المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هاجس الحرب الأهلية في مصر
هاجس الحرب الأهلية في مصر
05-19-2012 10:02 AM

هاجس الحرب الأهلية في مصر


قد يجد الشعب المصري الذي ناضل ضد الظلم أنه سينتهي بسلطة رأسمالية تحتكر كل شيء أيا كانت خلفيتها العسكرية أو الليبرالية أو الإسلامية.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: خليل كلفت

يبرز في مجرى تصفية الثورة في بلدان ما يسمَّى بالربيع العربي طريقان متباينان لهذه التصفية: طريق التصفية التدريجية الطويلة النفس، مع تفادي الحرب الأهلية، كما في تونس ومصر، وطريق التصفية العنيفة، طريق الحرب الأهلية، كما هو الحال في ليبيا وسوريا واليمن. ولا يستبعد طريق الحرب الأهلية مناورات ومفاوضات سلمية بهدف كسب الوقت، ولا يستبعد طريق التصفية التدريجية أعمالا عنيفة تصل إلى حد المذابح المتكررة كما شهدنا في مصر.

وهناك من لا يرى في العنف الجاري في سوريا حربا أهلية فعلية وإنْ كان يرى أنه يهدد بأن يؤدي إلى الحرب الأهلية التي لم يصل إليها العنف بعد. والحقيقة أن هذا الحكم بأننا لسنا إزاء حرب أهلية في سوريا ينطلق من تصورات بعينها عن الحرب الأهلية تجعلها حربا بين طوائف دينية أو مذهبية أو بين تكوينات قومية أو قَبَلية داخل بلد دون أن يمتد التعريف إلى العمل العسكري الممتد بين النظام الحاكم والشعب في البلد المعني خاصةً إذا لم يصل هذا العمل العسكري إلى حدوده القصوى. وكانت الحرب في ليبيا في الحقيقة حربا أهلية بين الشعب الليبي ونظام القذافي جرَّتْ إلى حرب تدخل خارجي قام به حلف الناتو ضد نظام القذافي. كذلك فإن الحرب التي تدور في سوريا حرب أهلية، في مرحلة متفاقمة من مراحلها، بين الشعب ونظام الأسد، مع احتمالات التدخل العسكري الخارجي أيضا رغم صعوبته "الحربية" بالمقارنة مع ليبيا، ورغم عدم وجود دوافع من المصالح النفطية كما كان الحال في ليبيا؛ غير أن هناك بالطبع مصالح أميركية وإسرائيلية وأوروپية إستراتيچية مهمة للغاية تربط القضاء على نظام الأسد بتوجيه ضربة كبري للنفوذ الإيراني في المنطقة (سوريا، حزب الله، غزة). ويعني إسقاط نظام الأسد من وجهة نظر الغرب تشديد الحصار على إيران وتغيير خريطة الشام حول إسرائيل بصورة مواتية لمصالحها.

أما طريق التصفية التدريجية الطويلة النَّفَس والطويلة الزمن، مع تفادي الحرب الأهلية، أي الطريق المصري، فإنه لا يتفادى مع هذا العنف الوحشي الذي شهدناه والمذابح الوحشية التي شهدناها، كما سبق القول. فلماذا اختار النظام المصري أن يسلك هذا الطريق، بعيدا عن الطريق الآخر؟ وفي مصر كما في سوريا وكما في غيرهما يسود ما يسمَّى بحكم الشخص: رئيس الجمهورية وأسرته وعصابته، فلا تعمل مؤسسات الدولة كما ينبغي لها أن تعمل، ولا يكون الحزب "الحاكم" حزبا حاكما حقا، ولا تكون الطبقة الرأسمالية التابعة المالكة طبقة حاكمة حقا، وتجري تسوية مختلف المصالح ليس من خلال الآليات المنطقية لطبقة حاكمة وحزب حاكم بل من خلال الرئيس وأفراد أسرته وأفراد عصابته. وهنا، وأمام ثورة سياسية شعبية مفاجئة، تغدو مصالح الرئيس وعصابته مهددة، حيث يواجه الرئيس التطورات السريعة المتلاحقة وظهره إلى الحائط كمسألة حياة أو موت. ومن المنطقي أن يكون مستعدا للحرب الأهلية ذاتها على أملٍ مهما يكن ضئيلا بسحق الثورة واستعادة النظام، حيث لا يملك مخرجا آخر لأن هزيمته ستعني القضاء عليه وعلى إمبراطوريته.

ورغم أن الجنون ليس منطقا ناجعا ومنقذا فإن الجنون يغدو الأمل الوحيد للرئيس وأسرته ورجاله المقرَّبين. ورغم إدراكه أن نجاحه في سحق الثورة لن ينقذه لأنه سيكون في حكم المستحيل عليه أن يحكم شعبا أباد عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من بناته وأبنائه. وعندئذ يتحول النظام إلى ثورة مضادة في حالة حرب. وبالطبع فإن محصلة عوامل قوته وضعفه داخل نظامه في لحظة تفجُّر الثورة الشعبية هي التي تقرر نجاحه في فرض الإستراتيچيا الحربية في تصفية الثورة أو، على النقيض، نجاح نظامه في التخلي عنه وعدم الانجرار وراء مصلحته الشخصية والعمل على إنقاذ النظام والطبقة بدونه وبالتالي الانقلاب العسكري ضده. والاختيار بين طريق التصفية التدريجية وطريق التصفية الحربية ليس حرا أو عشوائيا. ذلك أن متانة أو اهتزاز وضع الرئيس داخل النظام هو أساس سلوك النظام والطبقة وخياراتهما: الانزلاق إلى الحرب الأهلية أو تفاديها. وبالطبع فإن وجود أو عدم وجود تناقضات أو صراعات أو رؤًى متضاربة داخل النظام هو الذي يغلِّب مصلحة الشخص بجنونه أو مصلحة النظام بعقله؛ مهما كان غير رشيد بصورة كافية.

وينطوي ما سبق على فكرة أن الحل الأمني، أو التصفية العنيفة، أو الحرب الأهلية، وهي تسميات متعددة لشيء واحد، أمر بالغ الخطورة. ومع هذا يتورط فيه نظام ويتفاداه آخر. ويكمن السرّ في النتائج المنطقية المحتومة للحرب الأهلية لتصفية ثورة شعبية كبرى، وهي نتائج بالغة الخطورة في الحقيقة. ويمكن أن يكون إدراك هذه النتائج رادعا حاسما يحُول دون تورُّط نظام فيه. وكما نتعلم من التاريخ المعاصر فإن نتائج الحرب الأهلية بين سلطة طبقية تتحول إلى ثورة مضادة وثورة سياسية شعبية، أي بين السلطة والشعب، تتمثل على الأغلب في هزيمة ساحقة يُلْحِقها الشعب الأعزل بالجيش المدجَّج بالسلاح، وتتمزق الطبقة المالكة وحكمها وسلطتها ونظامها، وتجري إعادة تشكيل شاملة للطبقة المالكة التي يجري إحلالها بأفراد جدد ومجموعات جديدة، فتخسر الطبقة الحاكمة "الجلد والسقط"، كما يقولون. والحقيقة أن هذا بالضبط هو ما حدث في ثورات كثيرة اتخذت شكل الحرب الأهلية فالطبقة الرأسمالية التابعة التي نشأت انطلاقا من الثورة التي أدت إلى قيام جمهورية الخميني الإسلامية حلت محل الطبقة الرأسمالية التابعة التي كانت حول الشاه، وحدث الشيء ذاته في ثورات عديدة، وحدث نفس الشيء حتى في انقلابات عسكرية مهمة مثل انقلاب يوليو العسكري. وأمام ضرورة تفادي هذا المصير المرعب للنظام والسلطة والطبقة ومؤسسات ورجال الدولة جميعا تغدو قدرة النظام على إنقاذ نفسه بالتخلص من جنون حكم الشخص مسألة حياة أو موت. ووفقا لاعتبارات متنوعة يملك النظام أو لا يملك مرونة الاختيار الحاسم المتمثل في إنقاذ النظام وتفادي الحرب الأهلية. وفي مصر كانت هذه القدرة جاهزة لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية في لحظة من اللحظات فقام بانقلابه العسكري لإنقاذ النظام بالتخلص من مبارك، ومن الجلي أن هذه القدرة لم تكن جاهزة للنظام السوري وجيشه وباقي مؤسساته عندما تفجرت الثورة السياسية الشعبية الكبرى في سوريا؛ ومن هنا طريق الحرب الأهلية هناك وفي ليبيا واليمن، ومن هنا أيضا تفادي تلك الحرب المدمرة للطبقة الحاكمة والنظام والجيش جميعا في مصر وتونس.

ومن المنطقي أن تحتاج الحرب الأهلية في مجراها إلى مناورات سلمية لكسب الوقت، كما سبق القول. وهذا بالضبط ما شهدناه في ليبيا وسوريا واليمن. كما أن من المنطقي أن يكون طريق التصفية التدريجية للثورة حافلا بصور شتى من العنف تصل إلى حد المذابح كما حدث أثناء الموجة الأولى للثورة قبل رحيل مبارك، ثم بعد ذلك في ماسپيرو، ومحمد محمود ومجلس الوزراء، وبورسعيد، والعباسية، بالإضافة إلى الاستخدام الواسع النطاق للبلطجية في كل مواجهة مع الثوار تقريبا، بالإضافة إلى إثارة الفتن، وسياسة فرِّقْ تَسُدْ، والحرب الإعلامية ضد الثورة، بهدف توجيه الضربات على طريق تصفية الثورة في الوقت الذي تجري فيه على قدم وساق إعادة بناء مؤسسات الدولة: الپرلمان (مجلس الشعب ومجلس الشورى)، ورئيس الجمهورية، والدستور، على أسس تجعلها أسوأ من مؤسسات مبارك. ويقوم منطق العنف المقترن بطريق التصفية التدريجية على الضربات التي تهدف إلى الترويع والإرهاب بهدف الهبوط بمستويات الفعل الثوري، في اتجاه إضعافه والقضاء عليه. ورغم أن ممارسات وحشية عديدة للمجلس العسكري أدت في كثير من الأحيان إلى ردود فعل واسعة النطاق من جانب الثوار إلا أن أمل وضع حد للنضال الثوري في لحظة أو أخرى من خلال العنف والترويع والوحشية لا يفارق المجلس العسكري ويظل يداعبه دون أن يتعلم من أخطائه. على أن كل هذه الأعمال العنيفة والمذابح الوحشية تظل تسير جنبا إلى جنب مع طريق تفادي الحرب الأهلية دون انزلاق إليها أو تورُّط فيها.

وفي مقالات سابقة أوضحتُ أن طريق التصفية التدريجية من جانب الثورة المضادة في مصر تلاءم الثورة الشعبية أكثر من طريق الحرب الأهلية. فنظرا لحالة قوى الثورة باعتبارها بعيدة عن النضج، ونظرا لواقع أن كل دواعي ودوافع ومبادرات الثورة مستمرة، ونظرا لأن أهداف الثورة الشعبية لم تتحقق بعد، ونظرا للتسييس المتواصل للشعب من واقع تجربته الراهنة وتحرُّره من العجز وإدراكه لقوته، فإن النضج المتزايد المتوقع لقوي الثورة ونضالات الثورة خلال أعوام قادمة، بعيدا عن مؤسسات الدولة التي تجري إعادة بنائها في الوقت الحالي، يحتاج إلى زمن يتيحه طريق التصفية التدريجية، زمن لمواصلة النضال، وامتلاك أدوات النضال، والاستعداد لمواجهات قادمة من حالة نضالية أكثر تقدما. وعلى كل حال فإن الثورة ليس من مصلحتها بحال من الأحوال الإقدام على سلوك سياسي يحوَّل الصراع السياسي الجماهيري الحالي إلى صراع مسلَّح.

غير أن هذا لا يكفي لطرد أشباح وهواجس وفوبيا الحرب الأهلية! وكلما مارس المجلس العسكري العنف مباشرة عن طريق الشرطة العسكرية أو عن طريق البلطجية و"اللَّهْو الخفي" جنبا إلى جنب مع الحرب الإعلامية يثور في نفوس الشعب والثوار والقوي السياسية هاجس التورُّط في الحرب الأهلية. ولا يكفي موقف النظام إلى الآن لنطمئن تماما ولنضع في البطن "بطيخة صيفي"، كما يقال. فهناك دائما انزلاقات ممكنة قد تفرضها قوى لا تدرك تماما مخاطر التورُّط في العنف المؤدي إلى حرب أهلية، على هذه القوى ذاتها بين باقي القوى السياسية والشعب كله في نهاية المطاف. وهناك بوجه خاص انزلاقات وتورُّطات ممكنة وإنْ كانت غير مرجَّحَة في حالة وصول بعض قوى الإسلام السياسي إلى مواقع حاسمة في السلطة مثل مؤسسة رئاسة الجمهورية. ورغم أن السيطرة الفعلية من وراء الكواليس ستكون للمجلس العسكري طوال سنوات قادمة من خلال استخدام سلطات رئيس جمهورية يكون دمية في يده فإن احتمال علاقة صعبة مع رئيس ينتمي إلى قوة سياسية مناوئة لا يمكن استبعاده بصورة مطلقة. وصحيح أن الانتخابات الرئاسية سيجري تزويرها كالعادة لصالح رئيس يسهل ترويضه على المجلس العسكري الحاكم، غير أن من الصعب أيضا الاطمئنان المطلق لمسار واحد مرجَّح للتطورات.

وليس من المستبعد أمام وحشية المجلس العسكري، أو نتيجة للمبالغة الثوروية الذاتية في مسألة ما يمكن أن تحققه الثورة في المدى المنظور، أن تفكر عناصر ثورية في طريق الصراع المسلَّح. وليس مثل هذا النوع من التفكير سوى نوع من المغامرة اللامسئولة التي تتصور أن "الجملة الثورية" يمكن أن تبدَّل طبيعة الثورة وأهدافها وخصائصها من حدودها التي ترسمها بوضوح حول نفسها إلى آفاق مباشرة ترقى إلى الثورة الاجتماعية على طريق الثورة الاشتراكية. ومن المحتمل أن تبرز أوهام تُصَوِّر لبعض الرؤوس الساخنة أن الحرب الأهلية التي فرضها نظام الأسد على الشعب في سوريا يمكن أن تتمخض عن نتائج أفضل بصورة جذرية بالمقارنة مع نتائج الثورة في بلدان التصفية التدريجية؛ غير أنه ينبغي أن ندرك أن نخبة سياسية ما عسكرية وإخوانية وليبرالية هي المرشحة ليس فقط للحكم في سوريا ما بعد الأسد، فهي مرشحة في المحل الأول لإعادة تشكيل الطبقة والسلطة والنظام، لإحلال طبقة رأسمالية تابعة جديدة محل الطبقة الرأسمالية التابعة الحالية. ولن يخرج الشعب السوري بدوره سوى بشكل من أشكال الديمقراطية الشعبية من أسفل وليس هذا بالشيء القليل في الحقيقة. وقد لاحظت أن بعض الأشخاص يعتقدون أن مثل هذه التسميات من اختراعي حبا في الاختراع غير أن المزيد من الاطلاع سيجعلهم يدركون أن كونهم لم يقرأوا عن هذه الأشياء لا يعني إنكار وجودها وانتشارها في الفكر الثوري بعيدا عني.

وأخيرا، أعتقد أن من بين مهامنا أن ننشر الوعي أمام كل مَنْ يهمه الأمر بما في ذلك حكامنا ورجال رأسماليتنا التابعة بكل القطاعات العسكرية والقومية والليبرالية والإسلامية بأن تفادي الحرب الأهلية مسألة حياة أو موت فهي تعني القضاء على طبقتهم أيضا. ولا يدفعني إلى تحذيرهم من أن ينزلقوا إلى الحرب الأهلية حُبٌّ أكنُّه لطبقتهم الرأسمالية التابعة، المستبدة الفاسدة، بل يدفعني هاجس مؤداه أن الحرب الأهلية، مهما كانت احتمالاته ضئيلة في مصر، ستدمِّر في حالة اشتعالها دون أن تبني، ستدمِّر كل القوى المتصارعة، مقابل إحلال طبقة رأسمالية جديدة تماما محل الحالية، دون أن يكسب الشعب أكثر مما يمكن أن يكسبه من نضالات الثورة في الإطار الراهن لصراعها مع الثورة المضادة.

خليل كلفت


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 830

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خليل كلفت
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة