهر هذا التقرير بجلاء، والذي كتب قبل عامين، إن ما يحدث في هجليج الآن كان متوقعا للدارسين مثلما كان متوقعا للسياسيين الذين كم حذروا ونبهوا، وضاعت كل تلك الكلمات سدى.
إننا نعاني من حوار العنف المؤسف الملتزم بحسم الاختلافات بالقوة، وهو حوار تشارك فيه الأخوة السودانيون تبادليا، بدءا باحتلال أبيي حتى صارت محمية أممية أثيوبية، ثم العنف الحالي في جنوب كردفان وفي النيل الأزرق والقصف الحكومي على مناطق حدودية داخل الجنوب الذي أدين دوليا وهكذا.
وإن أقل ما يمكن قوله هو ضرورة الإقلاع عن هذا الحوار الغبي الخطر والمدمر لبلدينا وشعبينا.
وإنه ما بعد التحرير فلا مناص من حل شامل لقضايا بلادنا التي لا يمكن أن تستمر تحكم بهذه الطريقة الرعناء، وكذلك للقضايا العالقة بيننا وبين الجنوب ومن أهمها قضايا الحدود.
نواصل حول أهم المشاكل الحدودية بيننا وبين الجنوب بإذن الله،

وليبق ما بيننا


ملحوظة: في نسخة الصحيفة تم حذف الفقرة حول حلايب والفشقة ووادي أم دافوق، وفقرات أخرى عديدة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2293

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#347168 [الغاضبة]
4.11/5 (10 صوت)

04-26-2012 01:13 PM
اقتباس "لم نستغرب لتوحد الحركة السياسية السودانية حول حق تحرير الأرض بعد احتلال هجليج الأخير (10-20 أبريل). فالموقف إزاء أي شبر أرض يحتل عنوة وغصبا موقف ليس فيه مراء ولا استفتاء. انتهى الاقتباس

يا سلام على الوطنية، ألا تعلم الكاتبة ان السودان محتل منذ أن فرط فيه الصادق المهدي في 30 يونيو 1989، لا أرى أن ما حدث في هجليج بأسوأ مما يحدث في مناطق السودان الأخرى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق الخ.. وما يحدث حتى في الخرطوم من انفراط الأمن ونقص في الغذاء والدواء، لن تحل مشاكل هذا البلد إلا بزوال هذه الحكومة ولن نصفق لها لو حررت هجليج أو حتى حلايب، بل يجب بعد الاطاحة بها (لو حقيقي البلد فيها رجال) محاسبتها ومحاسبة كل من شارك في ارتكاب الجرائم البشعة في حق الوطن والتفريط في أي شبر منه، ومحاسبة الصادق المهدي لتفريطه في البلد وتسليمها للمستعمر الوطني الجبهة الاسلامية.


#346432 [تيقا]
4.09/5 (9 صوت)

04-25-2012 06:29 PM
كنا نتسأل .. ولا زلنا !!!

( كيف يضيع بلد وفيه بيت المهدى )


ايتها الكاتبه ...

اولا :

نحى غيرتك الوطنيه والتى بالتاكيدلدينا فوق مستوى الشبهات .. ولكن لازالت بالقلب غصه على قوقريال واخواتهاـ وما هجليج باعز منهن لدينا ـ واللائى ضعن فى غفلة من الزمان ، وفى غيبة من الرجال ..

ثانيا :

لقد اسمعت لو ناديت حيا .. ولكن لا حياة لمن تنادى

ولو نارا نفخت بها اضاءت .. ولكن انت تنفخ فى رماد

ان القوم لايعيرون مثل ما ينتابك انتباهة ، ولا يعبهون بما تعبهين ، يرزئون العباد والبلادهكذا خبط عشواء ، ويحكمون دون كتاب ولا هدى منير ، ولو تعلمين الان ، الان ، الان جل امانيهم ان يضعوا اوزارهم جانبا ويهربون .. فالامر اكبر مما كانوا يتخيلون .. ولكن الوطن حتما محيط بهم ، واينما يولون فثم وجه السودان ..

ثانيا :

مَابَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؟؟؟

دعوها فانها منتنه!!!!!


نفحة نبوية ما زال شذاها يضوع منذ اربعة عشرة قرنا من الزمان ، ومع ذلك بعض الافئده .. وحتى القرن الواحد والعشرين .. تعجز ان تتطيب بها من فرط الفساد ..

وهؤلاء هم اشر البريه ...

مظهر بلا معدن .. يتشدقون بالاسلام والاسلام منهم براء ، شبه لهم انهم يرفعون راياته وهم فى الحقبقه ينكسونها صبح مساء .. بكذبهم .. وضلالهم .. وغيهم .. ونفاقهم ..

وعزة بلا مكمن .. يفاخرون بانساب هى اوهى من خيوط العنكبوت ، خيل لابائهم انهاتعصمهم من الناس ، عند هجرتهم الاولى الى هذه الديار ، ثم ما لبثوا ان اكتشفوا كساد تجارتهم فقايضوا وهم صاغرين عرق بعرق .



واخيرا ..

من كان يصدق ان امريكا البيضاء صنعا وهندسة وبناء ، سياتى يوم ويكون شخص مثل مارتن لوثر كنج من اعظم قاتها ورموزها عبر تاريخها غير الملون !!!!


#346355 [محمد خليل]
4.09/5 (10 صوت)

04-25-2012 05:16 PM
أري رباح كثيرا ما تستدل و تضرب الأمثال بكلمات أبيهاالإمام الصادق المهدي بمناسبة و بدون مناسبة و كثيرا ما تقحمه فى كلامها حتى لو لم يكن الأمر يستدعى ذلك.


ردود على محمد خليل
United States [مرمر] 04-26-2012 09:52 AM
الكلام ده كلو والحقائق دي كلها مالفتت نظرك؟...ولله كل زول في همو...
رباح ماقلتي الا الحق


رباح الصادق المهدي
رباح الصادق المهدي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة