المقالات
السياسة
رافع علم الاستقلال الآخر
رافع علم الاستقلال الآخر
12-29-2012 09:06 PM


لم يعد يعي بوضوح إن كان هو نفسه أول رئيس رفع علم استقلال البلاد. لما بدا التذكر منهكا، أمرهم بمراجعة الوثائق التاريخية لعمل اللازم. في تلك الأيام، بدأ ت تجتاحه أشياء غريبة، قاهرة، وغير قابلة للصد، كأن يتذكر وهو يقف قبالة حشود من ناحية البطانة تفاصيل مغامرات قام بها في سن السابعة عشرة مع بائعة خضروات تدعى "مدينة"، وكانوا بوصفهم الشعب مندمجين في حكايته، وقد نسوا أمر شمس منتصف النهار المنصبة على رؤوسهم، في تلك البقعة من الوطن. كان الحنين يتلاعب بمشاعره، تلاعب طفلة بدمى، فأصدر وسط تصفيق الحشود مرسوما كلف بموجبه أكثر من مائة ألف أمنجي بالبحث عنها في مدينة قال إنه "للأسف الشديد" نسي اسمها. وأضاف "قد تكون أية مدينة". وشعر من طول الوقفة بما كان يسميه "تناقص نسبة الشحوم في ركبتيّ". حسب التقارير النهائية، تم العثور في القطر كله على عشر نساء فقط وصلن إلى سن الثمانين، مات منهن سبع بالسكتة القلبية، حين علمن أن "رافع علم الاستقلال" أرسل في طلبهن على وجه السرعة، بينما ماتت اثنتان في أثناء الطريق لأسباب مجهولة، وظلت مَن تبقت حية "تضرط" بصوت عال، ما أزعج سكان القصر ودفع بالرئيس في النهاية إلى إرسالها بغير أسف إلى بحيرة التماسيح.

هكذا، عاد السأم مجددا يسمم هواء حياته الموغلة في الشيخوخة والتحلل. لتنشغل دوائر الأمن ثانية بالبحث عن ألعاب مسلية أخرى لتغذية أشياء "غريبة قاهرة وغير قابلة للصد"، فتمّ البعث مجددا بمائة ألف أمنجي، للبحث عن شاعر مجهول لقصيدة شائعة بين الناس، قيل إنها تنعي بخبث سياسي بلادا خلت من اسم "مدينة". ولم تكن تلك العملية بمثابة تناول قطعة كيك بالنسبة لذلك العدد من رجال الأمن، الذين نجحوا في أخذ اعترافات بكتابة القصيدة المعنية قاربت نحو النصف مليون اعترافا. وقد أقروا جميعا بفعلتهم مستخدمين كلمات الإقرار نفسها على الرغم من التباعد ما بين مدنهم وقراهم المختلفة. إذ ذاك أمر أن يتمّ التحفظ عليهم داخل سجن بلا أسوار، ولا تحرس أبراجه كتيبة، ولا طهاة به، ولا ينيره مصباح ليلي، ولا يحتوي على وحدة علاجية، ولا يغشاه ساع للبريد. وكانت تلك في الواقع طريقته البليغة في بعث الجموع الغفيرة إلى الموت بلا تردد.

وحدث أن اقترح أمنجي يدعى "الثعبان الابن" طريقة لمحو ذكريات الرئيس الغرامية الخالية من أي أمل. كان الثعبان يتناول طعامه ساهما عندما بدا له أن من الحكمة أن ينشغل الرئيس قليلا بمغازلة المنفيين. وتلك كانت البداية الحقيقية لحمّى أسماء الخمر الفاتنة. كان الشراب في كندا متوافرا من كل صنف ونوع. كان ثمة مشروبات روحية قوية وأخرى لطيفة وثالثة معتدلة. كانت تنحدر من بقاع الأرض المختلفة. ومع ذلك، لم يكن هناك وجود لخمر الوطن مثل "المريسة" و"العرقي" و"البقنية" أو"العسلية". كان الشراب في كندا يُعرض على نحو جذاب مثير وفاتن. كان هناك الويسكي والبراندي والفودكا والجن والشيري والواين والبيرة ومشروبات أخرى غير مكسبات المذاق والرائحة. كان لكل قبيلة من تلك الخمور أسماء بطون وأفخاذ وبيوت وألوان وسحنات متعددة وقامات وأحجام متفاوتة. كان هناك الريد والبلاك ليبل والشيفاز والهينكن والفودكا بنكهاتها الكثيرة ومستر مورغان وما لا يعلمه إلا الشيطان. كان المنفيون في كندا قد أصيبوا سريعا بعدوى إطلاق تلك الأسماء الحميمة على أنواع الخمر، كيما يتناسب كل اسم مع مواقف لا تنسى من تاريخهم الشخصي، أو حتى اسم يوافق سلوك اشتهرت به قبيلة معينة في الوطن، عسى في ذلك ما يُعطي لغربة المنفى شيئا من ألفة الوطن، ويبقي الذاكرة القديمة حيّة.

هكذا بدأت ذاكرة المنفيين مواجهة آنذاك بحمّى الأسماء، التي اندلعت تأكل في طريقها أخضر ويابس تلك الكلمات من قاموس حياتهم الموغل في الضجر، فغدا يطلق على "الكونياك" اسم "الزول مشتاق"، وحمل "الويسكي" اسم "القيامة بكرة"، و"الفودكا" حُظيت باسم "السفر إلى الوطن في أقل من الثانية". ويبدو أن المنفيين كانوا بالفعل في حاجة ماسة في شتاء كندا الجليدي القارس إلى دفء تلك الحمّى، فاندفعوا ينفقون وقتهم وعواطفهم القلبية ومقدرتهم العقلية مبتكرين أسماء أخرى للخمور. ويوسعون من دائرة انتشار تلك الأسماء، ليس داخل كندا فحسب، حيث شرعوا في رفع سماعات هواتفهم يخبرون منفيين آخرين وراء البحار، في محاولة لبعث "حرارة تلك الأيام الرفاقية"، عسى أن تنقذهم كذلك من بؤر السأم التي أخذ بعضهم ينحدر إليها بفعل ما بدا "موت النشاط السياسي"، حتى أن منفيين في أستراليا قد أخذتهم حماسة غريبة فتوجهوا ليلا إلى بارات ومقاصف مختلفة من سيدني يطلبون من النادل بمرح غامر ولغة انجليزية متقعرة وواضحة شيئا من "الكافر" والجعيل" و"مريم الأخرى" و"شوية من النباري". ولدهشتهم أن النادل أتى لهم بما طلبوا بدقة متناهية. قضوا بعدها ما تبقى من الليلة محتارين مقلبين تأويلاتهم يمنة ويسرة متتبعين النادل بعيونهم أينما ذهب بين الموائد المتناثرة هنا وهناك قبل أن ينبري أكثرهم فصاحة قائلا "مجرد صدفة". كانوا مقتنعين فيما بينهم أن الصدفة وحدها لا يمكن أن تشمل ثلاثة أصناف في المرة الواحدة، فنادوا على سبيل التأكد على النادل بحذر هذه المرة وطلبوا مشروبات أخرى من "الضفاري" و"أم بدة" و"السفر إلى الوطن في أقل من الثانية" وكذلك بعضا من "الدنقلاري الخطر هدام الإحباط ومشتت شمل الاكتئاب العفن".

لم يمض وقت طويل حتى أحضر لهم النادل بالضبط ما أرادوا. عندها فقط أيقن المنفيون في تلك البقاع النائية بدورها عن أرض الوطن أن شيئا مريبا يحدث. فأخذوا ينادون على النادل راغبين في الدفع ومغادرة مكان تفوح منه "رائحة المؤامرة". ما جعلهم مقتنعين حقا أنّهم مستهدفين برُسل التصفية أن النادل أخذ يخاطبهم بلغة ذات سمت وطني يماثل لهجة قبيلة الممتازين في الأرض، قائلا "أيها المناضلون، لن تخسروا سنتا واحدا، فحكومة السيد الرئيس قامت بدفع الحساب قبل حضوركم إلى هنا مباشرة، فأهم شيء أن ينعم شعبنا بالسعادة، سواء داخل الوطن أو خارجه". حين علم الرئيس بما حدث، رجع بكرسيه ذي العجلات السوداء المصمتة إلى الوراء، وشبك يديه وراء مؤخرة رأسه، متفكرا في جلال سلطته، واتساع سلطانه، وقد أمرهم للتو بتغيير اسم شارع “الحزانى" إلى اسم لا يخلو من مسحة شاعرية يدعى "السفر إلى الوطن في أقلّ من الثانية".

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1777

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة