المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
فتحي الضَّـو
فِقه الخِصام والوِئام في قاموس السيدين
فِقه الخِصام والوِئام في قاموس السيدين
05-19-2010 01:31 PM

فِقه الخِصام والوِئام في قاموس السيدين (1) ...

فتحي الضَّـو

الاثنين, 08 مارس 2010
[email protected]

هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

أنهى السيدان الصادق المهدي ومبارك الفاضل خصومة فاجرة امتدت زهاء السبع سنوات. تمَّ ذلك في احتفال جرت وقائعه اوآخر الاسبوع الماضي 26/2/2010 وشهدته طائفة من كيان الأنصار ومنسوبي حزب الأمة. وفيه ألقى المختصمان بخطابين، نأمل أن تكون قد روت ظمأ السامعين والقارئين من ناشطي الحزب والحادبين عليه. بل نحن نأمل أيضاً أن يكون ذلك آخر الأحزان في البيت العتيد. والذي دأبنا على نقد بعض ما يدور في أروقته من منطلق حرصنا على ممارسات سياسية مبرأة من العيوب، بغية أن تكون معاوناً وظهيراً لنظام ديمقراطي مثالي، يُرجى منه أن يضع البلاد في مصاف الدول المتقدمة سياسياً والمزدهرة حضارياً. ومن هذا المنطلق وامتداداً لما نذرناه لوجه الله والوطن نستوقف أنفسنا متأملين هذه المناسبة، ومستخلصين دروسها وعبرها، حتى لا تنتج الأزمة نفسها في قالب جديد. فكلنا يعلم أن ظاهرة الخصام والوئام ليست وقفاً على حزب الأمة وحده، فهي من السلبيات التي رُزئت بها القوى السياسية السودانية، ولازمتها منذ فجر (الاستقلال) وحتى عصر (الاستغلال) ولم يسلم من شرورها حزباً، عقائدياً كان أم تقليدياً. ولا شك أن تلك خاصية كان لها نصيباً وافراً في عدم الاستقرار السياسي، الأمر الذي جعلت منه المؤسسة العسكرية سبباً ذرائعياً للانقاض على السلطة، ثمَّ رسخت به ما هو أسوأ.. نُظماً أوتوقراطية شمولية استبدادية قاهرة، اجتهد جلاوزتها ما وسعهم في إلهاب ظهور البشر بشتى صنوف العذاب، المادي منه والمعنوي. ولهذا لم يكن غريباً أن تكون هذه الممارسات سبباً - بعد حين – في تحريك نوازع الغضب والتمرد والثورة في صفوف الجماهير، والتي تسعى جاهدةً لخوض معركة استرداد العرش السليب، وهي المعركة التي لا يستطيع أحد التحكم في آلياتها، مثلما لا يستطيع أحد التبوء بمآلتها في سجال قد يطول أمده وقد يقصر، لكن الثابت أنه ما أن يحين قطافها، حتى تجيء تلك القوى، تبكي مُلكاً مُضاعاً، كما حال أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس. على كلٍ تلك هي الصورة البانورامية التي أصبحت حكراً على الواقع السياسي السوداني، والتي أطلق عليها كثير من المراقبين السياسيين.. مصطلح الدائرة الخبيثة حيناً، والدائرة الشريرة أحياناً أخر..ولكن أياً كانت هويتها، فالثابت أن كليهما يدوران في حلقة مفزغة لامفرغة.. عطَّلت تقدم البلاد، وأرهقت كاهل العباد، بل جعلت من قُطِرهم العظيم نموذجاً للتخلف والتقهقر والاستلاب!

إن الحديث عن مصالحة حقيقية لا يتأتى إلا بمخاطبة جذور الأزمة، وهو أمر يبدو أن كلا الطرفين يريدان أن يعبرا فوقه كما تعبر المُزن المثقلة من فوق أرض يباب، ولا سبيل لإستمطارها بدعاء العاجزين أو صلاة استسقاء الطامحين، ولكن بقدر ما هي في حاجة إلى منطق ينزلها إلى أرض الواقع.. حتى تسود الطمأنينة قلوب الحريصين وتغشى أفئدة المشفقين معاً. ولعل فاتحة الكتاب السؤال الذي يقول: ترى ما الذي جعل المصالحة ممكنةً يومئذ وعصية يومذاك، لا سيما، وقد طُرحت مبادرات من قبل أصلب عودا وأشد مِراساً، علاوة على أن ما رشح حتى الآن لا يرى المراقب فيه أمراً جديداً؟ هل ستؤخذ جماهير حزب الأمة على حين غرَّة مرة ثانية، أم أنها ستأخذ بحقها من الشفافية والوضوح من معالجات الكواليس؟ وأرجو ألا يسمع المرؤ (موشحات) الظروف التي يمر بها الوطن، فمثل هذه الممارسات هي نفسها التي جعلت الوطن يرزخ تحت ويلات ليل بهيم. فهل كان هناك خِلافاً بالفعل؟ وإن كان هناك خِلافاً، هل هو خِلاف موضوعي أم مفتعل؟ كيف اتخذ بُعداً حزبياً وأسرياً في حين انحصرت مصالحته في الاطار الشخصي بين السيدين؟ ما مصير الذين غرر بهم مبارك وانشقوا عنه أيضاً؟ هل سيؤخذون بجريرته أم أن لديهم من الكبائر ما يحتاج لمصالحة تصِد الباب أو تفتحه في وجوههم؟ هل يمكن للمرء أن يتمرغ في نعيم السلطة ويقضي وطره منها ويعود ذارفاً دموع التماسيح، ثمَّ يقابل بالأحضان من دون أن يقدم نقداً ذاتياً تتصدع لأجله الجبال؟ بل هل يمكن أن تشمل المصالحة محاسبة السيد مبارك الفاضل نفسه على مشاركته سلطة نظام شمولي ديكتاتوري، لا سيما، وأنها تعد ضمن أسباب عديدة ساهمت في تطاول سنوات نظام يتكيء على سلطة مغتصبة؟ كيف تمت تسوية الخلاف؟ وهل هناك ضمانات مؤسسية تحول دون حدوثه مجدداً؟ وهل يمكن أن يُشرح للقواعد السبل الكفيلة بعدم اندلاعه ثانية؟ وإذا افترضنا أن القضايا الحزبية ستُعالج في إطار البيت الحزبي، ما مطلوبات القضايا القومية التي أصابها رذاذ الطرفين؟ ولأننا على يقين أن هذه الأسئلة ومثيلاتها لن تجد حظها من اجابة شافية، لذا إرتأينا إزاحة النقاب عنها بشفافية كاملة، تستحضر سؤال الجذور: كيف حدث ما حدث ولماذا حدث ما حدث؟

يمكن القول إن ما جرى عشية انقلاب الانقاذ كان يوضح حيثيات ترقد مسترخية تحت الجلد. وبمثل سائر الأشياء في هذا الكون، كانت تنتظر زماناً معيناً وتتوخى مكاناً مناسباً للخروج من الشرنقة. يومذاك أصبح حزب الأمة كياناً فاعلاً وركناً أساسياً في النشاط المعارض، والذي إلتأم شمله في إطار التجمع الوطني الديمقراطي. وعصرئذٍ كان السيد مبارك الفاضل قد هرب بعد الانقلاب واتجه صوب ليبيا أولاً ثم تنقل برشاقة الفراش بين العواصم المختلفة.. ساعياً مع آخرين لتنشيط العمل المعارض، والذي تراوحت محاولاته علواً وهبوطاً. ويجدر القول إنه بحكم ذلك الوضع الاستثنائي، اتخذ مبارك مُسمى مسؤول العمل الخارجي لحزب الأمة. وفي واقع الأمر كان الكثيرون يعلمون أن السيد مبارك أقبل على هذا العمل وهو مثقل بآثام ماضٍ بغيضٍ.. إغترفته يداه خلال الديمقراطية الثالثة، والتي تبوأ فيها عدة مناصب وزارية. فقد التصقت سيرته بممارسات فساد مالي.. حتى اضطر رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي إلى تكوين لجنة تقصي برئاسة قاضٍ للنظر في الاتهام. لكن تلك اللجنة لم تر أعمالها النور نسبة لأن الانقلاب الذي حدث في العام 1989 حال دون تكملة تحرياتها، سواء بتبرئة مبارك أو إدانته! وعليه كان مصيرها مثل مصير كثير من القضايا التي تسترخي في ذاكرة أهل السودان.. إذ توسدت الأضابير وإنزوت خلف الكواليس، غارقة في ثبا! وكان السيد مبارك قد زاد على خطاياه تلك، بالخروج عن توجهات حزبه في تلك الفترة، فمدَّ حبال الوصل مع الجبهة الاسلامية القومية، بصورة أشعلت نيران معارك كثيفة في الكواليس بينه وبين قيادات في الحزب منها السادة آدم موسى مادبو وبكري عديل والأمير عبد الرحمن نقد الله (عجل الله بشفائه) وآخرين، وكانت تلك الممارسات تتم بصورة سافرة حتى عرف السيد مبارك في دوائر التنظيم بأنه رجل الجبهة الاسلامية في حزب الأمة. وهي صفة عضدتها شكوك حامت حول مدى علمه بالانقلاب، وعززها أكثر هروبه بعد الانقلاب نفسه، وهو الهروب الذي تمَّ في ظروف كانت العصبة ذوي البأس تسائل فيها الذباب الهائم عن وجهته، ناهيك عن البشر!

استطاع مبارك بما لديه من مقدرات يعلمها المقربون تحسين تلك الصورة البغيضة، وذلك بانخراط مكثف في النشاط المعارض مستصحباً معه (استيكة) مشت الهوينا على تضاريس كل ما اشيع عنه. وعلى الضفة الأخرى كان النظام بممارساته قد برع في استعداء كل العالم الخارجي ضده، الأمر الذي أتاح للمعارضة حرية الحركة وتمددها بين العواصم. وهي عطية استثمرها مبارك وآخرون يحاذونه الهم بالهم، غير أنه تحديداً كان ذلك فتحاً مبيناً له في الأوساط السياسية والدبلوماسية. إذ كانت علاقاته موغلة في المحلية وخالي الوفاض من أي علاقات خارجية حتى عندما تسنم كرسي الوزارة. وكثيراً ما ذكر في بعض حواراته الصحفية من باب الاعتداد بتاريخ ليس فيه ما يستحق الذكر سوى إنه تشرف بحمل رسائل من السيد الشريف حسين الهندي إلى السيد الصادق المهدي بعد إنقلاب نميري وكان وقتها طالباً يافعاً في بيروت، وكأنه يؤكد بصورة غير مباشرة ما ذهبنا إليه في ضعف ذلك العامل الذي يحتاجه السياسي الحصيف. والمفارقة إنه يذكر أحياناً دوراً لازمه الغموض في الاشتراك في محاولة الحركة الوطنية التي غزت الخرطوم في العام 1976 لكنه لا يكمل الآية ويقول أن ذلك الدور لم يتعد شراء عربات معطوبة جثمت في مكانها وتمنعت عن نيل شرف المشاركة في العمل الوطني! لأجل كل هذا نعتقد أن الاحتكاك بالعالم الخارجي جاء آنذاك فمنحه أحساساً حالماً بزعامة موروثة، فبدأ يعد نفسه لثأر تاريخي عاني منه البيت المهدوي أصلاً في حقبة مضت، كان والده عليه رحمة الله طرفاً فيها. والسيد مبارك يؤمن دوماً بأن المال أصدق أنباءاً من الكتب، لهذا لا غروَّ أن اجتهد في جمعه من منابع لا تنضب أبداً، وصرف منه في سبيل ذلك الهدف صرف من لا يخشي الفقر. وكانت تلك هي بداية تأهبه لمعركة محتملة كانت وقائعها تدور في مخيلته (وتلك مرئيات اجتهدنا في توثيقها ضمن كتابنا الموسوم بسقوط الأقنعة) وذكرنا فيه تفصيلاً أن خروج السيد الصادق المهدي في ما اسماه بعملية تهتدون في العام 1997 كانت على عكس ما تظاهر به مبارك من فرح، إذ كانت كابوساً قطع عليه تسلسل آماله وأحلامه وإن عزَّ عليه الافصاح عنها. وهذا أمر لم يكن عصياً على من خبر دهاليز ومزالق تلك الفترة. لهذا كان من الطبيعي أن يجر السيد مبارك الحزب وزعيمه نحو تعاطى المكروه عمداً، وهو الانسلاخ من الكيان المعارض في مارس 2000 ومن ثم العودة بالحزب إلى داخل السودان في العام الذي يليه. حينها كان قد عزم على مشاركة النظام الشمولي الديكتاتوري موبقاته وآثامه وخطاياه. إذ ظن أنه لم يبق من درنه شيء، فالمال وقد جمعه، والماضي الكالح وقد مسحه، والطموح وقد أصبح في متناول يده!

استفاق السيد الصادق من وهم المشاركة التي كانت يذرها على سمعه مبارك، وقد اكتشف بنفسه بعد العودة صعوبة تحقيق تلك الغاية، واتضح له ذلك جلياً في أول اجتماع للمكتب القيادي في 16/2/2001 والذي قوامه نحو 77 عضواً. وبالرغم من أن مبارك نفسه أتضح له استحالة ما عزم عليه إلا أن طبيعة شخصيته التي ينعتها المعارضون سراً وجهراً بـ (البلدوزر) كان لابد وأن يطأ كل من يقف في طريق تحقيق هدفه، ثمَّ أختار معركته المؤجلة في اطار زعامة الحزب وظنَّ أنه قد حان قطافها. إذ فوجيء المراقبون ذات صباح بحوار جرى ترتيبه بعناية فائقة في صحيفة اخبار اليوم 2/1/2002 تحدث فيه عن (أبدية الصادق في الرئاسة لأربعة عقود زمنية) وقال إنه (في الوقت الذي ظل يدعو فيه إلى اسقاط عامل الوراثة والنسب في الترقي داخل الحزب لم يطبق ذلك على أسرته) واضاف (إن مؤسسات الحزب جاءت بالتعيين وليس بالانتخاب) ثمَّ ختم بدعوته (فصل الامامة في كيان الانصار عن رئاسة الحزب) وقال إن (السيد أحمد المهدي أولى بالأولى) جاء رد فعل الصادق بإحالة المذكور لما سمي بـ (لجنة الضبط والمحاسبة) التي اوصت بتجميد نشاطه لمدة عام. كان رد مبارك فورياً عبر الصحف أيضاً (الرأي العام 7/1/2002) فقال إن اللجنة (تحولت إلى أداة قمعية في يد رئيس الحزب لملاحقة مخالفيه في الرأي وأنها لا تستطيع مساءلته شخصياً) ومن جانبه ردَّ عليه الصادق (إن مبارك أخطأ ولابد من أن يراجع خطئه أولاً ويتبعه باعتذار واضح) ثم عدد له ما اسماه بعشر مخالفات أدناها العمالة، وكشف للمرة الأولى عن إنه (أعطى معلومات للأمريكان لضرب مصنع الشفاء للأدوية عام 1998) ومثلما يحدث في كل بقاع السودان تحرك الوسطاء غير الرسميين (الأجاويد) فاستجاب لهم الصادق، وضرب قرار اللجنة بعرض الحائط، فألغي عقوبة التجميد في 20/1/2002 بدون ما اسماه باعتذار، ومع ذلك ظلت الحرب مستعرة تدور على صفحات الصحف!

هنيهةً ومضى الأحباب كل في طريق، غادر مبارك الحزب مختصراً المشوار بزعامة حزب أسماه الاصلاح والتجديد، شارك به السلطة التي تكرمت عليه بمنصب شرفي، واصبح بموجبه مساعداً لرئيس الجمهورية، وقال إن معه (30 شاباً من كوادر الحزب المجاهدين يتولون مواقع دستورية في الدولة) بعد أن اقام لهم مؤتمراً في سوبا في يوليو 2002 الأمر الذي حدا بالسيد الصادق لإصدار (مرسوم) فصل بموجبه 23 كادراً من المكتب السياسي والقيادي على رأسهم مبارك. واستمرت الحرب سجالاً إلى أن أخرج مبارك آخر سهم في كنانته. إذ وجَّه رسالة مفتوحة للسيد الصادق عبر الصحف (الصحافة 5/5/2004) جاءت مثقلة بالاتهامات الشخصية والأسرية والحزبية والوطنية، بصورة لم تعرفها خصومة سياسية من قبل. على سبيل المثال قال له: (تحدثت في برنامج في الواجهة التلفزيوني عن خلافات أسرية إدعيت فيها زوراً وبهتاناً بأنني شكوت اخوتي وأوقفتهم بين يدي القضاء وأنت تعلم علم اليقين إن هذا ليس صحيحاً. واصاب رذاذك والدي السيد عبد الله الفاضل رغم محاولتك الاستدراك في آخر لحظة) ثمَّ تناولت المذكرة كثير من المسائل الاجرائية التنظيمية في الحزب وبخاصة التي تؤكد ديكتاتورية القيادة وعدم ديمقراطيتها ونفورها من المؤسسية، وهذه أشياء لا قبل لنا بها إلا بالقدر الذي يضع بصماته على صفحة القضية العامة، ومنها نفيه هذه التهمة عن نفسه ووضعها على جبين الصادق (فلنعد لموضوع استلام المال من الحكومة والمؤتمر الوطني لقد اعترفت زوجتك السيدة سارة الفاضل بأنك استلمت مليون دولار من الحكومة تعويضات عن عربات حزب الأمة، وقبل عودتك من منفاك الاختياري الأخير بالقاهرة في 2003 أرسلت إبنك عبد الرحمن إلى رئيس المؤتمر الوطني ليقول له إن أبي يقول لك أن بقائه في القاهرة ليس عودة إلى المنفى ولا هو مرتبط بموقف سياسي ولكنه بسبب العجز عن مواجهة الالتزامات المالية في السودان، وإنه يسألك العون حتى يعود إلى السودان، وقد استجاب رئيس المؤتمر الوطني وسدد فاتورة العودة)!

مضت المذكرة في طريق نبش الحرام الذي لا يقبل قضاءً ولا كفارةً (لقد كنت تفاوض النظام سراً في الخرطوم ولوزان وجنيف والمعارضة في اوجهها دون علمنا، ولما استجبنا للمصالحة والوفاق وفارقنا التجمع الوطني الديمقراطي، فإذا بك تختار طريقاً ثالثاً لا مع المعارضة ولا مع الحكومة) وقدم له نصحاً ينضح حكمة يفتقرها (أخي الصادق نصيحتي لك وأنت في العقد السابع من العمر أن تسعى لجمع الشمل، وأن تقنع بدور زعامي وأبوي، وان تبتعد عن صراع السلطة والركض وراء رئاسة الوزراء ورئاسة الدولة، فقد نلتها وأنت ابن الثلاثين، وأتتك تارة أخرى وأنت في الخمسين، فأنت لم تعد في حاجة إلى ألقاب ومواقع، ويمكنك أن توظف قدراتك وطاقتك الفكرية وشهرتك في عمل يفيد البلاد والعباد) ويبدو أنه فكَّر ثم قدَّر في خاتمة أرادها أن تذهب بريح المهدي من مسرح السياسة. إذ عرض الخطاب الذي ظل الناس يتجادلون حوله ردحاً من الزمن، وتداولوه كوثيقة تدين المهدي في مسؤوليته في الانقلاب الذي حدث في 30يونيو1989 لكن المهدي لم يعبأ بها كثيراً، ومع ذلك ظن مبارك أن عرضها على يده سيقطع بها قول كل خطيب، تلك هي وثيقة اللواء شرطة صلاح الدين النور مطر مدير إدارة الأمن الداخلي والمعنونة للسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء، بصورة إلى وزيري الدفاع والمالية وكانت بتاريخ 26/6/1989 وفيها يتنبأ اللواء في تقريره بالانقلاب ويضع الاحتمالات التي إزدراها السيد المهدي بخط يده لأخيه (الحبيب) ولعله مبارك نفسه الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية آنذاك، إذ قال المهدي فيها: (متى يرقى الأمن الداخلي للاحاطة بالحقائق والتحليل الأشمل)!

أما نحن فنسأل الله أن نرقى لاكمال سفر (الأخوة الأعدقاء) الاسبوع المقبل بحوله تعالى!!


---------------

فِقه الخِصام والوِئام في قاموس السيدين (2) ...

فتحي الضَّـو
[email protected]

هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

توقفنا في الحلقة الماضية حيث أفرغ كل طرف مكنون صدره من شحناء وبغضاء. وكان التراشق بين السيدين الصادق المهدي ومبارك الفاضل قد استمر على مدى سبع سنوات، ولم يخفف من غلوائه تأسيس الثاني لحزب خاص (حزب الأمة/الاصلاح والتجديد) وما أيسر أن تؤسس حزباً في السودان! بيد أن الذي لفت أنظار المراقبين دخول الخصومة الأرض الحرام، إذ اختلطت فيها - على غير ما يتراءى للناس – السياسة ومزالقها بالعلاقات الاجتماعية وسموها. ولعل هذا ما أكده السيد الصادق نفسه في خطاب المصالحة، إذ قال بوضوح (أن ندخل فوراً في كافة وجوه التطبيع الاجتماعي) وهي النقطة الثانية ضمن سبع نقاط اقترحها لاستكمال المصالحة، لكنها قبل ذلك اصبحت دليلاً على أن الطرفين فجرا في خصومتهما وضربا ما يسمى بـ (التسامح السياسي السوداني) عرض الحائط. وإن شئت الاتكاءة على فقه المقارنات، ففي الواقع هذا ضرب من ضروب الخصومة، أسس له في التاريخ السياسي السوداني ما سُمي بلقاء السيدين (عبد الرحمن المهدي وعلى الميرغني) والذي جرى قبل نحو نصف قرن بعد خصومة امتدت لأكثر من نصف قرن. وهو ذات اللقاء الذي وصفه الكثيرون بـ (التأريخانية) عدا واحد هو السيد محمد أحمد محجوب الذي لم يمنعه تقلده منصب الأمين العام الأسبق لحزب الأمة، من أن يصف ما نتج عنه من تحالف بـ (أعظم كارثة مُنى بها تاريخ السياسة السودانية) ومع ذلك لست مع المحجوب في تطرفه، مثلما لست مع الذين أوحوا أن اللقاء معجزة من معجزات ساقها الله على شعب السودان (الآن وقد شاء الله فتحقق الأمل العظيم الذي ظلت تنشده البلاد منذ أن تلاقينا وتصافينا ابتغاء مرضاة الله والوطن) فنظراً للرقم القياسي الذي سجله الخصام، ونظراً لأن شروره استطارت وانسحبت حتى على بعض اتباع الطائفتين من ختمية وأنصار بمقاطعة اجتماعية شبه شاملة.. فقد سبق وأن قلنا إن البيان المذكور انطوى علي افتراء صريح على الخلق وخالقهم بقدر سواء. إذ عزى ما حدث إلى انه جاء (إبتغاء مرضاة الله) علماً بأن المختصمين كانا يعلمان ما نعلمه نحن عباد الله الجاهلين، أن مرجعية طائفتيهما الدينية قال فيها رسولها المبعوث هدى ورحمة للعالمين: لا يحلُ لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال!

صحيح إن التراشق استمر متواتراً ولكن وبصورة نسبية، ولكن ليس من العدل القول إن الطرفين كانا على قدرٍ متوازنٍ من اشتعال الضغائن واثارة المواجع، وذلك نسبة لأن السيدين لم يكونا مستنسخين في طبائعهما، ولا صفاتهما الشخصية العامة والتي تشمل ملكاتهما السياسية، وطرائق تعاملهما مع القضايا المختلفة. فمن باب الانصاف يمكن القول إن السيد الصادق رغم ما يأخذه البعض عليه من سلبيات في مضمار السياسة كتردده في اتخاذ القرار وتقلبه بين المواقف، إلا أنه لا يستطيع سوى مكابر أن ينزع عنه ثقافته العميقة واطلاعه الواسع كصفات تصب في باب ايجابياته. أضف إلى ذلك أن السيد الصادق عُرف بطهارة اليد والزهد في المغنم والمغرم، وأنه يُعد ضمن قلة من السياسيين الذين وضعوا سداً بينهم وبين المال العام. فلم يُعرف له فساد رغم تبوؤه رئاسة الوزارة مرتين، واستمراره ناشطاً في الساحة السياسية لما يناهز نصف قرن. وإن كان الفضل ما شهدت به الأعداء، فالعصبة الحاكمة والتي اغتصبت منه السلطة قبل عقدين من الزمن، لم تجد ما تصمه به في بيانها الأول سوى انه (كثير الكلام) ولاشك أن الكثيرين مثلي قد يتساءلون ما إذا كانت هذه تهمة الآن، بعد أن جبتها العصبة نفسها بما عجز أهل بيزنطة عن الاتيان به. وكذلك عُرف عن السيد الصادق عفة لسانه، فهو إن اضطر إلى تقريع خصومه فقد يلجأ إلى مخزونه الثقافي والفكري، مُسقِطاً الساخر من اللغة وابداعاتها والتراث الشعبي وموروثاته.

في الجهة الأخرى لن يظلم احداً السيد مبارك، إن قال إن شخصيته تقف على النقيض تماماً، فكل أمريء خُلق لما يُسر له. فهو كما سبق ووصفناه بمنظور شخصي في كتابنا المذكور (سقوط الأقنعة) في أنه يعد من زمرة السياسيين الميكافيلليين الذين لا يضعون معايير أخلاقية مثالية في سبيل الوصول إلى أهدافهم. ويبدو أن مبارك ممن يستلذون بخوض المعارك، لكن فيما يتراءى للناظر أن له قدرة غير عادية في خلق الأعداء. لدرجة يقول فيها المقربون إن لم يجدهم فقد يخترعهم صدقاً كان أم وهماً. وهو لا يتورع في النيل من الذين يخالفونه الرأي بأي وسيلة بغض النظر عن غاياتها. ولعله من كثرة معاركه تلك بات يعتقد أن عدم الدبلوماسية شجاعة، وانحناء خصومه للعاصفة جبن وخنوع. لاشك أن بين مبارك والعصبة الحاكمة قواسم مشتركة، خاصة في ايمان كليهما أن المال يمكن ان يقهر المستحيل ويطوع الممكن ويصنع مجداً لمن لا يستحق، لهذا لا غروَّ إن تدحرجت اهتمامات الثقافة والفكر والمعرفة في قائمة الطرفين. البعض يقول أيضاً أن تأثير هذه الخاصية في سلوك الانسان قد لا تغري الآخر باقامة علاقات سوية معه، والحقيقة لا أدري إن كان ذلك مما ينطبق على مبارك من عدمه، لكنني على ثقة بأنك لو جردته من السياسة والجاه الموروث، لصعب عليك العثور على شيء آخر تحت طيات جلده. وإن صدق زعمنا هذا، فلن يكون غريباً إن تقلب كما تتقلب فصول السنة الهوجاء في بلد لم ينعم الله عليه بمناخ مستقر، لا في السياسة ولا في الطبيعة!

ليس في الأمر تجنٍ أو تلبيس. فذلك كتاب مفتوح يقرأه كل من يراه بعينين مفتوحتين في سير ساسة اهل السودان. ولكن من عجب أن كلا الطرفين حباهما الله بذاكرة أصبحت تجد متعة في التناسي والنسيان، لهذا ما اسهل أن يفصل البعض بين الماضي والحاضر بمثلما تفصل العصبة بين الحق والباطل، علماً بأن الأول أبلج والثاني لجلج. أنا مثلاً أخشى أن أقول لماذا هرب مبارك الفاضل يومذاك، فيعتقد البعض أنني أتحدث لغة عفا عنها الزمن؟ ولكن متوكلاً على الحي الذي لا يموت فقد قلت ذلك قبل عشرين عاماً وما زلت اؤمن أيمان العجائز بأن هروب مبارك لم يكن مبرراً عصرئذٍ، ليس لأنه لم يفك ألغازه للسائل والمحروم حتى الآن، وليس لأنه كان وزيراً للداخلية في النظام الذي أطبقت عليه العصبة حذائها العسكري الثقيل، وليس لأنه كان يفترض أن يدير معركة كرامة مثلما فعل الفريق فتحي أحمد على الذي أدار حرسه الخاص معركة يتيمة مع ثلة من العسكر الذين جاءوا لاعتقاله في منزله. ليس لأي من هذه الأسباب وإن كانت كلها في نصاعة وبرودة ثلجنا هذه الأيام، ولكن لأنه كانت بينه وبين العصبة وشائج متينة وصلات عامرة، وصلت لدرجة التآمر على الديمقراطية نفسها، بتدارس فكرة انقلاب مشترك مع بعضهم، وإن لم تمض الفكرة البيئسة إلى نهاياتها المفترضة.

وكلنا يعلم إنه بعد الانقلاب مباشرة اختفى مبارك لبعض الوقت قبل أن يولي الأدبار، وكانت تلك هي فترة الاختبار التي أراد أن يعرف فيها ليل الانقلاب من ضحاه. ولكنها فترة قالت أيضاً من وراء الأكمة: إما أن اتهامات الفساد التي ساقاها البعض عليه، وحدت بالسيد الصادق رئيس الوزراء لتكوين لجنة تقصى ومساءلة له قد تأكدت، فخشي تبعاً لذلك من بطش القادم الذي بدأ عهده بقول متنطع (من اراد أن تثكله امه..) أو أنه أراد أن يتأكد إن كان سيناريو ما حدث يطابق تماماً سيناريو ما اشتهى أو تخيل أو عمل له في الظلام، وأياً كان الترجيح فقد هرب سيادته ذلك الهروب الفطير الذي ظللته علامات استفهام حتى يومنا هذا. ثمَّ انخرط في مسيرة المعارضة الظافرة بهمة حسدها عليه غلاة الشيوعيون الذين بينهم وبين ايديولوجيا الانقلابيين ما صنع الحداد. ولا تظنن يا من تزمل ببراءة أهل السودان، أن سنواته تلك جرت في بحور المعارضة كما يجري الماء السلسبيل في جوف الظمييء الحرور. فقد كان أكثر ما يدهش المعارضون أن مبارك حينما يريد أن يمارس هوايته في التسلط والاستعلاء، يترك أحياناً النظام الذي يناصبه المعارضون العداء ويوجه سهامه نحو نحورهم. ولكن المفارقة الأكبر إنه ريثما يكمل سلطان الكيف والتشبع دورته، يستعيض عنهم برفاق حزبه، وبعضهم اقرب إليه من حبل الوريد، فيدير معهم تلك المعارك الدانكشوتية التي تستدر احياناً عطف خصومه من الأعداء والأصدقاء!

رحلة مقدسة كهذه في مضمار الخصومات، كان لابد وان تنتهي برئيس الهرم الذي لم يكن يعلم أن مبارك أجل عداواته معه إلى وقت معلوم. كنا قد ذكرنا في الحلقة الماضية أن رائحة ذلك بدأت تشيط خلف الكواليس بعد خروج السيد الصادق فيما اسماه بـ (عملية تهتدون) ولخصنا سلسلة من المواقف الافتعالية التي كانت تشيء بارهاصات ما هو آتٍ. ذلك بدءاً من إخراج الحزب من التجمع الوطني، ومروراً بعودته إلى السودان، وانتهاءاً بطرح المشاركة في السلطة التي رفع مبارك لواءها. وهي الاستراتيجية التي حينما استعصت واستحكمت حلقاتها من نفر في الحزب، مضى مبارك إلى تحقيق غايته في السلطة ومعه رهط من الأمويين الجدد. وفي بحر عامين كان مبارك قد اسبغ على النظام الذي جعله مساعداً لرئيس الجمهورية منظومة من الأوصاف والنعوت البراقة حتى تضاءل صانعه حسن الترابي خجلاً في محبسه بسجن كوبر. ولم يكن ذلك بمانع الذين بينهم وبينه ثأر فقنصوا له كما تقنص الجوارح لطرائدها، وبعد أن قضى النظام منه وطره لفظه كما يلفظ الجائع النواة. يومذاك استمتع الشامتون بروايات اختلط فيها الواقع الماثل بالخيال الخصب، وتلذذ البعض بتلك الأحاجي التي ساعدت التكنلوجيا في نشرها كما تنتشر النار في الهشيم، وفحواها كان يقول كيف أن هزبراً استأسد في حزبه وتتضبع في حزب الآخرين! ولكن قمة التدراجيكوميدي – كما أزعم وأتخيل – يوم أن تخلى الأمويون الجدد عن مبارك، وجلهم من قال له إذهب أنت وطموحك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون في كراسي الوزارة. وأحسب أن مبارك الذي ينسي أفراحه ولا ينسي مرارته، كلما اختلى بنفسه قال لها مواسياً حتى إنت يا نجيب الخير؟

بعد أن انفض الرفاق لعل مبارك اكتشف إنه أصبح شخصاً بلا ملامح وبلا هوية، فامتثل لثلاثية الشيخ فرح ود تكتوك (الأمير/الفقير/البعير) ومثلما يفعل أي جريح في معركة غير متكافئة، يظل المهزوم دوماً يلعق جراحه بلسان ويتوسل خلاصاً بذات الناس. وبين الحين والآخر كانت السماء تمطر وساطة من وساطات (الأجاويد) ولكنها لا تلبث أن تذروها الرياح أمام إصرار السيد الصادق بالقول إن الذين خرجوا من الحزب ينبغي أن يعلنوا توبتهم واعتذارهم ومن ثم يأتوا لينخرطوا فيه كأفراد. وهل فعل السيد مبارك غير هذا يا صاح؟ بقراءة عجلى في الخطاب الذي ألقاه على الطائفة التي شهدت المصالحة، وضع السيد مبارك السيد الصادق في مكانه العلي الذي لم يتزحزح عنه أبداً (إن أخي الحبيب الإمام الصادق المهدي، كان وما زال بالنسبة لنا الأخ الأكبر، والزعيم لهذا الكيان الذي حمل الراية من الشهيد الإمام الهادي المهدي، وقاتلنا من خلفه نظام مايو حتى سقط، وناضلنا معه ضد نظام الانقاذ حتى رفع الراية البيضاء مستسلماً لمطالب الشعب في الحرية والسلام، إننا نجله، ونقدره، فهو قائد ورمز لهذا الكيان ورمز للوطنية السودانية، نفخر بمجاهداته الفكرية وتضحياته من أجل الكيان والوطن) وكامل الظن غير المأثوم أن السيد الصادق الذي كثر مادحوه، لم يسمع حديثاً شنَّف أذنه ومسَّ شغاف قلبه من قبل بمثلما فعل اطراء مبارك هذا، لا سيما، وقد كان حتى يوم امس الرجل الديناصور الذي تدثر بقيادة أبدية، وأصبح الحزب ضيعة له واسرته. وكان بالأمس الرجل الذي خان العهد، وفاوض نظام نميري من وراء حجاب، وتبوأ فيه المناصب التي تعبت من مرادها الأجسام. وكان حتى يوم أمس الزعيم الذي تسول من العصبة مال السحت، فمنحوه مليون دولار في الباطن حتى يحسن نقدهم في الظاهر. أليست تلك هي ذات الآيات الشيطانية التي ذرها مبارك على رؤوس الأشهاد أمس، واستبدلها اليوم بمزامير داؤود علها تطرب سامعيه، وعلى رأسهم المحتفى به رغم أنف الضالين!

لكن يبدو ان ذلك لم يفت على فطنة السيد الصادق الذي شعر أن السيد مبارك دفع الجزية وهو من الصاغرين، فبقراءة عجلى في الخطاب الذي ألقاه أيضاً في حفل المصالحة. لم يأت على ذكر سيرة خصم الأمس صديق اليوم (لا في طيف الغائيبن ولا صحيان الحاضرين) ولم يكن غريباً ان يخصص الصادق للمناسبة نفسها بضعة أسطر بتسلسله المعروف في تصنيف القضايا، ثم ولى وجهه شطر المسائل العامة، ووجه جل خطابه لها، أي جعل من المناسبة فرصة لطرح برنامجه الانتخابي بزهو تكاد تحسبه إنه اشتم رائحة القصر. ولكن هل يكفي أن تثور الخصومة كما البحار الهادرة، ثمَّ تهمد كسلى كما الحملان الوديعة؟ أليس حقاً على الناس عامة وناشطي حزب الأمة خاصة معرفة الاجابة على أسئلة تقف شاخصة أبصارها كأنها في يوم الحشر؟ تلك ذكرنا منها نذراً في الجزء الأول، ومع ذلك يبقى التأكيد على بعضها.. ومنها هل ما حدث كان مظهراً من مظاهر النفاق السياسي الذي تعج به الساحة السودانية أم أنه يعبر عن مصالحة حقيقية؟ وإن كانت مصالحة حقيقية فعلى أي أسس تمت؟ وهل يمكن أن لا تعيد الأزمة نفسها في صورة من الصور؟ فالحزب مطالب بوضع النقاط على الحروف بشفافية كاملة تحترم عقلية ناشطيه في المقام الأول، والذين نحسب أن كثير منهم اصابته الحيرة في مقتل، فلا استطاع يومذاك الصلاة خلف على ولا طاب له الجلوس في مائدة معاوية. كثيرون منهم وضعوا أيديهم على خدودهم معولين على الجنرال (زمن) لعله يدرأ المحنة بحلوله الكلاسيكية، وكثيرون كانوا قد أتخذوا موقعاً وسطاً، ليس لأنهم من أمة القرآن، ولكن لأنهم حفظوا عن ظهر قلب الحكمة الهندية القائلة إن الحشائش وحدها هي التي تتأذي من صراع الأفيال، وأخيراً ثمة قلِّة لزمت صمت القبور خشية أن تخرج من أفواههم كلمة كبرت ولا يستطيعون لها رداً.

إن الخصومة وفجورها وفق ما ذكرنا من قبل تكاد تكون منهجاً ثابتاً في أجندة السياسيين، بل كل القوى السياسية السودانية بلا استثناء. صحيح إنها في ظل القوى العقائدية تتسم بطلاق بائن لا رجعة فيه، حيث يمضي كل طرف في مسيرته القاصدة حاملا أوزار الطرف الآخر، في حين أنها تحتمل العفو والمغفرة في ظل القوى التقليدية، ولكنها بلا أسس ولا منهج مما يشيء بتكرارها مرة أخرى. والواقع أن كثير منها مجرد افتعال لقضايا قديمة، يريد قائلها أن يوحي لسامعيه إنه اكتشفها للتو واللحظة، في حين أنك تجده قد سبق وأن تعايش معها مثلما يتعايش مريض السكري مع دائه. ولهذا فالراجح عندي أن المنشق أو المنقسم رجل كذوب، وهو أضل وأشر، ما لم يعلن على رؤوس الأشهاد تحمله جزء من تلك التركة المخزية، وما لم ينتقد نفسه ويقول إنه أخطأ مرتين، الأولى حينما صمت على تلك الأخطاء التي كانت تجري أمام عينيه، والثانية عندما زين للناس تلك الأخطاء، جاعلاً من (فسيخها شربات) ودون هذا أزعم أن كل الحرس القديم الذين يدعون رفع راية الاصلاح والتجديد سواء في حزب الأمة أو أي احزاب أخرى، تبقى خطاويهم تلك مجرد محاولة لتحقيق طموحات قيادية، حالت ظروف ما دون وصولهم لها في ظل الأوضاع الطبيعية. وما حدث في حزب الأمة ومثيله في الاحزاب الأخرى هو نتاج طبيعي لما تعاني منه الساحة السياسية السودانية بشكل عام، والمتمثل في غياب ثقافة المساءلة، الأمر الذي جعل كثيرون يتباهون باقترافهم الجرائم الفظيعة والانتهاكات الخطيرة ويرددونها على الملأ كأنهم يعزفون على مسامعنا قطعة موسيقية تخلب الألباب!

أيها الناس لن ينصلح الحال بدون ديمقراطية مبرأة من العيوب، تنداح كما ينداح الضوء الشفيف في اروقة الأحزاب، لتعم البلاد بأسرها. ولن يطيب المآل إلا بالحوار البناء. ولن يستقيم الظل إلا بشفافية تعلي من قدر الانسان الذي كرمه ربّه. ولن تتقدم الأوطان إلا في ظل العدل المبسوط والمساواة الممدودة بين شعوبها. ولن تزدهر الأمم إلا باحترام حكامها لارادة شعوبها. وبالمقابل لن يقدم لها حكامها الديمقراطية في طبق من ذهب، ولن يخضعوا لمحاسبة طالما جلسوا القرفصاء على القانون، ولن يحترموا إرادة شعوبهم وهم قاهروهم، ولن يقيموا العدل فيهم وهم ناسخوه، ولن يرسخوا المساواة بينهم، وفي الناس من يزين لهم الفساد. فالحقوق - يا سادتي - تنتزع ولا تمنح.. أفيقوا واستفيقوا يرحمكم الله!!



عن صحيفة (الأحداث) السودانية 14/3/2010



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1605

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فتحي الضَّـو
فتحي الضَّـو

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة