المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مهنة الضمير "مُنع من النشر"
مهنة الضمير "مُنع من النشر"
05-09-2012 08:48 PM


مهنة الضمير

عمر الدقير
[email protected]

منذ أن تخلصت أثينا القديمة من حكم الطغاة الثلاثين الأوليغاركي واستبدلته بالديموقراطية ومضت تؤسس للوعي الديموقراطي الذي عبّر عنه بريكلس في خطبته في جنازة موتى الحرب بقوله: "بينما يستطيع قليلون أن يضعوا السياسات، إلّا أننا جميعاً قادرون على الحكم عليها وتبيين صوابها من خطئها"، أضحت حرية الرأي والتعبير عنه أحد مقدسات النظام الديموقراطي. فالحكومة المنتخبة في أي نظام ديموقراطي حقيقي تعتبر حرية التعبير من أهم شروط وجودها، لأنها تتغذى على الرأي الآخر الناقد لسياساتها وأدائها والمُبيِّن لصوابها من خطئها. ولا تستند الحكومة الديموقراطية في تمثيلها للإرادة العامة على الإستحقاق الإنتخابي فقط، وإنما تستكمل هذا التمثيل باحترام قوى المعارضة واعتبارها منافساً شريفاً وضرورياً يصنع التوازن الخلاق ويساهم بالرأي الآخر في صياغة البرامج والرؤى والتوجهات العامة ومراقبة الأداء والتنبيه لأوجه القصور والخلل من خلال أجهزة الإعلام الحرة وفي مقدمتها الصحافة.

الإختلاف بين النظم الديمقراطية والديكتاتورية يكمُن في تضاد الشروط اللازمة لوجود كلٍّ منهما، ولعلّ هذا ما يفسر العلاقة المأزومة دوماً بين وسائل الإعلام الحرة المستقلة والأنظمة الديكتاتورية التي ترتكز على وَهَم المصعومية واحتكار الحقيقة ولا تطيق جدالاً في خياراتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وبالتالي تعمد إلى استخدام كل الوسائل لنفي التعددية في الرأي باعتبارها واحداً من أعظم مهددات وجودها، وغالباً ما يتم هذا النفي باسم الوطن والصالح العام بحيث يصبح الرأي الآخر تشتيتاً للإجماع الوطني أو تهديداً للأمن القومي أو تخذيلاً عن الجهاد أو تعويقاً لمسارات التحقيقات المزعومة في قضايا الفساد والقصور الحكومي.

ربما كان موقف النظم الحاكمة من حرية الصحافة هو المقياس الأوضح على مدى صدقية ما تدّعيه من ديموقراطية. فحين يفرض نظام الحكم قيوداً على حرية الصحافة بالرقابة والمصادرة وحجب المعلومات وحظر الصحفيين من الكتابة لمنع الأصوات الحرة من التعبير عن نفسها من خلال مقال رأي أو خبر، فإنه يصبح من العسير تصديق أن مثل هذا النظام مستعد أن يفسح للمعارضين مكاناً في البرلمان أو غيره من المؤسسات التي يفترض فيها أن تتيح فرص التعبير عن الرأي والحجاج المفتوح حول السياسات والبرامج والأداء الحكومي ومصير الوطن، ناهيك عن قبول مثل هذا النظام بمبدأ التداول السلمي للسلطة.

في الأسبوع الماضي مرّ اليوم العالمي لحرية الصحافة وهذه المهنة الضميرية تتأرجح بين التقديس والتدنيس، في كل أنحاء العالم، ليس على مستوى الحكومات فحسب، بل حتى على مستوى من يمارسونها من صحفيين وكتاب. وإذا كان هناك من تصالحوا مع ضمائرهم رغم الترهيب والترغيب وأشهروا أقلامهم لحراسة الحقيقة وفضح منظومة القبح والزَّيف والخداع ونهضوا بالمسؤولية المهنية والأخلاقية حفراً في باطن الفرص والتحديات وكشفاً عن المسكوت عنه وتسمية الأشياء من غير مواربة ولا حَوَل، فهناك أضعافهم ممن استباحوا مهنة الضمير هذه ووضعوا أقلامهم تحت خدمة السيد الجائر فتحولوا إلى حارقي بخور وأبواقِ تبريرٍ وتخديرٍ وشهود زور لطمس الحقيقة وتجميل القبيح ومحاولة حقن شرايين المجتمع بكل ما يُغيِّب الوعي أو يفرض عليه حالة من الإستنقاع حتى يظل الضحايا أسرى لوَهَم صوابية السيد الجائر وأُكذوبة سطوته التي لا تُقهر، ليكون عليهم أن يتأقلموا لا أن يقاوموا .. لكن مهما يكن، ستنتصر الحقيقة في نهاية المطاف لأن غرابيل الزَّيف لن تسطيع أن تحجب شمسها الساطعة.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1447

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#359733 [لَتُسْأََلُنْ]
4.07/5 (5 صوت)

05-10-2012 07:10 AM
صدقت. سلمت. الدكتاتورية ضعيفة و تتقوي بالقوة لفرض باطلها توهما بأنها تزهق الحق الذي لا يعشو عنه إلا الطغاة.


عمر الدقير
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة