المقالات
السياسة
وزير المالية يحرك ملعقة في كوب التضخم الفارغ
وزير المالية يحرك ملعقة في كوب التضخم الفارغ
12-30-2015 07:58 PM


في مؤتمره الصحفي يوم 28/12/2015 حاول وزير المالية التهوين من شأن التضخم وابتذال تعريفه بأنه لا يعني ارتفاع الأسعار وإنما (البطء) في ذاك الارتفاع ولم يحدد معيارا لهذا البطء أو مقياسا زمانيا أو كميا يحدده ويضبطه ويعرف بالوقت الذي يكون فيه خطرا أو مقبولا مباحا مع العلم أن الزيادات الكبيرة في الأسعار لا تحدث إلا في أوقات وظروف معينة تتدخل فيها عوامل السوق النفسية والعملية وتعود هذه الأسعار إلى حالتها الطبيعية بزوال مسببات الزيادة في وقت سريع ومثال ذلك ارتفاع السكر كلما اقترب شهر رمضان أو ارتفاع سعر الزيت كما حدث قبل فترة إلى أكثر من ستمئة جنيها للجركانة عبوة 36 رطلا ثم عودة السعر إلى الطبيعي بعد معاودة استيراده وتوفر كمياته وطرح المخزن منه تجاريا في الأسواق .
ارتفاع الأسعار البطئ والمستمر أخطر من المفاجئ الذي يتضاعف بضعفين أو ثلاثة أمثال السعر الأصلي لأن البطئ غالبا والمتسرب بهدوء يدل على عطل أكبر في الاقتصاد وعلى ثغرات في نواحي إنتاجية وإدارية وعلى انفلات سعري يحتوي بداخله على طفرات وقفزات متكررة طوال السنة الإنتاجية تصل بالأسعار إلى ارتفاع غير محتمل يتجاوز بعد فترة زمنية محددة الارتفاع المفاجئ والسريع أو بالتلاعب بالسيطرة على النظام النقدي
ربما ينزعج السيد الوزير من كلمة ( تضخم ) لأنها كلمة مهمة وفعالة وتواجهه كل يوم بالأسئلة المحرجة ولأنها إحدى الكلمات التي تحرص عليها مؤسسات التمويل الدولية المختصة بإلغاء الديون كنادي باريس الذي يطالب كل من يريد النقاش حول ديونه بأن يقوم بإصلاح نقدي في المؤشرات الكمية كضبط سعر الصرف الذي حارت فيه حكومة الإنقاذ بعد ذهاب إيرادات البترول التي جعلت من الصادرات أعلى إيرادا من الواردات وبعد عجزها المزمن من زيادة إنتاجية الفدان وتوسيع الصناعات التحويلية وتصدير المواد الخام مصنعة بقيمة مضافة وبغير ذلك كما قال محافظ بنك السودان عبد الرحمن الحسن الذي تلا وزير المالية متحدثا ومناقشا لا يمكن إحداث موازنة بين الصادر والوارد و لا يمكن تعويض إيرادات البترول في المدى المنظور . ومن المؤشرات الكمية كذلك تخفيض عجز الموازنة وهذا مستحيل الآن وضبط التضخم الذي يحاول الوزير التهوين من أمره مع أنه من المطلوبات الدولية للتمويل وإعفاء الديون ومن المؤشرات التي تدل على التعافي الاقتصادي وزيادة القدرة الشرائية والقدرة على الاستهلاك .
زيادة الأسعار البطئ يكون دائما مستمرا وهو الذي لا يخاف منه وزير المالية في بلاغته الأكاديمية المليئة بالريتورك والمحفوظات كأنما يعطيه الضوء الأخضر بالاستمرار و هو الذي رفع سعر بضائع بسيطة كقلم البيك الذي كان يباع بحزمة تحتوي خمسة أقلام لا يتجاوز سعرها 1000 جنيها ( قديم ) و الآن ارتفع هذا السعر ببطء إلى قلم واحد بسعر 1500جنيها عدا نقدا . مع العلم أن التضخم نفسه أحد نتائج عجز الموازنة الدائم عندما تقوم الحكومة في محاولات مستميتة ويائسة إلى تمويل نفسها عن طريقه وذلك بالاقتراض من البنك المركزي الذي يطبعها مما يزيد من كتلة النقود المتداولة فتنخفض قيمتها وكمية ما تشتريه من سلع فيحدث الفقر والجوع أي أن الدولة وبطريق خفي تمول نفسها من جيوب المواطنين الخاوية دون أن تحدث أي ضجة تزيد من حدة المقاومة لها . ولأن وزير المالية منصاع لتعليمات فئة جشعة لا تشبع ولا تلتزم بقوانين السوق الاقتصادية فإنه بالطبع لا يوصي بتاتا بالاقتراض من النظام المصرفي ومن المعروض النقدي الموجود الذي يعبر عن قوة وتراكم وقيمة الاقتصاد المحلي لأن هذا الاقتراض يترتب عليه إرجاع ما استدين بكامله .
التضخم هو العمل السري الكبير الذي توازن به حكومة الإنقاذ بين وارداتها وإنفاقها وتعجز عن الاقتراض من النظام المصرفي حتى لا تقع في مشكلة سداد الديون المتعثرة التي ستشكل عبئا جديدا على الميزانيات القادمة ويشكل بندا واجب السداد في أي ميزانية أخرى ولا يوجد عمل يقوم به البنك المركزي الذي هو الحكومة نفسها ووزير المالية طيلة سنته الإنتاجية سوى طبع النقود التي تتكدس بعد فترة في البنوك التجارية بلا أي عمل حقيقي أو إنتاج .
وزير المالية الذي يخاف من كلمة تضخم ويحاول أن يخفف من حدتها ويلفت الانتباه إلى شيء غيرها شبيه بها يسير ببطء دون تأثير سلبي على حياة الناس وجيوبهم إنما يساعد حكومة الانقاذ على حل مشاكلها بأيسر الطرق دون حاجة في المستقبل لرد دين أو سداد قرض عندما يعلن أن هذه الميزانية أكبر ميزانية في تاريخ السودان وهو يعلم أن الموارد شحيحة وأن المتوقع منها ضعيف جدا وأن أسهل طريق هو طريق التمويل بالتضخم الذي يعده الاقتصاديون سرقة خبيثة للمواطنين وضريبة سرية تسهم في تآكل العملة الوطنية والهروب المنظم والعمدي للعملات الأجنبية كالدولار الذي يتحول إلى مخزن للقيمة بدل أن يكون مادة للتبادل والعمل فيرتفع سعره ويشح عرضه ويفقد وظيفته ومع اختلال العملة الوطنية يحجم الناس عن القيام بمشروعات جديدة حيث إن أكثر ما يهدد الاستثمار عدم اليقين والشك في المستقبل .
وزير المالية يبشرنا بابتسامة عريضة ولكنها بلا أي معنى وهو يتحدث عن ( البشريات) والتي هي في حقيقتها ( أوهام ) مدروسة بدقة و التي حفظها عن ظهر قلب من الموازنات السابقات بأنه سيدفع في عام 2016 بقانون للمجلس الوطني ليجيز عمل شركات تجمع بين القطاع العام والخاص أو بين المواطنين وشركات عامة قانون يجيز شركات مساهمة عامة . ولك أن تندهش من عقلية التمكين الضيقة الطماعة التي تحاول إنقاذ فئة واحدة من بين الملايين دون أن تتذكر لمدة ربع قرن أن هذا القانون ضرورة للمشاركة الشعبية في البناء الاقتصادي والهيكلي للدولة والمجتمع و أن الكتلة النقدية بأيدي الشعب كتلة كبيرة يمكن أن تحرك مشاريع بقدرات محلية إلى جانب قدرات الدولة ويمكن أن تقرب الشعب من النخبة وتحدث المشاركة العامة في الثروة والتنمية الاجتماعية والفردية .
في عام 2014 وقف أيضا وزير المالية يبشر بميزانية تنقذ الوطن من ويلاته وقال بالحرف الواحد لن نفرض ضرائب ولا جمارك ولا رسوم سوى ضريبة دخل مضاعفة على شركات الاتصالات وقال نفس الشيء في هذه الميزانية من قبل وقام نفس الصحفي الذي وقف في عام 2014 ليقول له إن هذه ا لضريبة ستزيد من سعر المكلمات التلفونية والاستعمالات الأخرى فانبرى له الوزير في هذا العام بنفس اللغة المتعجرفة في الميزانية السابقة وربما بنفس الكلمات ونفس النسيان والنوم على وسائد الماضي ليقول له لا الضريبة في الدخل لا ترفع الأسعار لأننا لم نفرض قيمة مضافة .
كتبت في صفحتي في الفيسبوك هذا التعليق الذي أود أن أشارككم به وهو " ميزانية 2016 تعرفك بمقدار الأزمة التي يمر بها السودان الآن .. وهي ميزانية بشريات أي أوهام باطلة .. ميزانية تجعلك تتكئ على وسادة من حرير أكاذيب المحللين الاقتصاديين والخبراء الرسميين وتجعلك تظن أنك مقبل على بلد سيتحول إلى هونج كونج أو سنغافورة .. مع العلم أنها ميزانية كسابقاتها في ظل الحصار المحكم والعقوبات الاقتصادية التي تجدد على مدار الساعة والمطالبات الدولية المستمرة بمحاكمة رئيس الجمهورية لجرائم الحرب والإبادة والتهجير القسري .. ميزانية في ظل الحروب التي تجهز لها الأسلحة سرا والإمكانيات التي يجب أن تدعم الميزانية .. ميزانية في ظل النزوح والملاجئ واللاجئين والمعوزين .. ميزانية لا تمولها أوربا إلا بأضعف الإيمان باعتراف وزير المالية وإن مولت ا لصناديق العربية جزءا منها فهو تمويل على استحياء نظير الجهاديين الذين يقتلون الأبرياء في قرى ومدن اليمن السعيد .. ( البشريات ) التي يتشدق بها الوزير وكل من يتحدث عن الميزانية كرئيس البرلمان ما هي سوى أوهام بلد فارغ حالم منكوب .. أوهام مريضة قلقة كأوهام الرئيس في بناء طريق ........... قاري.. يربط بين بورتسودان والجنينة بعد أن أضاعوا مئة مليار دولار حصيلة صادر البترول في السنوات السابقة .. البشريات ما هي سوى أوهام فاشلين فاتهم القطار وفاتتهم كل الفرص المنجزة . "
لم ينس وزير المالية المستميت في الدفاع عن ( البشريات ) في مؤتمره الصحفي المطول أن يقول بقلقه الواضح من التعامي عن الأسئلة الملحة وبخجله المفضوح من التطابق التآمري في ردوده مع ردود محافظ البنك المركزي إن أجمالي إنتاج الكهرباء كان في سنة 1989 كذا والآن ارتفع إلى كذا وكذا .. أرأيتم ( وهو يضع نظارته وينظر من فوقها ) أين ذهبت أموال البترول التي تتحدثون عنها ..؟؟؟؟؟؟

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1835

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد بابكر أبوعاقلة
خالد بابكر أبوعاقلة

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة