يوم نحر الصحافة
05-17-2012 09:44 AM

كيف لا

يوم نحر الصحافة

منى عبد الفتاح

كانت الصحيفة رفيقة درب ، وظلت أنيسة من لا كتاب له ردحاً من الزمن حتى أتى على الناس زمن تشابهت فيه عليهم الصحف وأصبحت صفحاتها الأولى نسخة مكررة وكأنها بيان رسمي معمم على جميع الصحف. قراء الصحف يشكون من أنّ الأخبار هي هي وأنّ الصحافة أصبحت راتبة وباهتة. وقد تذعن إدارة الصحيفة للتضحية بصفحتها الأولى والأهم تحت ضغوط معينة، أما الصحفي الذي يعوّل عليه القراء بإخراج الأخبار من حالتها الجامدة والرسمية لحالة إنسانية مقاربة لروحه لا يجرؤ على الاعتراف بأن هذه الوزارة أو تلك المصلحة الحكومية قد عجنت الخبر وخبزته وزجّت به للصحف جاهزاً مع الأوامر المشددة بعدم التعديل أو زيادة أو نقصان حرف منها.
سقطت الصحافة في امتحان الصمود وهي التالية في مسلسل السقوط الثقافي المريع بعد الكتاب الذي عجز الكتّاب ومن بعدهم دور النشر من انتاجه كمّاً كان أم كيفاً. كما وقفوا مكتوفي الأيدي إزاء الخواء المعرفي فلم يصبح في مقدورهم انتاج ما يروي الظمأ الفكري ويشبع نهم السودانيين للقراءة. وبهذا تكون القراءة بأشكالها المختلفة هي آخر الحصون التي تم دكّها ، وآخر الآمال في التنمية الفكرية والثقافية التي كان المرجو منها أن تقطع الطريق على مسارات أخرى ابتدعها الأدعياء وأنصاف المتعلمين لا تؤدي إلا إلى التخلف والجهل.
مع اللهاث اليومي لدور الصحف من أجل الحصول على ورق الطباعة وبذل الجهود كي تخرج الصحيفة من المطبعة سالمة من غير مصادرة أحد صفحاتها أو مصادرتها كلها ، أهملت إدارات الصحف جمهور القراء الذين من أجلهم تتم هذه الصناعة. تم إهمال تأثيرهم وبالتالي فقدت تواصلهم فأصبحت الصحافة صحافة حذرة ومتلفتة ومهزوزة الثقة.
أين الصحيفة التي تعتمد على زيادة التفاعل وتمتين الثقة مع جمهور القراء ، والتفاعل ليس بكمية التعليقات وإنما بأن يشعر القراء أن وراء هذا الخبر أو ذاك إنسان وليس آلة إعلامية في مؤسسة حكومية. المكاتب الإعلامية في الوزارات تنتهك قدسية الخبر ليس بعدم أنسنته فقط وإنما بفرض وجهة نظر المؤسسة الشخصية التي تحيك الأخبار كما تود مع استغلال المساحة للإشارة لجولات النصر الدائمة.
ساحة أخرى دخلتها الصحف وهي ليست ساحة وغى تستبسل فيها من أجل الحقوق والحريات ، ولكنها ساحة الكسب السريع والمشبوه. وقائع كثيرة تشهدها صحف كانت تُعد من الصحف الرصينة ، نجحت بعض الجهات في استمالتها لاستخدامها في حربها ضد منافسيها في برنامج سياسي وسلطة زائلة .
وهذا هو الفساد المسكوت عنه ، لأنه فساد في الأزقة بغير نهب وسرقة أشياء محسوسة .والقضية هنا ضبابية وغير واضحة المعالم .فلا أحد يستطيع أن يمسك على صحيفة ما خطأ استمالتها ولا يصبح التشنيع بها ذو قرائن لمساهمتها في إسقاط آخرين أو اغتيالهم معنوياً ، لأن الفعل نفسه يدخل في باب حرية التناول والتغطية الإعلامية. حتى أن القانون يقف عاجزاً لأن بعض الكتاب يكتفون بالهمز واللمز وذلك لأن الإفصاح يدخلهم تحت طائلة التشهير. فالقضايا الواضحة في الفساد وبالبينات والأدلة يتم الالتفاف عليها حتى يخرج الجناة منها مستغلين عدم وجود تعريف دقيق ومحدد للفساد بغير المعنى العام الذي يختلف حوله الناس، فكيف بفساد المطابخ الداخلية للصحف.
أن ترتبط حملة الفساد بالمشهد السياسي الراهن متوقع رغم الاستعداد الهزيل لكم المعلومات التي تُلقى كل صباح جديد في بحر الإعلام . ولكن ما لم يكن متوقعاً هو توظيف الصحف التي رفعت لواء محاربة الفساد لترعى التجاذبات والخلافات السياسية والركون لغرض بعض الجهات في تصفية حساباتها مع خصومها وكل ذلك يتم باستغلال الصحافة لإسقاطهم في مستنقع الفساد.
الغريب أن هذه الصحف هي من حملت لواء محاربة الفساد والمفسدين ولكنها سقطت في مستنقع تصفية الحسابات فتحولت إلى صحف تطبّل وتتاجر بالكلمة. وما زال مسلسل الذبح على محراب المصداقية والمهنية مستمراً.تُنحرُ الصحافة الآن وكلنا شهود.

الاحداث


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1191

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#366346 [محمد]
5.00/5 (1 صوت)

05-17-2012 05:31 PM
كل شيء يتدهور ويتدحرج نحو الهاوية حتى الوطن وصل الى أطراف الهاوية بل أن جزءا منه قد سقط في الهاوية بالفعل. لو تبكين على الصحافة فالوطن يبكي على العلم والتعليم الذي تدهور والذي سيكرث هذا التردي الى ما لا نهاية الا أن يشاء الله لنا غير ذلك قريبا. تردي الصحافة جزء من التردي العام يا أختي الكريمة. هل ترين في السوداني نفسه ذلك الانسان الذي كان.


#366109 [عادل نقد]
0.00/5 (0 صوت)

05-17-2012 01:27 PM
الم يكن لمصادرة الاعداد وايقاف الصحفيين ومنعهم من الكتابة نحر؟؟؟؟؟؟


#366072 [sennary]
0.00/5 (0 صوت)

05-17-2012 12:41 PM
ياسلام عليك ياأستاذة ... كلام شجاع ومليان ... لايأتى إلامن صحفى ذوضمير و مبادىء وأخلاق ولايرضى عن الحضيض اذى وصلت اليه الصحافة السودانية بفعل هذه الحكومة المشؤومة التى دمرت كل شيىء فى البلد ولم يتبق لها سوى الصحافة ...والكتاب والادباء ..لأنها تشعر انهم فعلا اعدائها الحقيقيين


#365986 [الصحافة ساهلة نحن خايفين عليك انتي]
0.00/5 (0 صوت)

05-17-2012 11:44 AM
فهمتي ،، الناس ديل ماعندهم دين و لا اخلاق ديل مستعدين ينحروا اي واحد يقيف في طريقهم ، مشغلين الشماسة و المشردين ،، يعني احسن تبقي عشرة على نفسك و الصحافة ساهلة بس العوجة يقعدوك في السهلة ،،،


#365967 [إسماعيل العباسي]
4.75/5 (3 صوت)

05-17-2012 11:24 AM
نحرها بنوها، أشباه الصحفيون!!


منى عبد الفتاح
منى عبد الفتاح

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة