أحمق من "أبو الدقيق"!!
05-16-2012 03:17 PM

أحمق من "أبو الدقيق"!!

تيسير حسن إدريس
[email protected]

يبدو من مجريات الأحداث المتسارعة منذ أزمة احتلال هجليج، وشكل وطبيعة القرارات الأممية المتخذة في هذا الشأن، وسرعة استجابة دولة الجنوب لها؛ أنَّ السودان الشمالي أو بالأحرى نظام الإنقاذ الحاكم قد اسْتُدرِج لفخٍ محكم وضعَتْ مخططَهُ بعضُ القوى الدولية، ودفعت بدولة الجنوب لتنفيذ الحلقة الأولى منه؛ والتي بدأت بقرار وقف ضخ النفط المثير للحيرة والعجب تمهيدًا لإثارة زوبعة هجليج، كجزء من السبكة المحكمة لفصول المخطط التي طبخته الدوائر الغربية، المؤمنة بضرورة إزالة النظام الحاكم في الخرطوم، ولو أدَّى الأمر لتتدخل المباشر تحت الفصل السابع من قانون الأمم المتحدة، وما الدفع بنظامِ جوبا الضعيفِ اقتصاديًا وماديًا لإثارة هذه الزوبعة إلاَّ خطوة متقدمة لاكتساب شرعية لتدخل بالقوة ليس إلا، فالقوى الدولية التي تقف وراء هذا المخطط باتت على يقين من أن نظام الإنقاذ قد أضحى يفتقد المؤسسية والرؤية السياسية، مما يسهل أمر جرِّه لهذا الفخ، خاصَّة بعدما تمكن الجناح المتشدد فيه من قلب الطاولة على الجناح المعتدل، وسحب البساط من تحت أقدامه بسيطرته المطلقة على مركز اتخاذ القرار الذي يمثله الرئيس البشير.
هذا التحليل على بساطته يزيل علامات التعجب والاستفهام التي ظلت تطارد الباحثين عن جدوى الخطوات المتهورة التي خطتها حكومة الجنوب من وقفٍ لضخ المورد الذي تعتمد عليه ميزانيتها بنسبة 98% ، ومن ثمَّ المغامرة بدخول هجليج واحتلال حقول نفطها، وهي تعلم أن رد الشمال على ذلك سيكون مزلزلاً، ولو أدَّى الأمر بالخرطوم لتضحية بكامل جيشها، فحقل هجليج هو كل ما تبقى للإنقاذ من موارد لتسير دفَّة حكمها، كما وأنها لا تقع ضمن المناطق الحدودية المتنازع عليها، ممَّا يدلُّ على أن الدافع لتلك المغامرة كان خارجيًا، وبعيدَا كل البعد عن منطق الصراع المتعارف عليه والدائر منذ الانفصال بين الدولتين.
وبمثل ما جُرَّ نظام الإنقاذ لهذا الفخ المحكم، وقع أيضًا في شباكه المراقبون والمحللون للشأن السياسي ، فرمى معظمُهم نظام جوبا بالغباء والتهور، في حين دفع حسن الظنِّ القليل منهم لاعتبار احتلال جوبا لهجليج عملية هروب للأمام، قامت به حكومة سلفا كير التي تكالبت عليها المشاكل خاصة الاقتصادية، وغدت أزمة حقيقية بقرار وقف ضخ النفط عبر أنبوب الشمال، ذاك القرار الذي أثار من قبل زوبعة من التساؤلات، واجمع كلُّ الخبراء على أنَّه قرارٌ خاطئٌ ومتسرعٌ، وما دَرَوْا في حينها أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن القرار لم يكن سوى مقدمة وتوطئة لما سيليه من أحداثٍ خُطِطَ لها بذكاء وحنكة، جعلَتْ نظامَ الخرطوم يسيرُ مغمض العينين مبتسمًا، وهو يخطو بظلفه نحو الفخ سعيدًا بالفرصة التي أتته من السماء، لترفع عن كاهله ولو لحين ضغط الأزمات الداخلية التي تعقَّدت وأضحت تنذر بذَهاب ملكه، علَّ بذلك يستعيد خطابَه السياسي وشعاراتِه التي استهلكت بعضٌ مِنْ أَلَقِها القديمِ، ذلكم الخطاب وتلكم الشعارات القائمة في الأساس على دغدغت مشاعر البسطاء وحشدهم للحماية العقيدة والوطن.
فاستمراء نظام الإنقاذ الوضع والأجواء التي خلفتها أزمة هجليج، والسيناريو الكاذب الذي نجحت وسائل إعلامه في تسويقه محليًا بعد عملية انسحاب قوات الجنوب، حيث قامت بتصوير الحدث على أنَّه نصرٌ مؤزرٌ، واستدرت عاطفة عامة الشعب، وعوضًا عن استغلال هذه السانحة لإعادة اللحمة الوطنية ومد اليد للقوى المعارضة وصولاً لاتفاق حد أدنى يحفظ له ما تبقى من ماء وجه ويعينه على الخروج من أزماته المستفحلة، أمعن النظام المنتشي في استفزاز القوى المعارضة ورميها بتهم العمالة والخيانة، وتضيق هامش الحريات وإعلان الأحكام العرفية وحالة الطوارئ في بعض أجزاء الوطن، واعتقال الصحفيين والناشطين وتعطيل الصحف، ليزيد طين الاحتقان السياسي بِلَّه، ولسان حاله يقول (مرمي الله ما بترفع).
غَيَّبَ سلافُ النصرِ المزعومِ والفرصةُ غير المنتظرة عقولَ أقطاب النظام، فصدَّقوا الفريةَ التي افتروا، حتى بعد أن انكشف الأمرُ بعودة حقل هجليج للعمل بعد أقل من أسبوع من خروج القوات الغازية، التي اتهمت بحرق وتخريب آليات ومنشات إنتاج النفط، وتم الترويج إعلاميًا لحجم الخسائر الفادحة التي حدثت جراء معارك التحرير حامية الوطيس، إلا أن سرعة تصليح المنشات والعودة لتشغيل الحقل قد كشفت حقيقة الأمر، وحسمت الجدل الذي دار بين جوبا التي اعتبرت خروجها انسحابا والخرطوم التي هلَّلت وكبرت واحتفلت بالنصر، فالمنطق وواقع الحال يرجح فرضية الانسحاب، فلو دارت معارك حقيقية كتلك التي رُوج لها إعلاميًا لاحتاج أمر إعادة التأهيل والتشغيل لعدة شهور على أقل تقدير، واضعين في الاعتبار أن حقل هجليج المقصود هو حقل لمواد نفطية سريعة الاشتعال وليس حقل لزراعة الجرجير، قلة الخسائر في الحقل وسرعة انسحاب قوات الحركة الشعبية يوضح بجلاء أن هدف العملية برمتها لم يكن احتلال هجليج وحرق أبار نفطها؛ بل كان مجرد استدراج وجر رجل نظام الخرطوم "للفخ" لتوفير المبررات اللازمة لما سيلي من قرارات وخطوات ذات طابع دولي؛ ستسفر عن جوهرها الأيام والأسابيع القادمة التي ستعقب مهلة مجلس الأمن الدولي المحددة بثلاث أشهر.
وأول قطرة من غيث تنفيذ المخطط ذي النكهة الدولية تمثلت في صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2046) بموافقة ومباركة مجلس السلم والأمن الإفريقي عملا بمنطوق البند (41) من الفصل السابع من قانون الأمم المتحدة الذي يعطي الحق للمجتمع الدولي في التدخل العسكري المباشر في حالة عدم التزام أحد طرفي النزاع وهو المقصود!! ، فالأطراف الدولية التي أعدت المخطط قد استخلصت من واقع خبرتها الطويلة في التعامل مع الخرطوم -لأكثر من عقدين- أن النظام الحاكم لا ينفذ ما التزم به من مواثيق إلا تحت التهديد والضغط، وأنه قد بات في الآونة الأخيرة أكثر بعدًا عن الحكمة والمؤسسية، بتمكُّن الجناحِ المتشدد وجماعات الضغط التكفيرية، بقيادة منبر الخال الرئاسي التي استطاعت تحجيم وإرهاب الأصوات المعتدلة داخل النظام وابتزازها بخطاب التخوين والانبطاح، مما حدا بمعظم تلك القيادات للانزواء أو الرضوخ وركوب موجة المكابرة والتشدد في الخطاب محافظة على مواقعهم ، ليصدم الرجل الثاني في النظام والذي يعتبر أحد صناع عملية السلام الرأي العام العالمي بتوجيهه العلني للجيش والقوات النظامية لتمعن في القتل!! (Shoot to kill ) بينما العالم بأثره يرقب مشدوها وينظر مندهشًا لحدة الانفلات والتهور الذي لا يمت للغة الخطاب السياسي والدبلوماسي الرزين بصلة من رجلٍ كان من المفترض أن يكون بوصلة الرشد لنظامه.
سيطرة الجناح "الهبنقي" في الإنقاذ على دوائر صنع القرار بخطاب التخوين، الذي يتصادم مع أبسط قواعد "فن الممكن"، وتحول مجمل سياسات النظام لظاهرة صوتية فارغة، جوهرها الردح والشتم الذي برع فيهما الثنائي نافع والطيب مصطفى، حتمًا سيسهل على الدوائر الغربية أمر تنفيذ كامل مخططها الرامي لتمزيق ما تبقى من الوطن، فإعلان رئيسة المفوضية العليا لحقوق الإنسان "نافي بيلاي" من جوبا (بأن الغارات الجوية العشوائية التي شنتها القوات السودانية على مناطق في جنوب السودان قد تعتبر جرائم دولية)، يكشف لكل ذي بصيرة مدى جدية وخطورة الوضع، ويوضِّح أن المخطط الدولي المرسوم يسير بجدٍّ نحو مراميه المقصودة، بينما شيوخ الإنقاذ منشغلين بالكيد للمعارضين، والكذب على الشعب، والتباري في أداء رقصة "الصقرية" غارقين في السذاجة، وتوفير المبررات اللازمة للقوات الدولية لاجتياح ما تبقى من السودان وحالهم يحاكي حمق "أبو الدقيق" الذي يرى النار ويصر على القفز في سعيرها.

تيسير حسن إدريس 16/05/2012م




تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 1554

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#366647 [محمد العوض]
0.00/5 (0 صوت)

05-18-2012 01:07 AM
بالله ديل كلهم اولاد اخوات باقان من الشماليات ما شاء الله؟؟؟


#365777 [تمساح]
5.00/5 (1 صوت)

05-17-2012 07:44 AM
اولا دغدغة وليست دغدغت بالتاء المفتوحة... قابلنا عشان نرجعك الروضة يا حبيبي


#365634 [واحد]
5.00/5 (1 صوت)

05-16-2012 11:33 PM
ما فعله عمر بشير يندرج تحت مقولة الاعرابي : اوسعونا ضربآ واوسعناهم شتمآ


#365536 [MUSTAF]
3.00/5 (2 صوت)

05-16-2012 08:33 PM
هل تكفى الشهور من يوليو 2011 حتى الان لنكره اخوتنا فى الجنوب لدرجة وصفهم بالحشرات ..؟؟؟؟؟؟


#365475 [متعوداديمن]
5.00/5 (1 صوت)

05-16-2012 06:44 PM
الا تستحق السرعة و الزمن الذي اعيد فيه تشغيل الحقل بان يرشح لموسوعة غنيس للارقام القياسية؟؟؟
قالوا بعظمة لسانهم ان حجم الدمار قد بلغ مليارات الدولارات !!!يعني دمار قدر دايصلحوا في يومين و يعيدوا الضخ؟؟!!
-المؤلم ان بعض الصحف قد هنأت الشعب السوداني باستئناف العمل !!!
- مشكلة الانقاذ الاساسية انها لا تحترم العقول.... يا اما تصدق ما يقال او انك طابور خامس وغير وطني!!


#365430 [بيكو]
5.00/5 (1 صوت)

05-16-2012 05:55 PM
ممتاز جدا يا تيسير الله ينور عليك


#365407 [النجـــــــــــــــــــــــــــــــاشى]
5.00/5 (2 صوت)

05-16-2012 05:32 PM
سيطرة الجناح "الهبنقي" في الإنقاذ على دوائر صنع القرار بخطاب التخوين
بينما شيوخ الإنقاذ منشغلين بالكيد للمعارضين، والكذب على الشعب .. ياحليل الوطن العزيز
والمصيبة الكبرى مازالوا فى غيهم يعمهون ..


ردود على النجـــــــــــــــــــــــــــــــاشى
United States [garfan khalis] 05-17-2012 12:33 AM
يانجاشي كلهم اولاد هبنقه وحاملين جيناته الوراثيه


#365320 [صادق]
5.00/5 (2 صوت)

05-16-2012 03:59 PM
اضيف اخى الكريم ان الانقاذ لن ترمى نفسها فقط فىى النار اذ لو فعلت لاستراح من شرورها خلق الله . ولكتها سترمى الشعب الطيب معها فىى النار التى اشعلتها رغم ان شعبنا لايشبه ابو الدقيق فىى شئى .


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة