المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هل يصلٌح هذا الوطن للمعاش
هل يصلٌح هذا الوطن للمعاش
05-05-2012 07:47 AM

هل يصلٌح هذا الوطن للمعاش

خالد عبدالحميد عثمان
[email protected]

هل يصّلُح هذا الوطن للمعاش؟
تلويح فى حضرة الأربعة الأخيرة!

مابين شتات المنافى وسنين تناثرت فى أصقاع الأرض وأطرافها، أجدنى وآخر أربعة فى سنى عمرى تغادر
(هكذا فجأة) التاسعة والأربعين. استوقفنى هذا الخاطر ولأول مرّة أقف مندهشاً أمام أربعة. غنّى مصطفى للراحل ابوذكرى
(لوّحت لى ساعةً حين أنصرفنا ** ثمّ عادت لى بواكيرُ الخريف) إنصرفت هى وبقيْت أتأمّل فى بواكير الخريف .
لكن ولأنّ المقام ليس بشخصى ولأن الحكايا تتولّد حين الوقوف مندهشاً، فدعنى أزعم أنّى أتحدث بلسان جيل، تساقطت ثلاثاته وأربعاته وخمساته فى ضواحى الدنيا. تحت شموس الخليج اللاهبة تجدهم، مستعينين بالقهوة والمخبوزات المثقوبة يصارعون ثلوج كندا، يتمسّكون بواقيات المطر الملوّنة تحت أمطار كوالا لامبور وماجاورها، تتسارع خطاهم للّحاق بإيقاع أوروبا، وبامريكا آلاف استعصت حتى على العدد تمارس تأرجحاً بين رحابة الحلم وضراوة الحال يبدو بلا منتهى، وغير ذلك كثير.
ياكل هؤلاء ياجيلى فلنتفق على كلمةٍ سواء، فى حضرة عشرات العمر التى تسرّبت فى شقوق المنافى، كزخّات العطر، وكأنها لمحُ بصر، فلتكن الستّة خمسة، والخمسة أربعة وهكذا. مستشرفين المصطلح السودانى –بالقديم- فأنت يا صاحب السبع وخمسين ألا تشعر أنّك حقاّ ابن سبع وأربعين؟ يتزوجون الآن فى الأربعين! أليس ذلك بالثلاثين -بالقديم- وبهكذا حيلة نسترد بعض ما تسرّب منّا كجيل تواطأ الساسة مع الظروف فتطايرت أصفار العملات وكذا تتطاير سنين العمر، فلنُسقط العشرة ويالها من نشوة.
نترك إذن هذه النظرية الباعثة على إنشراح الصدر، الرافعة للذرى معنويات الواحد منّا (والواحدة)، فكل بهاء السنين الممحوّة الى فواق ولو بعد حين وحينها نعود للسؤال عنوان هذه الخاطرة، هل يصّلح هذا السودان مكاناً لمن لم يبلغ من الكبر عتيّاً أو بلغ؟؟ هل يصلح مكاناً للمعاش؟
كممثل لجيل المنافى لابد من الرجوع بالأمر لعقدين أو ثلاثة أو زد على ذلك قليلا، كنّا وكان الناس على إختلاف نواحى إغترابهم وهجراتهم يجمعهم تقريباً رابط مشترك، هو الأحساس بأننا هنا مؤقّتاً، كلٌ يُعوّل على عودة وهل من عودة هل؟ وما تغيّر الحال بل ما فرّ منه الناس آنذاك لعلّه يٌعدّ نعيماً فى زمان الناس هذا. لعلّى أتساءل مع مظفّر النوّاب فى سؤاله الشهير..هل وطنٌ هذا أم مبغى؟ مابين هرج الخارجين وتوجّس الداخلين تنتابك الحيْرة.
يقينى وواقع الحال أن جدلية أنعود أم نبقى قد تكفّلت الأيام بحسمها حسماً لاريب فيه ، فما عاد من خرجوا بحثاً عن دنانير البترول وما عاد من خرج بحثاً عن حرية وما عاد من خرج مطارداً وما عاد من خرج لمجرد الخروج. ما عاد من مدن الطرب البعيدة( اللى ضاق بيهو المكان وحسّه سافر واغترب) وما عاد ولد عم عبدالرحيم (الأبى ما يعيد**الغبن الشديد**السابا ورحل) ولا أظننّ رفاقه عادوا.بل إنّ بعضاً ممّن عادوا، عادوا. كلنا وإن تشتت مساراتنا يبقى بالدواخل فى مكان محمى من تلك المضغة. عشق لايبلى عالقاً كخيوط القدر كأنه بعض ملامحنا المميّزة، (بكسر الياء أو فتحها) لا يشيخ أبداً عشق السودان فى الدواخل، عجيب أمر هذا الإنتماء.
أقول كان قاسم الغربات شبه المشترك هو أنعود أم لا؟ وأنتصرت اللاء إنتصاراً مبينا، وانبجس هنا الهاجس ..أيصلح هذا الوطن للعيش فيه لمن بلغ سن المعاش؟ بالجديد أو القديم لايهم.
ثقافة الحياة الهانئة بعد المعاش ثقافة غربية متجذّرة، فأنت تعمل كما ينبغى أين ما كنت ومهما كان موقعك فى سنين العطاء ولابد لمنظومة المجتمع أن تكفل حقوق أساسية لمن أعطى والتخطيط لسنى المعاش أمر أساس وفرض عين على كل صاحب عقل سليم. التجربة الأمريكية بها حقيقة ساطعة هى أين تعيش سنين معاشك لا علاقة له البتّة بأين كنت تقيم وتعمل، فهناك من يبحث عن الولاية الأدفأ وهناك من يبحث عن الأهدأ أو الأقل تكلفة معيشياً وضريبياً، أو أين له أهل أو أصدقاء وهكذا.

أمّا نحن يا هذا الجيل ولأن الهوى فينا وطن، والهوى خبلُ ولأنه لا ينبغى أن نختار بين المنافى والوطن حتى حين معاش، فالسؤال الكبير، هل يصلح هذا السودان للمعاش؟ من صبّ عرق الغربات ليبنى منزلاً أو من لم. من تعب من البعد ومن لم يتعب ، من ملّ الأضواء وصخب العوالم البعيدة ذات العمارات السوامق، هل يصلح لخمسينى أو ستّينى أو سبعينى، قديمهم والجديد؟؟؟؟
وهل إن عاد الواحد منّا يجد الأشياء هى الأشياء؟ وهل يا ترى يعود رفاق سنين تباعدت لاجترار ذكريات وطن كان كل مافيه جميل؟ أو يعودون لسكب عصارة كل هذى الخبرات المتلاقحة مع الآخر؟ أو يكون الوطن جاذباً لعودة من تبعثروا كحبّات اللؤلؤ النضيد مزيّينين جـيد الأرض من أقصى الى اقصى؟ هل يصّلُح؟؟؟
خالد عبدالحميد عثمان محجوب
نيوجيرسى


الردود


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1151

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#362395 [أحمد برى]
0.00/5 (0 صوت)

05-13-2012 05:07 PM
أخى وصديقى الصدوق، جد أفرحنى مقالك ولمست بين سطوره وحروفه مدى إنتمائك وحبك لهذا الوطن والذى عهدناه فيك دوما.
تختلف الإجابه على تساؤلك المشروع ، إعتمادا على مستوى المعيشه المتوفره فى بلاد الغربه وسهولة الحياة ونظامها؟ ... ام تريد نحن أبناء جيلك قضاء سنين معاشنا فى إجترار الذكريات الجميله مع رفقا الصبا والشباب والشيخوخه مع وجود الحد الأدنى لمستوى المعيشه (مثلا)؟، ام ماذا توفر الدوله لمن بلغوا من العمر عتيا وقد قدموا لهذا الوطن زهرة شبابهم؟
الأيام الجميله المضت من المستحيل أن تعود، ولكن يمكن إستعادتها بإعادة صياغة المجتمع وإعادة الأمور إلى نصابها وذلك بإعادة غرس المبادئ التى تربينا عليها وظروف الحياة ألهت الناس وجعلتهم يغيرون جلودهم ومبادئهم، ، وهذا لا يتأتى إلا بوقفة الحادبين والمحبين لهذا الوطن لتكفل الدوله لكل من ساهم فى بناء وتخطيط وتعليم الأجيال فى هذا الوطن الحياه الرخية عتد سن المعاش. وهذا ليس ببعيد.
والله الكلام كتير والموضوع جد حيوى لو تناولناه بنظره تفاؤلية وإيجابيه. وحميد قال (إيه الدنيا غير لمت ناس فى خير أو ساعة حزن).
ترانى ليس مثلك فى فن الخطابة والكتابة واللباقة، أرجو أن أكون قد فهمت الموضوع من زوايا مختلفه وصحيحه.
الله ولى التوفيق،،،


#355723 [sudani]
0.00/5 (0 صوت)

05-06-2012 01:28 AM
I have visited sudan last year after many years .I tried to see some of my friends whom I missed ...oh my god most of them have white hair ..and daibetes got the best of them ..some of some I couldn't see them face to face I phoned hoping we could meet but I had a feeling that they are avoiding me ..don't know why ..sudan is not sudan that use to be .every thing is pale and gloom ..NCP took the zest of life ...people became like zombies .any way good bye beloved country good bye


#354867 [Shah]
5.00/5 (1 صوت)

05-05-2012 09:01 AM
فى الحقيقة بفعل الكيزان صار هذا الوطن غير صالح للميلاد فيه.


خالد عبدالحميد عثمان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة