ماذا بعد هجليج
05-08-2012 01:05 PM

ماذا بعد هجليج

عبدالله مكاوي
[email protected]

أثارت أحداث هجليج الأخيرة كثيرا من الجلبة و الضجيج وغبشت الرؤية الضعيفة أصلا بسبب الدخان والغموض والسرية التي تدار بها شئون كلا الدولتين وأكدت تلك الأحداث أن عمليات الترقيع وتأجيل الحلول وترحيلها من فترة الي أخري من غير حسم تزيد وتعمق من المشاكل وتضيع علي البلدين المزيد من الفرص وتجعل من التسويات أكثر صعوبة وأقل قدرة علي الديمومة ومواجهة الأنواء في بحور السياسة المتقلبة والمصالح المتعارضة، وكل ذلك بسبب غياب الاستراتيجيات الواضحة وضعف الإرادة وكثرة الشكوك وتغييب الإرادة الجماعية التي تملك حق الاختيار والمحاسبة. ووضعت هذه الأحداث مرة أخري علي الطاولة قضية الوطنية وفتحت محاكم التفتيش أبوابها وشرعت في تفتيش الضمائر وتقسيم المواطنين الي وطني مع النظام/الوطن/مصالح النظام أو خائن ضد النظام/الوطن/مصالح النظام وبالتالي أزاحت القضية من حيز الضمير الإيمان بالوطن والدفاع عن مصالحه في السر والعلن الي موقف مادي هتافي يدعم مصالح النظام الحاكم في خلط فاضح للنظام بالوطن، والأخطر من ذلك قتل الخصم (الذي يحمل مشروع مغاير ومهدد لمصالح النظام) وتجريده من كل أسلحته لتسهل هزيمته بالضربة القاضية حتي قبل بداية المبارة ، ويعمل علي تغبيش وعي الجماهير بنقل الصراع من مجاله الحقيقي وهو صراع من اجل الديمقراطية والمشاركة والعدالة الاجتماعية والوقوف بقوة ضد الاحتكار والفساد وبيع البلاد للأجانب بالخفاء وبصورة مشبوهة وشروط مجحفة في حق البلاد والأجيال القادمة الي صراع حول من الوطني وغير الوطني. وموضوع الوطنية ليس بالموضوع المعقد او المقدس الذي يتعالي علي المساءلة والنقد، فقضية الوطنية ليست مجرد لفظ عاطفي يصدر من طرف اللسان ولكنها إحساس وتوقير يحتل النفس والضمير ويدفع صاحبه لبذل الغالي والنفيس لكل ما يعتقد انه يصب في مصلحة بلاده وشعبه وهما أمران مشتبكان يصعب الفصل بينهما وهذا الأمر يكتسب من خلال الوطن نفسه وما يقدمه لأبنائه من تربية وحرية وأمان وحقوق أساسية تكسب صاحبها معني الإنسانية، بالإضافة الي عاطفة النشأة والأهل والتراب وغيرها من العوامل التي تترك اثر وانطباع جيد في النفس، لذلك نجد اكبر العوامل التي سببت لبس وتشويه في قضية الوطنية هي الأنظمة الشمولية التي تقوم باحتكار الوطن لأتباعها وإقصاء الآخرين وتهميش دورهم في الحياة وتحويلهم من مواطنين أحرار الي رعايا او أتباع او مجرد أرقام تكتب في السجلات وتستدعي عند الحروب لحماية مصالح النخب الاستبدادية الحاكمة، ولا تكتفي تلك المجموعة الحاكمة والمتحكمة بامتلاك الارض والسماء ولكن يصور لها خيالها المريض بحب السلطة مقدرتها علي الكشف داخل ضمائر الناس بعد أن تحكمت في مصائرهم الاقتصادية والسياسية لتبدأ في توزيع صكوك الوطنية للموالين و تحرر شهادات العمالة والخيانة ونقص الوطنية للمخالفين لتستمر دورة التمكين ودائرة السيطرة والحصار لكل من يحاول مجرد المساس بمصالح النخبة المستبدة المسيطرة. وللأسف منذ إصابة الوطن بداء الكيزان أصبح طعم الوطن كالعلقم في نفوس كل المعارضين لهذا النظام/الخراب.
ثم ماذا بعد أحداث هجليج الأخيرة؟ ماذا استفادت الحركة الشعبية؟ ما هو مبرر دخولها؟ ما هي المكاسب التي جنتها من هذا الفعل؟ هل ما يهم مواطن الجنوب في هذه المرحلة أحقية الجنوب بمنطقة هجليج او اتخاذها كوسيلة ضغط لحل الملفات الخلافية!؟ أم ما يهم المواطن بدولة جنوب السودان هو التنمية والتعمير وبناء مؤسسات الدولة وإدارة ثروات البلاد بالصورة المثلي ونبذ العنف بعد ان عرفوا تكاليفه العالية وفقدان الأحباب وخراب البلاد وفتحه لأبواب المجهول بكل ما تحمله من مخاطر. وكنا من الذين تخوفوا علي الحركة الشعبية بشكلها الراهن من ممارسة السلطة قبل إجراء تغيرات هيكلية وجذرية تضمن تحولها لحزب سياسي مدني علي قدم المساواة من الآخرين، وان تقوم بدورها في المساعدة علي تكوين حكومة عريضة تضم كل ألوان الطيف للأحزاب السياسية بالجنوب مع مراعاة الجانب القبلي في التوازنات السياسية، ومنبع الخوف يتمثل في صعوبة التحول( لا يمنع الإمكانية) من الحالة العسكرية(نفسية/عقلية/تراتبية) الي الحالة السياسية التي تفاضل بين الخيارات المطروحة وتخلق البدائل وتقدم التنازلات بما يضمن المحافظة علي مصالح البلاد العليا عالي المدي الطويل بحسن التدبير والتعقل والحكمة، ولكن الحركة الشعبية للأسف ومنذ وصولها الي السلطة في الجنوب بدأت تعيد إنتاج أزماتها وتستنسخ أخطاء الأنظمة العسكرية في الشمال وتسير علي خطي الحكام الأفارقة بتعلية المصالح القبلية وممارسة الاحتكارية وتركيز السلطات لدي دائرة ضيقة والارتهان للخارج ولم تستطع الخروج من جلباب الحركة العسكرية في ميادين القتال بالإضافة الي تضخم الصرف علي الجانب الأمني علي حساب كل الاحتياجات الخدمية، كل ذلك قلل من فَعَّالية ونجاح الحركة الشعبية في إدارة دولة الجنوب، واعتقد ان السبب الأساسي في عدم إعطاء الآخرين فرصة للمشاركة الفعلية وسيطرة الحركة الكاملة علي كل الحكومة يرجع الي أنهم اعتبروا الحكم المطلق حق مكتسب وثمنا للتضحيات الجسيمة التي قدموها، وهذا الطريق سيقود الحركة مع مرور الزمن الي تكرار أهوال اسياس افورقي و روبرت موغابي وشارلس تايلور وغيرهم بالرغم من مظاهر الحداثة كالبرلمان والانتخابات وغيرها من الأشكال الجوفاء التي تفقد الروح ولا تسمن من جوع المشاركة في الثروة ولا تغني عن طموح التداول السلمي للسلطة. لذلك علي الحركة الشعبية قراءة التاريخ جيدا والاستفادة من عبره وألا تستبدل أغلال واستبداد وتهميش الحكومات العسكرية بالشمال للمواطن بالجنوب بأغلالها واستبدادها وتهميشها هي وهو اشد مرارة بحكم القرابة و مشروع الحركة الذي مثل حلم و إلهام للكثيرين وهو يستلهم أطروحاته من عمق التاريخ مستصحبا تجارب الأمم ومنجزات الحاضر ، لتستمر دورة الشر تعاقب الإنسان بالجنوب وتجعله رهيناً للفقر والجهل والحروب والمرض وتلقي الإغاثات وزبونا دائما علي شاشات الفضائيات التي تحمل أخبار الكوارث الإنسانية، ليجد نفسه في آخر المطاف تواق ومُطالِب باضطهاد الحكومات العسكرية في الشمال لأنها أكثر رحمة من بني جلدتهم!! ويا لهو من مصيرٍ محزنٍ اليم!
أما حكومتنا الرشيدة! ماذا بعد انجلاء غبار المعركة واستلام هجليج! هل ستكون هنالك محاسبة للجهات المتسببة في هذا التفريط كما طالب الكثيرون؟ هل ستكون هنالك إعادة نظر في المؤسسة العسكرية ودورها وأماكن تواجدها؟ ما صلة المؤسسة العسكرية بالشأن الاقتصادي ألا يؤثر ذلك في أداءها لواجباتها ألا تفسد الروح المدنية والمصالح الاقتصادية والمناصب السياسية الانضباط العسكري والكفاءة القتالية والتضحية الجسدية! وفيما يخص الجانب السياسي ما هي الدروس والعبر المستقاة من هذه الأحداث؟ ألا تعكس طريقة التعامل مع هذه الأحداث ان هذه البلاد عصية علي أي تنظيم يدعي القدرة علي إدارتها لوحده مهما أوتي من إمكانيات! ألا تدق هذه الأحداث ناقوس الخطر بأن البلاد تتآكل من أطرافها وهي معرضة للنزاعات والصراع باستمرار وتحتاج لكل أبناءها ليشاركوا في بنائها وتحصينها وتأمينها وتوظيف كل إمكانياتها من اجل إقامة علاقات حسنة مع جيرانها، ألا تدل هذه الأحداث علي صدق رؤية المعارضة التي تنادي منذ أمد بعيد لقيام مؤتمر دستوري يعيد ترتيب البيت من الداخل ويعمل علي تحسين علاقات البلاد مع المجتمع الدولي ودول الجوار ويستقطب الدعم المادي والفني للاستفادة من الموارد الهائلة التي تملكها هذه البلاد وتوظيفها لمصلحة أبناء البلاد كافة الذين صبروا وضحوا كثيرا ولم يجدوا إلا السراب. أتري هل يعي نظام الإنقاذ الدرس أم تأخذه هذه النشوة المفتعلة الي أعالي جبال الوهم ليصغر في نظر المعارضة ويصيبه الغرور والعناد والغفلة حتي يأتيه اليقين! مشكلة النظام انه يمثل الأزمة في أصدق تجلياتها، لذلك نجده يستمد بقائه من صناعة الأزمات!!
حتي نعود إليك يا وطني وتعود إلينا معافي من الجراح نهديك هذا المقطع الشعري لحبيبك الأكبر وسلطان العشاق الراحل المقيم الوطن حميد
وطنا حبيبنا رغم البيك هي الأشواق
حنينا إليك يظل دفاق
خيالنا عليك دوام ساساق
يخلي البينا بين عينيك
مساحة غزيرة ماها فراق
فما هانت علاقة حب
وفاء وتاريخ على الإطلاق
وما طال المطر بيصب
طبيعي إنو البحر ما راق
كما إنو العكار من طين
كمان من طين بيجي الرواق
صحيح إنو المطر ضايق
لكن التراب مشتاق
إذا ما العشق مندافع
كذلك حضرة العشاق
وطن علام ... وطن ساكت
وطن ما فيهو أي كلام
وطن آخر ... وطن قدام
وطن ماهل ... وطن قوام
مدد للفي البعيد لحاق
وطن نضام ... وطن ساكت
وطن ما فيهو أي كلام



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 697

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة