المقالات
منوعات
مع إبراهيم عوض في ذكري رحيله السادسة
مع إبراهيم عوض في ذكري رحيله السادسة
05-27-2012 09:09 PM

image


مع إبراهيم عوض في ذكري رحيله السادسة

صلاح الباشا
[email protected]

يظل الفنان إبراهيم عوض رائداً للأغنية الشبابية
تغني لملحنين عمالقة مثل ودالريح والطاهر ابراهيم وودالحاوي
كتب صلاح الباشا من
ونحن نعيش ذكري أجمل غناء أهل السودان الذي رسخ في الوجدان تماماً ، وصاحبه هو الفنان الذري إبراهيم عوض لا، تاتي ذكري رحيله الرابعة بعد أن ترك بصمات عديدة لا تحصي في مسيرة الفن السوداني الغزير والراقي ، ذلك أن إبراهيم كان من الجيل الذي يحترم دور الفنان في ترسيخ رسالة الخير والجمال ، سواء كان ذلك في الظهور بأرقي الأزياء في إحتفالياته أو الإحترام الشديد لدور الأورلكسترا الموسيقية في إنجاز العمل ، أو التدريب المستمر لصوته حتي يحقق المزيد من التجويد . لذلك ظل شعب السودان يحترم هذا الفنان العفيف الشريف في زمان غنائه الطويل السنوات وحتي بعد رحيله .
ونحن هنا ... نري أنه لابد من البحث في مسيرة هذا الفنان كإضاءات طفيفة لعلها تؤرخ لفترة خصيبة من فترات فن الغناء السوداني الذي كان إبراهيم عوض أهم مرتكزاته الخالدة .
***********************
شهد حي العرب بأم درمان ميلاد ونشأة هذا الفنان المتفرد ،الفنان الذري ، والذي رحل عن الدنيا في مثل هذا اليوم 23 مايو 2006م .. نعم إنه إبراهيم عوض والذي يحلو لعشساق فنه أن يطلقوا عليه كلمة ( أبوخليل) وهو أول من إبتدر الأغنية الشبابية ، جاء يغني وقد كان ضاحكاً ، بصوته القوي و بنبراته المتميزة ، جاء إبراهيم عوض متميزاً في كل شيء، حتي في طريقة تصفيف شعر رأسه كانت أيضاً متميزة ، ولا يزال السودانيون ولما زيد من نصف قرن من الزمان يطلقون علي تلك الطريقة في تصفيف شعر الرأس (تسريحة إبراهيم عوض) ..لذلك كان إبراهيم عوض متيمزاً .. فصوته كان يأتي بتطريب عال ٍ ، وفوق ذلك فهو (ود بلد) من الطراز الممتاز، ربما لأنه ترعرع في حي العرب العريق بأم درمان . حيث شهد ذلك الحي ميلاد المبدعدين من أهل السودان .. فهناك عاش سيف الدين الدسوقي .. وعبدالرحمن الريح وهو الشاعر والملحن والمطرب .. وأحمد الجابري .. وميرغني المامون وأحمد حسن جمعة .. وبالطبع الشاعر والملحن الضخم الطاهر إبراهيم .. ولم يكن ببعيد عنهم الموسيقار عبداللطيف خضر الحاوي الذي كان يسكن في حي البوستة المتاخم لحي العرب . فكل هؤلاء الكواكب شكلوا مسيرة الفنان الذري إبراهيم عوض .. ولفظ الذري هذا كان قد أطلقه عليه الصحافي االكبير الراحل رحمي سليمان صاحب صحيفة (ألأخبار ).
وكان من حسن حظ أبوخليل أن وجد أمامه في ذات الحي وفي نفس البيئة ذلك الشاعر والملحن البارع ، ألا وهو الراحل (عبدالرحمن الريح) طيب الله ثراه، فشهدت أم درمان وعاشت الإذاعة السودانية أيضاً أروع تسجيلات الأغاني واجمل الحفلات الإذاعية التي كانت تبث من الإذاعة مباشرة ، فإحتل إبراهيم عوض لقب فنان الشباب دون منازع ، وظل كل الشارع الغنائي يردد ألحانه بصوته الجديد وعذوبة مفردات أغانيه الشبابية، فكانت:متين ياربي نتلاقي.. وفراقك نارو حرّاقه، وجاءت أبو عيون كحيله .. لكن البداية كانت مع ( هيجتني الذكري ) .. ثم أتت تتهادي تلك الرائعة ( بسمة الأيام ) التي تبدأ بأبسمي يا أيامي
وشاعرنا وملحننا الراحل عبدالرحمن الريح كان له القدح المعلي عندما كانت إشراقاته تنتهي عند أبو خليل ليشدو بها فينطلق صوته من الأثير ليغطي كل أنحاء السودان ، فيعبر كل صحاريه وأنهاره ويتخطي جباله ووديانه ليستقر داخل أفئدة الجماهير التي كانت تطرب وما زالت تطرب له .. وقد كانت إشراقات ودالريح تظهر في أغنية (ألم الفراق) .. وهي من الأغاني التي تعتبر من البدايات الأولي لإبراهيم ، فالشعر الغنائي السوداني يذخر بمفردات الفراق والسفر والوداع إلي آخر القائمة ، لذلك كانت مسالة الفراق أو الإفتراق تشكل محطة هامة من محطات مسيرة شعر الغناء في ذلك الزمان ، فكانت: أبكي ألم الفراق ... وأشكي لي مين أنا ، ثم أردفها عبدالرحمن الريح في نفس الفترة بأغنية متين ياالله نتلاقي .. فراقك نارو حرّاقه ، وهي أيضاً تحكي عن الفراق ، ثم تأتي تلك الرائعة تتبختر ليغرد بها أبوخليل ، إنها : هيجتني الذكري ، ويلحقها بأغنية أيامنا الحلوة .. وقد كان عبدالرحمن الريح يكثر من الدعوات في أشعاره لكي يحقق لم الشمل للأحبة لتحقيق الأمنيات الحلوة ، ونري ذلك واضحاً في أغنيته التي قام بتلحينها ملحن لم يستمر طويلاً وإسمه (مرعي ممدوح) قبل أكثر من خمسين عاماً ، وقد تغني بها إبراهيم عوض ، وقد كانت من نوع إيقاع السيره ،وهي تقول:-
متين ياربي .. إنشاء الله تلمنا
قريب ياربي .. إنشاء الله تلمنا
***
ميتن ياربي ... لي حبيبي يعود
أقيم ليالي ... بالكمان والعود
أغني ليهو... الرائع المنشود
وأشوف في خدو... نضرة الورود
***
متين يامسافر .. عوده لأم درمان
تجينا ونحكي .. قريب عن الأوطان
تعود وأقابلك .. مبتهج فرحان
كأنك زهره... قايمه في بستان
بلا أدني شك ، نجد أن مفردات أشعار عبدالرحمن الريح تحمل فرحة تمتليء بدفء من الآمال والأماني التي يرجوها أن تتحقق ، و بها مؤشرات كافية من التفاؤل لتحقيقها ، لذلك كان عبدالرحمن الريح –عليه رحمة الله- شاعراً مبدعاً وأيضاً ملحناً تطريبياً هائلاً حيث كانت بدايات إبراهيم عوض الأولي ورسوخ قدميه في طريق الفن يرجع الفضل فيها لهذا الشاعر الضخم والذي ظل إبراهيم عوض يتذكره دائماً بكل خير في كل مناسبة تستدعي الحديث سواءً في الصحف أو في الراديو او في حديث الذكريات بالتلفزيون.

وبظهور الطاهر إبراهيم ... تمدد إبداع إبراهيم عوض
تحدثنا في الحلقة الماضية عن إطلالة الفنان الراحل إبراهيم عوض في الساحة الفنية نتاجاً لإكتشاف المبدع الكبير الشاعر والملحن عبدالرحمن الريح لموهبة أبوخليل المبكرة .. خاصة وأن الحي العريق ( حي العرب ) بأم درمان قد جمعهما في السكن ... وكان ذلك منذ بدايات خمسينيات القرن الماضي .
ولكن ... حين ظهر مبدع آخر كإمتداد لفن ودالريح تماماً ولكن بلونية مفردات أشعار غنائية اخري ممزوجة مع ألحان موسيقية أكثر تجديداً .. والتي تمثلت في أعمال الأستاذ الشاعر والملحن الطاهر إبراهيم ( إبن حي العرب ) أيضاً .. فإن تلك الإطلالة في دنيا الفنان الذري كانت بمثابة أكبر نقلة نوعية لهذا الفنان الكبير .. بل لقد عرف شعب السودان معظم الغناء الجميل في نهاية خمسينيات القرن العشرين بعد إكتمال بدر تلك الثنائية التي تمددت بين الطاهر وإبراهيم عوض .
فالأستاذ الطاهر إبراهيم كان أصلاً ضابطاً في الجيش ، وفي فترة الحكم العسكري الأول تم إعفائه من الخدمة بسبب ظهور المحاولات العسكرية العديدة لتغيير النظام وقتذاك وبالتالي لم ينجُ من الإعفاء من الخدمة بالجيش ، فإلتحق بمشروع الجزيرة كمفتش غيط .. أو مايطلق عليه الآن كلمة مفتش زراعي .. ثم إنتقل من الجزيرة وعمل ضابط مجلس ( ضابط إداري ) وخدم بالجنوب بعد ذلك .. وهنا سأذكر قصة لطريفة جداً جمعتني بهذا الشاعر والملحن الكبير وأنا مازلت يافعاً بعد في مدينة بركات ضاحية ودمدني حيث توجد رئاسة مشروع الجزيرة ، كنت قد قابلت الطاهر إبراهيم الذي كان قد زارنا في البيت بدعوة إفطار من أخي الراحل الفنان حسن الباشا الذي كان يعمل وقتها أيضاً موظفاً في مشروع الجزيرة ويعرف الطاهر جيداً (ودائماً نجد أن الفنانين والمبدعين يعرفون ويحبون بعضهم البعض جيداً ، فلو أصبح السياسيون مثل المبدعين ، لكانت كل مشاكل الدنيا قد حُلت ومنذ زمن مبكر) .. وأذكر تماماً أن الطاهر إبراهيم بعد تناوله لوجبة الإفطار مع أخي المرحوم حسن الباشا في منزلنا حيث كان الطاهر في مهمة عمل من الغيط إلي رئاسة المشروع ببركات .. أنني طلبت منه وأنا في ذلك العمر الصغير (ثانية متوسطة ) أن يغني لنا أغنية عزيز دنياي والتي تبدأ ب ( كنت معاك سعيد ... والليلة في بعدك ما أضناني ) التي أشتهر بها إبراهيم عوض وقتذاك وهي من أشعار وألحان الطاهر إبراهيم ، فلم يمانع الر جل وقد إندهش أخي الراحل حسن الباشا لهذا الطلب الغريب في غير ما وقتها ، فلم يحرجني الطاهر .. بل أمسك بالكبريتة وغرد بها .. نعم لازلت أذكر هذا الموقف كعشاء البارحة تماماً ، و لذلك ظلت أغنية عزيز دنياي هذه راسخة في ذهني منذ عام 1963م بل لازلت أحتفظ في مكتبتي (بشريط فيديو) لسهرة تلفزيونية جماهيرية كاملة بدأها أبوخليل بتلك الأغنية وهي مسجله بحدائق تلفزيون أم درمان وفي الهواء الطلق لإبراهيم عوض ويعود تاريخها إلي العام 1978م وقد كنت وقتها أعمل بمدينة جدة في مجال الإدارة المالية حيث قام بنقلها لي صديقي المخرج التلفزيوني الكبير ( محمد الأسد ) والذي هاجر إلي دولة قطر منذ زمان بعيد .. والأسد هذا كان هو صاحب برنامج ( دنيا دبنقة ) لمحمد سليمان وبرنامج ( الربوع ) للراحل إبن فداسي (محمد البصيري ).. فضلا علي إبتكار الأسد لفكرة برنامج ( عزيز المشاهد ) الأكثر شهرة .. وكان أبو خليل قد إبتدر تلك السهرة بأغنية عزيز دنياي والتي تعتبر من أروع ما تغني به إبراهيم عوض من أغنيات التطريب الهاديء ،حيث كانت كلمات تلك الأغنية التي كتب كلماتها ووضع لحنها الطاهر إبراهيم تقول في خاتمتها :-
بهرب منك.. وللقاك بحاول أنساك
أمهد ليك تتخلص مني
ألقي خطاي .. تجمعني معاك
ولو تعرف عايش... علي عاطفه
وكل حياتي... من أجلك
تعرف يوم في دنيا غيابك
تساوي سنين .. في دنيا هناك
يا أعز عزيز... في دنياي
وأنا طامع أبقي.. عزيز دنياك
ولا زلنا حتي الآن نطرب عندما نستمع إلي تسجيلات إبراهيم عوض القديمة وإلي هذه الأغنية بالذات لأنها تحتوي علي كمية هائلة من التطريب ، ونمأمل في الذكري الثالثة لرحيله في ابريل القادم 2009م أن يتحفنا التلفزيون القومي والنيل الأزرق وهارموني والشروق .. كل علي شاكلته بليال ٍ فخيمة تتناسب وذكري هذا المبدع الكبير .. وذلك يتطلب خريطة متميزة للبرنامج حتي لا تأتي السهرات مثل ( سلق البيض ) . إذن لابد من الإعداد التفزوني والإذاعي لها من الآن ... ألا ترون كيف تحتفي العديد من الأجهزة بدول المنطقة بذكري رحيل مبدعيها في كافة ضروب الإبداع ؟؟ .. إذن نقول ( شدو حيلكم ) .. ونحن كموثـقين للفنون نشد من أزركم دوماً .
أما في مجال الغناء الخفيف ذي الإيقاعات الراقصة .. لابد وأن نذكر تلك الأغنية الرشيقة للطاهر وأبوخليل ..
لو بعدي بيرضيهو.. وشقاي بهنيهو
أصبر خليهو.. الأيام بتوريهو
عشرتنا الطويله.. وخوتنا ياحليله
آمالنا وأحلامنا .. إتناسيتم في ليله
كيف اقبل عواطفك.. والعازل دليله
ومن الملاحظ أن مفردات أشعار وألحان الطاهر إبراهيم دائماً تأتي رشيقه وتتراقص (كده لوحدها) .. كما الطاهر لم ينس في أن ينتقل بالفنان أبو خليل إلي لونيات أخري من الغناء الهاديء الذي يحمل مضامين وموضوعات أخري فيها طابع الملامه والعتاب للدرجه التي يصف فيها (مشروعه) بخيانة العُشره ، فجاءت أغنية (ياخائن) ، وأخذت مساحة واسعة من الرواج في تلك الحقبة من بداية الستينيات من القرن العشرين ، ولقد لاحظنا أن الأستاذ الفنان زيدان إبراهيم كثيراً ماكان يؤدي تلك الأغنية الرقيقة بطريقة جميلة.. وهي تقول: (حرمت عيوني ياخائن رؤاك
وسعيت في هلاكي في أول خطاك .. ياخائن... يا خائن )
ولكن ... ظلت أغنيتهما فائقة الجمال والتي ظهرت في بداية تعاونهما الفني ( والله جنني وغيـّر حالي .. وحير فكري وإشتغل بالي ) تتسيد غناء تلك الفترة .. وكم كان الفنان الضخم الموسيقار محمد وردي معجباً بها .. وقد سمعناه كثيرات يرددها بصوته الطروب ذاك .. ومن منا في صغره كان يمشي في الطرقات ولا يرددها ولو بصوت خفيض في سره حين كان الزمان أصلا جميلاً .. لاتعقيدات حياتية فيه .. حين كان الراديو هو سيد الموقف ( تنساني ما بنساك .. تجفاني مابجفاك .. صابر وما هماك .. رحماك ياقلبي رحماك ).

بعد أغنية المصير الراقية لسيف الدسوقي وعبداللطيف خضر:
أنجز أبوخليل إبداعات الشاعر إبراهيم الرشيد وألحان ودالحاوي
لقد تعامل إبراهيم عوض فنياً مع شاعر آخر إرتبط به أيضاً في العديد من الأعمال المتميزة وهو الأستاذ الشاعر إبراهيم الرشيد والذي كان يعمل موظفاً في رئاسة البوستة بالخرطوم .. فالشاعر إبراهيم الرشيد هذا كتب أغنيات رائعة جداً وتحتوي علي العديد من الجماليات وحلاوة التعبير منذ منتصف ستينيات القرن الماضي وذلك لأنه قد أدخل مفدرة جديدة في شعار الغناء السوداني تجمع بين الطموح الجاد لتحقيق الآمال وبين لغة التحدي للوصول إلي الهدف .. وهو بذلك يكون قد إرتفع بأذواق الجمهور درجات متقدمة في هذا المجال .. خاصة وأن لغة الإبتذال في شعر الغناء لم تكن قد إخترقت الساحة بعد مثلما نشاهده الآن ، وقد كان صديقنا الأستاذ الموسيقارعبداللطيف خضر الحاوي يترجم كلمات الرشيد الجديدة إلي ألحان شجية ظل إبراهيم عوض يترنم بها ويزيدها إشراقاً بصوته الطروب ذاك للدرجة التي جعلته يقلل من أغنياته القديمة برغم روعتها التي ذكرناها في الحلقات الماضية .. ومن المعروف أن مصلحة البوستة والتلغراف أو البريد والبرق قد قدمت لأهل السودان مبدعين عديدين من أهل الكلمة والطرب .. نذكر منهم الراحل المقيم الأستاذ مصطفي سند وإبراهيم الرشيد ومحمد يوسف موسي والفنان الضخم صلاح مصطفي وغيرهم .. كما لابد لنا أن نذكر منهم أشهر فنان سوداني في القرن العشرين وهو الراحل ( خليل فرح ) الذي عمل بالتلغراف إثر تخرجه من قسم الصنائع بكلية غردون .
والأستاذ عبداللطيف خضر الحاوي الذي كان يعمل خبيراً للموسيقي بالهيئة العامة للشباب بدولة قطر قد قام بتأليف العديد من الألحان للمطربين بالسودان قبل إغترابه الأول ثم عودته ثم إغترابه الثاني والأخير بدولة قطر .. والتي تربو علي الثلاثمائة لحن .. وسوف يكون لنا لقاء توثيقياً متسعاً بهذه الصفحات مع هذا الموسيقار المتميز ( ودالحاوي ) كنا قد أنجزناه معه إبان خدمتنا سويا بدولة قطر حيث جمعتنا الجيرة في السكن بالدوحة لعدة سنوات.
ولكن قبل أن يبدأ الأستاذ عبداللطيف خضر في التعاون الفني مع الشاعر إبراهيم الرشيد .. فإن هناك عمل غنائي كان ولايزال من أهم منجزات عبداللطيف اللحنية ومن أروع أغنيات إبراهيم عوض .. وهو أغنية المصير .. وهنا لابد من الإشارة إلي شاعرها الأستاذ صاحب العبارات الشعرية الجزلة ( سيف الدين الدسوقي ) .. وقد بدأ مؤخرا عبر الصحف أن الفنان والشاعر المغترب في جدة الطيب عبدالله قد ذكر بأنه قد كتب مطلع أغنية المصير ثم أعطاها للشاعر سيف الدين الدسوقي الذي أكملها ، ويدور جدلا في هذا الأمر في هذه الأيام حول النص ، خاصة وأن الدسوقي قام بنفي الواقعة تماماً ... ولكن ما يثير الدهشة هو أنه لماذا صمت الأستاذ الطيب عبدالله طوال هذه المدة التي إستمرت لخمس وأربعين عاما وهو تاريخ ظهور هذه الأغنية ؟؟؟ سؤال يستحق الطرح تماماً !!!!
لكن هذا لايلغي جماليات مفردات هذه الأغنية ( المصير ) ... وقد كان سيف الدين الدسوقي يعمل وقتها وفي النصف الأول من ستينات القرن الماضي بإذاعة الرياض بالسعودية حيث كتب هذه الأغنية هناك .. وعند حضوره ذات مرة في إجازته السنوية التي كان يقضيها كلها بحي العرب بام درمان فإنه طلب من الموسيقار عبداللطيف خضر أن يفكر في الولوج في مجال التلحين بدءاً من قصيدته التي طلب منه إنجاز لحن هاديء لها وإعطائها لصديقه الفنان إبراهيم عوض .. فجاءت تلك الخالدة ( المصير ) والتي تعتبر من مرتكزات الغناء الجميل لإبراهيم عوض .. بل من أميز أغنيات الإستماع والطرب الأصيل في مسيرة الغناء السوداني كله وهي من الأعمال الغنائية التي لايوجد فيها ضجيج مطلقاً .. ومثلها العديد من أغنيات الإستمتاع الهادئة لمطربين عديدين بالساحة الفنية يصعب حصرها .
وقد أبدع ودالحاوي في تاليف ذلك اللحن الذي اتي متناسقاً ومنسجماً مع المفردات الرائعات لتلك الأغنية .. بمثلما كان أداء إبراهيم عوض لها أداءً جميلاً ومتميزاً وفيه دفقات كبيرة من التطريب عند ما يقول في مقاطع منها:-
نحن في الأيام بقينا
قصه مابتعرف نهايه
إبتدت ريده ومحبه
واصبحت في ذاتا غايه
كنت تمنحني السعاده
وليَّ .. تتفجر عطايا
ولما أمسح في دموعي
بتبكي من قلبك معايا
إلي أن يختتمها بذلك المقطع الذي يتفجر تحدياً وأملاً مقروناً معه لكل ظروف الزمن في علاقة الطهر والعشق الجميل .. حين يختتمها :
تاني من تقول إنتهينا
بتلهي جيل ينظر إلينا
باني أمالو وطموحو
ومعتمد أبداً علينا
نحن عز الدنيا ديّا
ونحن عز الدنيا بينا
أما عند العودة للأعمال المنجزة بين الثلاثي المبدع وهو الشاعر إبراهيم الرشيد والموسيقار ودالحاوي والفنان الذري ابراهيم عوض والتي تعدت الخمس أعمال .. فإن تلك الحزمة من الأغنيات قد أحدثت نقلة كبيرة في مسيرة إبراهيم عوض .. وقد سيطرت علي ساحة الغناء تماماً حيث كانت البداية بأغنية يازمن وقف شوية :
يازمن رفقاً بحالي ..
لي حبيب عمري المثالي
بسعادتو وبهناهو..
وبشرودي وإنشغالي
وبأحاسيسو ومشاعرو..
وبكل خاطر في خيالي
يازمن وقف شوية..
وأهدي لي لحظات هنية
وبعدها شيل باق يعمري..
شيل شبابي وشيل عينيِّ
ثم أنجز هذا الثلاثي أغنية (لو داير تسيبنا) كأغنية إستماع جميله وراقيه وفيها نوع آخر من التحدي العاطفي الجميل .. وبعدها أغنية سحابة صيف وغيرها .. وبالتالي تكون هذه هي المرحلة هي الثالثة والخصيبة من مراحل غناء إبراهيم عوض حيث كانت الأولي مع الشاعر والملحن عبدالرحمن الريح .. وأعقبتها مرحلة النضوج الإبداعي لإبراهيم عوض والتي جاءت مع الشاعر والمحلن الرائع الطاهر إبراهيم الذي أنجز أروع أعمال إبراهيم عوض لأنها كانت في مرحلة التنافس القوي مع جيل العمالقة الذين كانوا في قمة عطائهم مثل : عثمان حسين والكابلي ووردي ومن قبلهم بالطبع سيد خليفة وأحمد المصطفي والكاشف وعبدالحميد يوسف وحسن عطية والتاج مصطفي وحسن سليمان الهاوي والفلاتية ومني الخير ومهلة العبادية... ونواصل الرحلة مع الفنان الذري مع شعراء آخرين .. ،،،،،،
محطات هامة في مسيرة ابوخليل .. تتصدرها أغنيات :
جمال دنيانا .... تذكار عزيز .. سلوي ... الناس مابتريِّح
نختتم هنا الملامح من أضوائنا علي مسيرة الفنان الذري الراحل إبراهيم عوض والذي يصادف تاريخ الثالث والعشرين من مايو 2010م الذكري الرابعة لرحيله عن الدنيا .. وقد سبق لنا أن ذكرنا هنا ، بأن للفنان الذري ثلاث محطات هامة تمثل أعمدة إرتكاز لمسيرته الفنية الطويلة التي إمتدت منذ العام 1953م وحتي رحيله في 2006م. حيث كانت الأولي مع مكتشفه الأول في حي العرب بام درمان وهو الشاعر والملحن المبدع الضخم عبدالرحمن الريح الذي أثري الساحة الفنية بأعماله الغنائية التي تمددت لتشمل حسن عطية مروراً برمضان حسن ثم الشاب إبن ودمدني عمر أحمد الذي رحل سريعاً عن الدنيا بعد أن ترك ( كان بدري عليك تودعني وأنا مشتاق ) وصولاً إلي عائشة الفلاتية ومني الخير وغيرهم كثر . ثم جاءت المحطة الثانية لإبراهيم عوض مع الشاعر والملحن الكبير الطاهر إبراهيم صاحب عزيز دنياي وأيضا تلك الرائعة ( حبيبي جنني وغير حالي .. حير فكري وإشتغل بالي ) بكل زخمها الذي أحدث ضجة كبيرة في ذلك الزمان .. وهي التي يرتاح ألأستاذ وردي في غنائها وترديدها كلما دعت الحاجة ، بمثل إرتياح وردي لرائعة سعد الدين إبراهيم ( العزيزة ) التي لحنها الأستاذ عمر الشاعر وأداها فنان هاجر إلي السعودية وترك الفن والعزيزة خلفه في إرشيف مكتبة الإاذعة السودانية وهو ( فتحي حسين ) ، ثم إستمرت مرحلة إبراهيم عوض مع الملحن عبداللطيف خضر والشاعر إبراهيم الرشيد صاحب غناء التحديات ( لو داير تسيبنا .. جرِّب وإنت سيبنا .. لو داير تحب .. حب وأنساه ريدنا .. لو ترجع تصافي .. نسامحك ياحبيبنا) .. وغيرها من الروائع.
نعم ... كان غناءاً جميلاً يحمل أرقي المضامين العذبة التي تصحبها أجمل الألحان .. لكن كل ذلك لايلغي بأن للفنان الذري أعمالاً اخري عديدة لشعراء آخرين ولملحنين آخرين أيضاً غير أولئك المذكورين الذين إرتبطوا به لسنوات طوال . فكيف لنا أن ننسي أغنية جميلة توسطت جيد أغنيات إبراهيم عوض الأولي منذ مرحلة شبابه الباكر .. فهاهو في منتصف الخسمينيات من القرن الماضي يشد الرحال إلي القاهرة حيث الأضواء والأسطوانات وإذاعة ركن السودان من القاهرة .. وهاهو فؤاد عمر .. ذلك الإذاعي الألمعي والموسوعي الثقافة الذي كم عشق الفن السوداني والشعب السوداني معاً والذي رحل هو الآخر عن الدنيا في العام 2002م . تلك الأغنية التي نظم كلماتها بالقاهرة الشاعر الراحل عبدالمنعم عبدالحي الذي ترعرع منذ طفولته في مصر عند شقيقه الأكبر وخدم بالجيش المصري وكان قد رفد معظم فناني السودان بالشعر الغنائي الرقيق منذ عهد حسن عطية وسيد خليفة وحتي أحمد المصطفي وعثمان حسين وغيرهم .. إلي أن كتب لإبراهيم عوض والتي أبدع في تلحينها الموسيقار الراحل برعي محمد دفع الله والذي كان وقتذاك يعمل فني لاسلك بسفارة السودان بالقاهرة منتدباً من مصلحة المواصلات بالخرطوم .. وقد ظل إبراهيم عوض يتغني بها دوما .. بل يختتم بها حفلاته نظرا لخفة إيقاعها برغم مضي خمسين عاماً علي ظهورها : ( ياجمال دنيانا يا جمالا .. الحب ويانا ياجمالا ..المحبة شديدة يا أهلنا ..والغرام والريدة وعمرنا ) .. فقد كنت والله شخصياً أعتقد طوال سنوات إهتماماتي بالفن السوداني بأن تلك الأغنية هي من ضمن مجموعة الطاهر إبراهيم لولا أن صححني الصديق الأستاذ الموسيقار محمد وردي حين كنا بالدوحة بأنها من ألحان برعي .. كما أن لإبراهيم عوض أغنية أخري جميلة كتبها الشاعر والناقد المتميز العم الأستاذ ( النعمان علي الله ) أطال الله في عمره .. وهي أغنية ( الناس مابتريّح) بعنوانها هذا والذي يحمل تراث وثقافة السودانيين البحتة حيث قام بتلحينها الموسيقار عبداللطيف خضر وهو صاحب أكبر قدر من الألحان في الساحة الفنية بطولها وعرضها .. تماماً مثل صديقنا الأستاذ إسحق الحلنقي فهو الآخر صاحب أكبر قدر من تأليف القصائد في ذات الساحة.. وإبراهيم عوض كان يغني أغنية النعمان بقدر كبير من الإبداع والتطريب .. وهي ذات إيقاع ( تمتم ) جميل .. مثل إيقاع ( جمال دنيانا ) .. فماذا تحمل الأغنية في ختامها :
مابصرِّح يوم بإسمو.. مابقول للناس ده مين
بخشي إنو يجيبو سيرتو .. ويحكو عنو في كل حين
ما بقول للناس حكايتو .. وأبيع حياتو بكلمتين
بعت العمر عشان حياتو.. وباقي العمر عليّ دين
مابقدر ابوح .. ماقادر أصرّح
يمكن شيء يفوح .. والناس مابتريِّح
وهنا ومع تعدد ألوان شعراء إبراهيم عوض .. كيف لنا أن ننسي أيضاً صاحب ( سلوي ) نعم .. إنه الأستاذ الشاعر والملحن أيضاً ( بشير عبدالعال ) .. كتبها وقد أبرز فيها عشقه الجميل لصاحبة الأغنية .. فقد إعتصر خياله .. بل أحسب أن بشير قد تدفق كل مكنون إحساسه في تلك الأغنية التي شدا بها إبراهيم عوض حتي أطلق عليها وقتها لقب ( بشير سلوي ) : يا سلوي .. قلبي شِـن سوَّي .
.في قلبي .. من جوّه .. من جوّه .
.ساقو الريد بالقوة ..
سقاهُ مـُر الريد والخوة .
ولكن .. وربما للمرة الأولي أتأكد من أن إبراهيم عوض وبعد رحلة عطاء بدأت من العام 1953م يأتي بلحن من تأليفه هو شخصياً في العام 1973م .. وذلك لأنه قد تحصل علي نص من شاعر مجيد .. كتب تلك الأغنية الرائعة .. ثم أدار ظهره عن الساحة الفنية .. ولا ندري أين هو الآن ؟ فقد كتب الشاعر الأستاذ مصطفي عبدالرحيم نصاً يحوي قدر كبير من الشجن .. نصاً مشحوناً بالمشاعر التي قد إستلهمها من الذكري التي ربما ظلت تنكأ جرحا عظيما لديه بعد أن كاد يندمل.. فهاهو يمنح أجمل تذكار عزيز في تاريخ الغناء السوداني كله ليغرد به أبوخليل بكامل الهدوء والتطريب العجيب :
( جرحي الأليم الشايلو تذكار ..
طول حياتي .. أسي وهموم
..جرحي الدفين العذبك ..
يا قلبي طول عمرك أنين..
داريتو في الأعماق سنين
..غنيتو .. في الأعماق حنين
..شكوي وشجون ..
غنيتو اصدق أغنيات ..
وبقت مجرد ذكريات ..
تذكار عزيز .. ياقلبي شايلو أسي وهموم
رحم الله الفنان إبراهيم عوض .. بقدر ما أعطي لهذا الشعب فناً رصيناً ومسؤولاً وملتزماً حتي رحيله عن الدنيا في أم درمان التي أحبها وأتي ومنها وخرج أيضا منها إلي دار الخلود في 23 مايو 2006م ... فلنجدد ذكري رحيله في كل مواعين الفنون والميديا المختلفة سنوياً ... إنشاء الله ...
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3956

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#379637 [صلاح الباشا]
0.00/5 (0 صوت)

05-30-2012 08:46 PM
سلام يا سادة ، شكرا لكم جميعا علي هذه المداخلات الحميمة التي تدل علي مدي تقديركم الرفيع للذين وضعوا بصمات واضحة المعالم في تاريخ الأغنية السودانية ، ويأتي الفنان الذري في مقدمة هؤلاء ، ورحم الله أبوخليل الذي لاتزال أعماله الغنائية تسكن داخل وجدان الشعب السوداني الذي يعشق الطرب الأصيل ... ولنا عودة في رحلات التوثيق هذه وإلي اللقاء ،،،،
صلاح الباشا - السعودية
هاتف رقم 00966541781258


#377061 [أنس]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2012 10:06 AM
الأستاذ صلاح الباشا جزيت خيرا فى المعلومات الثرة عن فنان ضخم وكبير ويندر الزمان بمجيئ آخر مثله حتى ولو الزمان رجع.

لا أسمع الا لإبراهيم عوض ولا أرتاح من هموم الدنيا الا بسماع أغانى هذا الداهية كنت قد تحصلت بالصدفة على كرت دعوة زواج ابراهيم عوض على علوية قى العام 1976 وأنا صغير فى العمر وسبحان الله أبراهيم عوض حتى فى كرت الدعوة كان مميز حيث كان الكرت يشبه غلاف الكراسة عندما تفتح الكرت تجد عن الجهة اليمنى الدعوة والجهة اليسرى صورة العريس ابراهيم عوض وعروسته علوية شوف عليك الله كرت دعوة من العام 1976 وأنا محتفظ به حتى الان
وشكرا أستاذى العزيز صلاح ولكل المعلقين على الموضوع

رحم الله ابراهيم عوض عبدالمجيد واطال فى ابنائه هاشم وحسن وزوجيه علوية


#376792 [ابو ملاذ]
0.00/5 (0 صوت)

05-27-2012 11:24 PM
بارك الله فيك الاخ الاستاذ صلاح الباشا فقد نقلتنا من الاجواء الكئيبة الى دنيا اخرى انستنا همومنا وطافت بنا الى عوالم اخرى
ولكن سرح بنا خيالنا للمقارنة بين فنانى الامس واليوم ووجدنا انه لاتوجد مجرد اوجه شبه للمقارنة
جزاك الله خيراً


#376760 [احمد حسن ادم]
0.00/5 (0 صوت)

05-27-2012 10:46 PM
انا مثلك دائما لا استمع الا لهذا الفنان القدير , رحمه الله رحمة واسعة وقد حزنت كثيرا لرحيله


صلاح الباشا
صلاح الباشا

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة