القصة ما قصة أقليات
05-24-2012 09:55 AM

كيف لا
القصة ما قصة أقليات
وقفتُ مثل غيري كثيراً عند تصريحات والي ولاية سنار السيد أحمد عباس الذي علّل لتدني التعليم في ولايته بوجود أعداد كبيرة من قبائل الفلاتة غير الناطقة بالعربية . وكان بإمكان الوالي أن يكون أكثر لباقة وذلك بعدم التصريح بمثل هذه الطريقة الصارخة والمثيرة .كما كان بإمكانه أن يكون أكثر مسؤولية بعدم تركه لكل الأسباب الرئيسة الأخرى والتي عملت على تدني نسبة التعليم في كل القُطر بما فيه ولاية سنار، ومنها مدى مسئولية الدولة المباشرة عن التعليم ومدى مسئولية حكومة ولايته ومقدار الصرف الحكومي على التعليم مقابل الصرف على ميزانيات أخرى تراها الحكومة أولوية.
وكان بإمكان الوالي أن يكون أكثر ذكاءً ، على الأقل كذكاء وزيرة الإعلام والناطقة باسم حكومته الأستاذة بثينة جودة التي فسّرت حديث الوالي بأنه كان يقصد أنّ هناك بعض المكونات الاجتماعية غير متصالحة مع التعليم نسبة لعادات وتقاليد تخصها ، وأنّ الأمر لا يتوقف على قبيلة محددة . ثم أضافت أنها من قبيلة ليست اللغة العربية لغتها الأساسية وأنها تعتبر أن (الرطانة) ميزة تفضيلية وليست منقصة .
ليت الوالي فكّر مثلما فكّرت الناطقة باسم حكومته ثم نطق ، لأنّ رصاص الكلمة التي أطلقها أصابت هذه المكونات الاجتماعية في مقتل .ومن غير الدخول في تزكية أفرادها على غيرهم من القبائل إلا أنّه من المشهود لهم كسبهم الديني الواسع في مجال حفظ القرآن والمحافظة على العبادات والشعائر ، وحب العمل والإخلاص والتفاني في انجازه.
وقع اللوم على الوالي لأنه المسئول الأول في ولايته، فمن المفترض أن يتحرى العدل في قوله وفعله ، ولكن لا ننسى أنّ العنصرية في مجتمعنا السوداني ما زالت ترتبط بالوعي الشعبي وإن صعدت مؤخراً إلى مراتب الوعي السياسي لينتحي المثقفون والأكاديميون خجلاً بدهشتهم وفضيلتهم التي تعيب تفشي بعض التعابير العنصرية في أوساط الساسة والمجتمع .
وهذه العنصرية المنبوذة بكافة أشكالها لا تفرّق بين حالة والي سنار مع المكونات الاجتماعية التي علّق عليها شماعة سبب تدني التعليم، أو بشكلها الآخر الذي يتعدى العنصرية القبلية بشكلها المعروف إلى العنصرية المناطقية تجاه أهل الأقاليم والأرياف. وهذه الأخيرة إن وردت في الذخيرة اللغوية السياسية ترد في صيغة التهميش والمهمشين الذين هجروا قراهم وأريافهم لأسباب الظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ،أما ما هو دون ذلك فيضيع بين ثنايا التعاريف القاصرة .
المشكلة ليست مشكلة أقلية بقدر ما هي مشكلة ثقة أفراد المجتمع في بعضهم ومدى بروز القيمة الاجتماعية لأيٍّ من مكوناته المختلفة ، فالعنصرية المناطقية بثوبها الاجتماعي لا تقل خطورة عن العنصرية السياسية ولو تم ربطها بالاستبداد السياسي أو تغوّل ضمير المجتمع الكلي. ولا تسبقها في التمييز التراتبي السالب إلا العنصرية الاجتماعية التي تشكلها الرواسب الثقافية والأخلاقية تجاه مكوّن اجتماعي معين.
يُعتبر هذا النموذج لافتاً لأنه يشجع مثل غيره على تحسس الروح القومية والحضارية، فتبني العنصرية القبلية خروج من عصر الدولة إلى عصر التخلف ،وانحطاط من المساواة بين الناس على أساس القيمة البشرية والروحية إلى التميز بأصل النشأة والتكوين .فيكفي أنّ العنصرية في الأفعال والمعتقدات والتقليل من جنس معين هي من أخذت بيد التعصب والاستبداد والاسترقاق ،العار المقيم على جبين البشرية .كما مكّنت من تفشي حركات معاداة أجناس معينة كتلك التي أدت إلى محرقة الهولوكوست .
هل يجيء يوم على السودان نرى فيه بنيه ينزعون إلى الوحدة والتقدم بالحوار المجتمعي البنّاء وإشاعته كثقافة تُبنى على أساس الدين والأخلاق بدلاً عن الشتات والتخلف وغلبة الأنا الفوقية. هل ستتوافر مقومات النظام الديمقراطي يوماً ما لتحقق المساواة والعدل بين فئات الشعب السوداني ومكوناته المختلفة؟. لا نريد أن نفوق العالم أجمع بالصراع العرقي والإثني ، ولكنا نريد تحضراً كمثل الذي وصلت إليه دول عمل تنوعها على إثراء قومياتها وكان سبباً في إنزال وتحقيق أسس الحرية والعدالة والسلام الاجتماعي.

الاحداث


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1600

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#375143 [أبو الليل]
0.00/5 (0 صوت)

05-25-2012 09:03 PM
المعلق مغترب** قسما بالله العظيم تعليقك المفروض يكون في نهاية مقال اختنا الكريمة** رغم قلته لكنه يحوي الكثير يا أخي ** اوجزت فأصبت الهدف** اتفق معك في كل حرف جئت به** الله ينور عليك وعلى رجاحة عقلك.

ولكاتبة المقال اقول** اختي الكريمة أنت تمتازين بأسلوب جذاب وراقي وذات ذخيرة لغوية واسلوب شيق وشايق** ولكن لا تركزي فقط في مقالات الإثارة فقط أنا قرأت لك كم مقال ولكن معظمها فيه شيء من الإثارة أين الحلول ** أين الروؤية** أين رؤيتك كإعلامية متخصصة وكمواطنة حادبة على مصلحة الوطن


#374351 [osama]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2012 07:15 PM
كلام جميل جدا لكن ما بنفع مع ناس الانغاز بكرة يقولو عميلة وعندك اجندة خارجية وما بعيد يكون
عندك طرف في تفجير العربة البرادو ونصيحة ليك اعملى الف حساب لراجلك ما يودو الجهاد ويملو راسة بعداك يجو يخلفة انا عارف الناس ديل عيونم طايرة ماعندهم حاجة غير العرس ولم القروش


#374290 [Dakatra]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2012 06:17 PM
Couldn’t agree more, barak Allaho feek. The wali made a big mistake and I hope that he apologizes to the nation. However, the whole government and all his bosses at the top are accused with the same crime. He followed the same strategy that the whole Inqad is implementing and resulted in dividing the country into two parts and might be more who knows. Sudanese nation is not one tribe and if the tribal traditions and provisioning rule the country, then within few decades Sudan will be many countries. We must respect diversity and our heterogeneous origins or we all end up into Somalism. Tribalism has never been a solution and we should never be proud of it. It is an eighteen century social constellation that needs to be disbanded and modern relationship should be built based on dedication to our country. This requires from government and opposition (armed and unarmed) to get together for serious dialogue about our identity and the best ruling model.


ردود على Dakatra
United States [الكاتوحه] 05-24-2012 11:26 PM
كلامكو زين وعين العقل لكن منو البسمع ابو عفرين ولا ابو رياله كلهم قالوا اولاد قبائل وألماعايز يقع البحر الله يطويك يا روح متين نطلع من العهد الجاهلي الحلم السواد دا يعني بلد كلها حرب من كل الجهات ورئيسها يرقص ليل ونهار وحتى وهو منهزم ومندحر ووزير دفاعه حدث ولا حرج غباه ممكن يكتله والبقيه الباقين ألفاظهم تخجل إبليس يا جماعه ه دا شنو المصيبة الوقعنا فيها دي


#374039 [محي]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2012 02:08 PM
والي السجم الأهبل دا


#373855 [مغترب]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2012 12:13 PM
الأخت منى: أجمل ما قرات عن تصريح والى سنار،،، الهجوم والسباب لا ينفع فى مثل هذه المواقف الحساسة إنما إستخلاص الدروس والعبر ومحاولة ردم الشرخ الإجتماعى هو ما نحتاج إليه تماماً وهذه مهمة ما يعرف بمهندسى المجتمع وهم جل المثقفين والأدباء والشعراء وأئمة المساجد والقساوسة والصحفيين والكتاب،،، ولكن الأهم كذلك فى هذا الأمر هو البيت والأسرة فالشجرة الصالحة لا تنبت فى تربة فاسدة،،، وفقكى الله وشكراً،،،


#373705 [ياسر]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2012 10:36 AM
والله كلامك زكرني بالقاعدة الاساسية للعمل الرجل المناسب في المكان المناسب والوالي دي مكانة المناسبة (.............) ، ومفترض تكوني انت الوالي


ردود على ياسر
United States [أبوالجل] 05-25-2012 09:18 PM
اذا كان الوالي قد علل اسباب تدني التعليم في ولايته واختزل المعوقات في قبيلة الفلاته فلماذا لم يضع الامر برمته للقائمين بأمر التعليم في الولاية لدراسة الامر لوضع الحلول المناسبةللنهوض بالعملية التعليميةبدلا من أن يجعل هذه القبيلة المحترمةشماعة ليتخارج من خلالها من المأزق


منى عبد الفتاح
منى عبد الفتاح

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة