المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
انكسار وحدة الوطن، عنف المخاض والمسؤولية التاريخية
انكسار وحدة الوطن، عنف المخاض والمسؤولية التاريخية
09-18-2010 01:42 PM

ملاحظات
د. بركات موسي الحواتي


في تداعيات الاستفتاء:

انكسار وحدة الوطن، عنف المخاض والمسؤولية التاريخية

«1»
تراجعت السياسة، في ظاهرها، على ايام رمضان الكريم وعيد الفطر، ولكن نشطت قوى الصراع ـ وراء الكواليس ـ حتى لقد بدأ مسرح الاداء «لا معقول» تحاول فيه حركة المجتمع فرض مفردات المصالحة، العفو المتبادل، الوحدة، الاستقرار، الحرية والعدالة ـ ولكن اجتماعات، ما خلف الكواليس سواء في داخل الاحزاب، او بين حزب وآخر، او تيارات الصراع ـ بانواعه ودرجاته المختلفة ـ ظلت تصطدم ـ في عنف غير معلن ـ بتقاطع الرؤى ـ واختلاف المفاهيم، ولم يكن المجتمع الدولي ـ بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، بعيدا ـ عن دوار الازمة، وإلى حد كبير ـ موجها ـ لحركتها، الدائبة باتجاه زلزال الانفصال ـ وهو ذروة الازمة، وحاصل نشأتها وتطوراتها، وعنصر متغيراتها وتداعياتها الى حين ما يمكن ان يكون استقرارا على وضع جديد ـ تشهده المنطقة في السنوات العشر القادمة ـ وهو وضع سيكون له نفوذه الواضح، على المستوى المحلي والاقليمي والدولي. وليس من اغراض هذا المقال، تكرار ما كتب او ما قيل، لكن يركز وبصورة أساسية على مسؤولية القوى السياسية امام التاريخ والضمير الوطني.. تجاه الارهاصات الراجحة، على ادبار الجنوب واهله باتجاه شرق افريقيا، نقطة لارتكاز جديد في الثقافة والامن والاقتصاد ـ وفي هذا السياق ـ تبدو ـ في الأفق حوارات القوى السياسية ـ عدد من الاسئلة المشروعة.
٭ هل واجهت القوى السياسية نفسها ـ بواقع ادائها التاريخي والماثل ومسؤوليتها «ايجابا وسلبا» على مسار الاحداث الجارية في الجنوب وفي دارفور وفي مناطق أبيي وجنوب النيل وجنوب كردفان ـ والمقصود بالمسؤولية هنا، هو مدى الشفافية ـ في طرح الاسباب التي ادت لغياب التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ـ وهو بالضبط مفهوم الازمة.
٭ «الحركة»، في اطار القوى السياسية، مطالبة بالرد التاريخي، هل تفرض باسم الاستفتاء ـ المشروع ـ الانفصال، وهي تقلب ـ جدلية الوحدة التي حكمت نشأتها وتطوراتها اللاحقة، أهو منطق الفكرة التي تلد نقيضها.
٭ مدى ادراك القوى السياسية ـ للحدود الفارقة، بين مناورات السلطة والثروة وبين مصير الوطن وبين ما يترتب عليه غياب تلك الحدود ـ من مغامرة الوقوع ـ في فوضى اجتماعية ـ تعقبها فوضى السلاح وليس العكس.
٭ وفي هذا السياق ما هي الخطوات الاكثر قبولا لتجاوز مرحلة ما بعد الانفصال.
٭ أهم اضلاع ـ الوطن ـ الجنوب ودارفور ـ يستدعيان ذاكرة التاريخ باسم السلطة والثروة، وعلى الرغم من محاولات جاءت في اغلبها متأخرة، الا ان القراءة الثاقبة تأملا وتدبرا تتيح القول بأن ـ اختلالا ـ واضحا، يسم الواقع:
٭ الجنوب، يعد نفسه للانفصال، استقلالا، بكل دواعيه العسكرية والاجتماعية والثقافية ـ والسائد ـ ان بعدا نفسيا تاريخيا ـ يفرض نفسه تماما على النخب التي اتيح لها ان تخطو في ذلك الاتجاه، ويرتبط ذلك عاجلا او آجلا بفاتورة قيد الدفع، ترتبط بحزام عسكري امني ثقافي اقتصادي.
٭ هل تصدر القوى السياسية ـ بإجماعها او على اسوأ تقدير بأغلبها ـ كتابا عن ملامح المخاض العنيف ـ حال ولادة استقلال الدولة الجديدة، وعن مسؤولياتها التاريخية في ذلك، وبالمقابل هل تصدر الدولة الوليدة اعلانا بالادانة التاريخية ـ لطبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب.
٭ هل تضمن النخب الجنوبية التي تحكم الدولة الوليدة متغيرات دورها؟ الصراع القبلي ـ صراعات النخب ذاتها ـ وهي تنزع سلاح الميدان الى ساحة السياسة بامكانات اقتصادية هائلة «على المستوى الشخصي» وسلوك ليس بأي من الاحوال قريب «من ثورة الثورة الاجتماعية او السياسية» اللوبي الاسرائيلي ـ والأمن القومي للولايات المتحدة الامريكية.. ومراكز القوى العسكرية في داخل الحركة.
٭ ما رشح من وقائع ولقاءات رمضان الكريم وعيد الفطر المبارك فيه المعقول وفيه ما يتجاوزه:
ـ استدعاء امريكا للشريكين ما وراءه ـ أهي مجرد العقوبات التي اعلنتها وزارة الخارجية الامريكية.. هل ينفي احتجاج الخارجية السودانية اية تداعيات ممكنة.
ـ شراء الحركة لآليات عسكرية متقدمة.
ـ مخاطبة سلفا كير لكتلة النواب السود في الكونجرس.
ـ تصريح احد قادة الحركة بامكان اعتماد اللغة السواحيلية ـ لغة رسمية للجنوب.
ـ حديث مبهم عن حزام «حلف» إفريقي «سبقت الاشارة اليه».
ـ الترحيل الماثل لأهل الجنوب.. بما يحقق النسبة المطلوبة لتحقيق الانفصال عند الاستفتاء.
ـ صراعات قطاع الشمال بالحركة.. مصيرها ومآلاتها المؤسسية والشخصية.
ـ دارفور.. ما زال شفا الحفرة قائما.. ومازال طيف خليل ابراهيم ـ يبين وجودا سياسيا، ومازالت مجموعة ميناوي ـ في حذر ـ من طرفي الرحى «في وسط البلاد ـ وفي غربها من دارفور».
ـ مازالت غيوم الصراع في دارفور تؤدي الى المزيد من اختراق السيادة الوطنية بالوجود المكثف للقوات الدولية والقوات الاقليمية.
الاسئلة كثيرة والاجابات ممكنة وقد تكون سهلة.. ولكن الذي يبدو صعبا هو الخروج من توابيت المصالح ـ الى آفاق الشفافية «وإن لم تكن مطلقة او بالاصح من دهاليز الاحزاب.. الى آفاق الوطن»!!
«2»
تتيح فرضية ـ الانفصال ـ القول بوجود متغير جديد على باقي السودان «شرقه ـ غربه ـ أوسطه ـ شماله» ـ وهو متغير ـ وفي كل الاحوال يستدعي ان لم يكن قد استدعى بالفعل ـ النظر في:
ـ طبيعة العلاقة مع الدولة «الوليدة»، فلا تكفي التصريحات التي تعقب الاجتماعات.
ـ مصير ما يتعلق بالترتيبات الامنية والعسكرية التي نصت عليها اتفاقية نيفاشا «راجع المادة 226 في الدستور»
ـ الموارد الاستراتيجية «النفط وغيره» وما يترتب على صراعاته من حاجته وتأثيره على ايرادات «السودان الاصل».
ـ نفوذ الدولة الوليدة ـ على الصراعات السياسية ذات الطابع الاثني او الجهوي او الفكري في الشمال «دارفور ـ الشرق ـ جبال النوبة ـ جنوب النيل الازرق»، ويبدو في هذا السياق ان استفتاء أبيي المرتقب يجري باتجاه الجنوب.
ـ النظام الاتحادي بتقييم على تجربته «وفقا لمعايير علمية» كيف يطرح نفسه في غياب المستوى الثاني من مستويات السياسة، واعني بذلك مستوى حكومة جنوب السودان، وهو الوضع الذي فرضته اتفاقية نيفاشا 2005م.
٭ ان واقع التجربة السياسية والادارية في السودان يطرح وبلا شك اللا مركزية في شقيها السياسي والاداري ـ صيغة مقبولة لتحقيق الاستقرار والتوزيع العادل للسلطة والثروة، ونطرح في هذا السياق ـ اقتراحا للجنة الحكم اللا مركزي «البروفيسور دفع الله».
ـ هل يبدو توزيع الولايات ـ في ظل التجربة السابقة منسجما ـ مع النقلة النوعية التي يقيفها النظام الاتحادي «كان واقعا جغرافيا واداريا تغيرت مسمياته لا غير» هل ثمة بديل جديد.. بمعيار ثقافي او اي معيار آخر.
ـ هل بالامكان قيام مستوى حكم بقراءة لتجربة الحكم الاتحادي، وبأن يكون لكل ولاية ممثلها في مجلس السيادة القومي ـ او بأية صيغة اخرى يتم الاتفاق عليها.
٭ الحكم المحلي ـ بصورته التي طرحتها اتفاقية نيفاشا ـ يمثل المستوى السياسي الرابع ـ هل بالامكان وفي ظل التحول الديمقراطي، ان ينتخب معتمده «وهو ما نادت به كثير من ورش العمل والسمنارات وبعض اساتذة العلوم السياسية والقانون الدستوري والاداري».
وبعد
فالسودان الذي حكمه محمد علي باشا 1821 وإلى حين قيام الثورة المهدية ـ وبعد ضربها في عام 1898م ــ شكل وحدة سياسية على الرغم من اختلاف في تاريخ واجتماع واعراف وثقافات وديانات مكوناته، وكانت القبيلة هي الوحدة السياسية فيه، وما زالت تشكل في اعتقادي العنصر الاكثر تأثيرا في مسارنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بل انها وعلى تجاوز المسميات قد شكلت احد اهم عناصر التوازن السياسي في تشكيلات الحكم.
«3»
الذي يجري على الساحة وإلى حين نهاية الاستفتاء في يناير 2011م ليس بالامر الهين، فهي معركة وبكل المقاييس تحتاج للعقل المرتب والوجدان السليم، والضمير الحي والشجاعة في تحمل المسؤولية، ونسأل في حذر عن امكانية ان تتجاوز القوى السياسية في الشمال تصنيفات الصراع الماثل لتناقش من خلال ممثليها بالمستوى الذي يتم الاتفاق عليه السائد الآن.
٭ ملامح الدستور الذي يعقب الاستفتاء في حالة الانفصال «المبادئ العامة شكل الدولة».
٭ معايير قسمتي السلطة والثروة.
٭ إعادة هيكلة النظام الاتحادي.
٭ النظر الدستوري والقانوني والاخلاقي في ضوابط الاستقرار.
واذا تعذر أن تلتقي القوى السياسية لمثل ذلك النظر ـ فلا اقل من ان تتداعى المراكز العلمية واساتذة العلوم السياسية ـ والقانون الدستوري والاداري ـ لتنظيم ندوات علمية بحضور اهل الفكر والخبراء، فالزمن يمضي بأسرع مما نتصور.. وقد بدأت الجمعية السودانية للإصلاح الدستوري والاداري في الاعداد لندوات تناقش الامر.
وتبدو في هذا السياق ثمة ملاحظات:
ـ إن الدستور الانتقالي وبحكم طبيعته، لن يحكم فترة ما بعد الاستفتاء سواء في الشمال او في الجنوب.
ـ ان الدستور الانتقالي ـ قد نصَّ على نظام لا مركزي غير متوازن بسبب الظروف التاريخية والثقافية لجنوب السودان «لاحظ انه لم ينص على نظام اتحادي».
ـ الدستور الانتقالي قد نصَّ في حذر على ما يمكن أن يكون مقدمات تقرير مصير «بصورة أو بأخرى» او هي الأقل خمائر «عكننة».
ـ المشورة في جنوب النيل الأزرق.
ـ المشورة في جنوب كردفان.
ـ استفتاء أبيي.
ـ انتهاء دور المفوضيات كهيئة ابتدعتها الاتفاقية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه حسب طبيعة كل مفوضية.
ـ إن دستور 1998م باعتباره مصدرا من مصادر الدستور الانتقالي يمكن أن يشكل مرجعية لبعض المسائل التي يتم الاتفاق عليها.
ـ إن الانفصال ـ بواقعه الدستوري ـ يفتح شهية دارفور والشرق لطرح تقرير المصير ـ وقد نادت كثير من اطراف الصراع بذلك «راجع اتفاقيتي ابوجا واسمرا 2006م».
ومن المهم في سياق هذا الصراع السياسي ان ننظر للواقع الاجتماعي الخطير، وان نستقرئ نتائجه التي تصدم كل اعراف وقيم واخلاق السودان الذي نعرفه.. ومدى ارتباط كل ذلك بالزلزلات السياسية.
ـ الفقر المذل الذي تبدو مؤشراته واضحة للعيان.
ـ الجرائم الجنائية والمالية المفجعة.
ـ السقوط الأخلاقي المريع.
ـ ضعف الثقافة الوطنية.
ـ ضعف العملية التربوية والتعليمية.
ـ الهبوط الفكري.
ـ الاحباط الاجتماعي.
ـ غياب تواصل الاجيال.
«4»
وبعد
٭ اخاف على وطني ان يماثل ما قال «سيد جُرهم» «مضاض بن عمرو بن الحارث»:
كأن لم يكن بين الحجون الى «الصفا»
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربع وسطه فجنوته
الى المنحنى من ذي الاريكة حاضر
٭ وكانت زرقاء اليمامة قد قالت مثل ذلك
اني ارى شجرا من خلفه بشر
وكيف يجتمع الأشجار والبشر
واشار نائحا في وجع وغربة ـ محمد عبد الحي ـ عليه رحمة الله:
وتخرج الحمامة الخضراء
من جسد القتيل
تنوح في حديقة النخيل
والجنوب ـ بعد ـ اذا انفصل، هو عارنا بل ضلالنا القديم.

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1253

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. بركات موسي الحواتي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة