المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
جماع مردس
وردي مسونكيل الغناء واخر احتمالات البهاء
وردي مسونكيل الغناء واخر احتمالات البهاء
05-16-2012 01:05 PM

وردي مسونكيل الغناء واخر احتمالات البهاء

بقلم : جماع مردس
[email protected]

عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن حالة حزن عمومى، تكون كل كلمة هي بمثابة محاولة للتأوّه، والإبانة عن الجرح ، وتتحول اللغة لمضخة نتاحة للألم ، فيبدو الإنسان مفضوحا بمشاعره ومنكشفا كذات عاطفية هشه من خلال عدم قدرته على استيعاب حدث الفقد ،حينها لا يمكن للغة أن تكون أداة حيادية، حيث يتضافر الخيالي والواقعي في رسم بنية الذات المتألمة . هذه المقدمة اردتها مدخلا واعتذارا اذا تحول مقالي هذا الى مبكى شعورى نتيجة انقيادي اللاإرادي لسطوة الغياب الموجع والحزن العمومى ، واذا عجزت كلماتي عن ترميم فجيعة غياب فنان الشعب محمد عثمان وردي ، الفنان الملهم والمناضل الجسور ، والسوداني حينما يكون السوداني في اجمل صوره.
في إطار اهتمامي بالفن وقناعتي بقدرته علي القيام بدور محوري في بناء وحدة وطنية حقيقية تجسد مبدأ التسامح بين الثقافات المختلفة في التعبير عن نفسها وخلق توافق بين الأطروحة السياسية والموضوع الثقافي ، ولعلمي بأن الشعوب مهما اختلفت تكون متفقة حول فنونها في مجالاتها المختلفة ، الغناء والموسيقي ، التشكيل ، المسرح والدراما ، الأدب ، الفلكلور والفنون الشعبية...
ولقناعتي بأن المشكل السوداني في تجلياته المختلفة هو مشكل ثقافي لا يمكن حله الا بتشريحه في جذره الثقافي بعيدا عن ثقافة فرق تسد التي تجسدها بعض الكلمات والسلوكيات والتي لها أبعاد في الثقافة السودانية ولها أثرها السلبي في عدم الأندماج القومي و تحول بيننا وتجعلنا نبدو مختلفين وكأن الحياة الحقيقية في السودان تجرفها بعيدا أجندات أخري بقصد تجريدها من متعة الأحساس بالمجموع.

ولما لفن الغناء من دور كبير في تشكيل وجدان هذه الأمة تبنت جماعات حكومية بعض الفنانين واستهدفت ان تجعل منهم صوتا لها فأفسدت الصورة الزاهية للفنان وجعلت منه حلية في مجالس السياسيين او مسامر يسري عنهم فأصبح يغني في حدود المطلوب والمألوف لتأمين الرؤية السياسية الضاغطة ، فأنصرف الناس عن الفن الذي لا يحمل ملامحهم وعمق قضيتهم وأشواقهم للماضي والحاضر والمستقبل ((يا شرفة التاريخ ... يا رايةً منسوجةً من شموخ النساء وكبرياء الرجال)).

انحياز وردي الواضح للشعب (اننى اؤمن بالشعب حبيبى وابي) جعل الناس تقترب منه ومن الحانه وعذوبة صوته ومن الصور الشاعرية وقوة النص المرتبط بحركة الجماهير في مسائل الحرية والهوية والكينونة الثقافية والذي ينطوي على تشريح وخلخلة ونقد وفضح وتعرية البنى الخبيثة مع تأمينه علي الفضائل والقيم السودانية الرفيعة (ماك هوين سهل قيادك ... سيد نفسك مين اسيادك) ، فشمخ وأتي غناؤه من دواخلهم فأصبح الناطق الرسمي بإسم زمانهم وأشواقهم الوطنية واحزانهم. وجدوه فنانا حتي النخاع ، اختار المفردة الجميلة ، وتغنى للحرية والتواصل الجميل والحبيبة الرمز ، تغني للمعاني والقيم الأصيلة (عمق احساسك بحريتك يبقى ملامح في ذريتك) ، وقد كان الراحل فنان عموم اهل السودان وفنان افريقيا الأول ، قال المثقفون انه منهم وقال انصاف المتعلمين انه ملكهم وقال عامة الناس انه لسانهم المعبر وانه معجون من طينتهم ولم يقل الراحل عن نفسه تمييزا ولم يعرف له معجبوه علي اختلاف مشاربهم انحيازا لفئة ، فهو ملك عام وارث عام ونبته طبيعية لشعب شاعري ورقيق ودفيق المشاعر ، فهو مثل النيل في بلادنا لا يدعي احدا ملكيته ولا ارثه ، و مثل علم البلاد رمزا للجميع يحيونه ويجلونه وما ادعي احدا يوما خصوصيته.

حمل حفيد الألهة ، وردي ، هم القضيه الفنية وحده في زمن الكوليرا ( عهدى مايو والإنقاد ) باحثا ومبشرا بالثورة ، كما تشير اغنية (وطن عاتي .. حنبنيه البنحلم بيه يوماتي .. . وطن خير ديمقراطي ) ، وسعى من خلال الهم الداخلي الي تشكيل موقف يشبه الناس في كثير من الهموم العربية والأفريقية والإنسانية المشتركة رجوعا الي التبشير بالزمن الجميل الأتي علي سواحلنا الداخلية من خلال الصور الشعرية الكثيرة فعاش بيننا وهجا فنيا وفكريا سامقا مسكون بالإستقامة الإبداعية المستمرأة صعودا في تطوير ذاتها بذاتها مقارنة بحالة السكون والبيات والتقاعس التي لازمت الكثير من المغنين منذ اواخر الستينات ، الا من بعض الإيجابيات القليلة ..... امثال مصطفي سيد احمد وابو عركي البخيت وسيف الجامعة .

دوره المميز والعظيم في اثراء الوحدة الوطنية ( بلدي يا حبوب ) تجده وانت تستمع لوردي فتدهشك عبقريته وبساطته وتنوعه في انتقاء المقام اللحني من خلال السلالم الموسيقية المختلفة والتي تشبه تنوعنا الثقافي ، فيتولد فيك الإحساس بالسوداناوية، بيد ان وردي طغي عليها بخياله واستبطانه الحاسي بواقع واشواق الناس الوطنية المتقاطعة مع التذوق العاطفي وهذا ما بز فيه كل معاصريه من قدامي وجدد ووضعهم في موضع صعب ، وهذه هبة لا تتماثل الا مع الإستثناءات العبقرية.
ارتبط محمد وردي بالإنسان والأرض وكان اضافة الي دوره كمغن فقد كان ثوريا وليس مهما لمن يرونه قيمة فنية عالية الحساسية ان كان ينتمى او لا ينتمى لأي اتجاه عقائدي ، فالظاهر ان الجهد الذي بذله لرفع همة الناس ووصوله الي احاسيسهم لهو اكبر من كل سبق في مسيرة كثير من الإتجاهات السياسية في تذبذبها وانشغالها بالشعارات البراقة والكلام الخمج اكثر من رهانها علي الغبش وارتكازها علي التكتيكات المرحلية لخدمة مصالحها الآنية.

ولهذا فإن ما قلته عنه يأتي وفاءً لعطائه وتخليدا لأشياء رائعة وسقيا لغرس أثمر ونال من ثمره الكادحون والمتعبون والمهمومون وبقي طعمه في تذوقهم بعد ان دخلتهم العافيه الفنيه.


اختتم مقالي بقصيدة سيدي عالم عباس:
"يا رياحَ الفواجع هُبِّي،
فقد هدّنا الانتظار
عذابُ التوقّع أقسا علينا
وقنبلةُ الانشطارْ
متى الانفجارْ؟"




تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2305

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#367617 [محمد حلا]
4.12/5 (16 صوت)

05-19-2012 09:24 AM
بإسمك الشعب إنتصر
حائط السجن إنكسر
والكنوز إشتعلت جنة عرسِ في الايادي

وردي يتوغب علينا إستيعاب إختياراته لتلك الاشعار لشعراء هم مناضلين ومنكسرين في حب الخير لهذا الشعب .. شكل الشعب وقضاياها وأحلامه بحياه تسودها الحرية والديمقراطية والابداع والعدالة الاجتماعية والسياسية المعين الذين لا ينضب لهؤلاء الشعراء في إنتاج ما حوله وردي الي لوحة من الشاعرية والموسيقي المحرضة على حب الوطن والانتماء الي قوي العمال والكادحين.
بناديها ..أغنية الفرسان الذين يستعدون لفضح جبروت الطغاة ..
جماع مردس ظل مهتما بكل ما يتعلق بالفنان العملاق وردي منذ صراعه مع مرض الكلى في احتفاليات تضمان ثم احتفاليات تكريم الخ .. فنعته دوما بان (جماع مردس) .. (عش الفنانين ) بكل قبائلهم (شعراء ومغنين ومطربين وتشكيليين) الخ
ما فات صديقي حفيد الناظر حنيطير في أن محمد عثملن وردي الذي تغني للوحدة
(من أقصى شمال بلادي لأقصى جنوب الوادي ..
نعمل للوطن الواحد أيادي إخلاص ومبادئ)
وردي الذي غني للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في وطن( سيد نفسه) أحبه وردي (بيضحك) إحتضنت مهرجانات جنازته الذين عملوا على نقيض كل تلك القيم والمبادئ .. من مزقوا الوطن ولا يزال يرتكبون الجرائم .. من صادروا الحرية حتى حق الغناء المنتمي والمنضبط (فطارودوا عقد الجلاد وابوعركي البخيت ووردي ومصطفى سيد احمد وسيف الجامعة والموصلي ) القائمة تطول .. هؤلاء الذين عادوا الفن وعادوا الادب وصادروا افراح الوطن تقدموا الصفوف في الصلاة على وردي وهنا تضاعف حزننا عليه بايماننا ان الموت حق ولكن ليست صلاة هؤلاء على وردي .. هؤلاء الملطخين بكل ما هو ضد القيم الانسانية يستغلون حتى محبة الشعب لهذا الفنان في سوق السياسة


#366317 [ود جمر القو]
4.09/5 (15 صوت)

05-17-2012 04:47 PM
الكاتب الجميل جماع مردس لك التحيه وكما قيل لايعرف الفضل الا اهل الفضل قد انصفت الرجل القامه اخي الكريم وردي كان وطنا بالاسمه كتبنا ورطنا ورد كان في امتنا منذ الاذل وردي ومثله من اهل الفن والشعر كانوا حرزا لنا ولامتنا مما اصابها من كساح كانوا يلهموننا بالسودانويه بعيدا عن ما هو حادث اليوم في بلادي غنينا معه للثورة ولاكتوبر الاخضر غنينا معه رائعة الرائع الجميل النحيل ابو امنه حامد (بنحب من بلدنا ما بره البلد سودانيه تهوي عاشق ود بلد) غنينا معه يا بلدي يا حبوب رائعة الشاعر الدبلوماسي سيد احمد الحردلو التي ما ان تترنم بها الا يقشعر بدنك بفعل السودانويه. لك وله التحيه ومزيدا من مثل هذه الكتابات التي تسهم في الوعي باهمية الفن بعيدا عن شطط طيور الظلام وانكفاءاتهم.


#365792 [adil]
4.12/5 (18 صوت)

05-17-2012 08:25 AM
جميل


#365598 [ميسر جبوره]
4.13/5 (15 صوت)

05-16-2012 10:21 PM
تحياتي أ/ جماع مردس


كلام جميل وحق كان يجب ان يقال بفعل

ونحن اليوم نبكي علي انفسنا اين شاعر اليوم اللذي قلبة مليئ بحب الوطن اين الفنان اللذي شبه فنهوا علي حب الوطن اين واين واين


#365234 [سيد إبراهيم محجوب]
4.11/5 (17 صوت)

05-16-2012 02:42 PM
لا يعرف مقدار الرجال إلا الرجال
فشكراً أيها الرجل الجميل جماع مردس على هذه الكلمات الصادقةوالمعبرة عن شخصية الراحل وردي
من شابه وردي ما ظلم
ومن حب وردي ما ظلم


جماع مردس
جماع مردس

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة