المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هل هنالك امال بتحول ديمقراطى فى السودان؟
هل هنالك امال بتحول ديمقراطى فى السودان؟
05-29-2012 10:23 PM



محمد عبد الرحمن مهاجر

نظام الدكتاتور عمر البشير يدعى بانه نظام ديمقراطى بعد ان اجرى انتخابات مزورة وغير نزيهة عام 2010. وكذلك تفعل كل الانظمة الدكتاتورية ما دامت لا تلاقى القبول فى عالم يسعى الى دعم الحريات والتحول الديمقراطى. والحقيقة المرة ان ثلث دول العالم فقط هى دول حرة حسب المقايس العلمية. والسودان الذى ظل يحكمه الجنرالات منذ عام 1989, لم تتحسن فيه الحريات المدنية والسياسية خلال اكثر من عقدين, بل ازدادت فى السوء. فما زالت الصحف تخضع للرقابة والمضايقة وكذلك الصحفيون. ومازالت النساء والطلاب والمجموعات الضعيفة تعانى القهر والعذاب من اجهزة النظام. وحرب الابادة مستمرة واتسع مداها فى السنتين الاخيرتين. والمؤتمر الوطنى يدعى انه حزب سياسى ديمقراطى وهو عكس ذلك. وهو لا يسمح للراى الاخر بداخله ناهيك عن احترام اراء المعارضين الاخرين. وحكام مناطق الهامش الذين يطالبون بخدمات لمناطقهم او يبدون اراء مخالفة, يكون مصيرهم العزل. فى جنوب دارفور عزل عبد الحميد كاشا وفى شرق السودان اعلن والى القضارف كرم الله عباس تمرده على سلطة المركز بعد ان راى ان اجهزة حزبه تمارس الدكتاتورية وكذلك فعل حامد ادريس سليمان نائب عضو المجلس التشريعى بولاية البحر الاحمر. والمؤتمر الوطنى نقض اتفاق نافع -عقار عام 2011 والذى كان يعول عليه ان يضع لبنة حقيقية فى سبيل حل الخلافات بين حزب نافع و الحركة الشعبية. لكن المؤتمرالوطنى فضل طريق العنف واشعل الحرب, وازاح الحركة الشعبية من كل اجهزة الحكم ناقضا بذلك ما وقع عليه ضمن اتفاقية السلام الشامل فى يناير عام 2005.

مؤسسة بيت الحرية التى تدعم التغيير الديمقراطى وحقوق الانسان وتراقب وضع الحريات فى العالم اصدرت تقريرها لهذا العام والذى والذى ورد فيه اسم السودان فى المرتبة رقم 171 من بين 197 دولة. هذه حقيقة مرة طبعا ولا يستطيع اهل الانقاذ بلعها, لكن الامر ان السودان ما زال مصنفا كدولة غير حرة ومازال فى الترتيب الاسوا فى مجالى الحريات المدنية والحريات العامة, وقد وضع السودان ضمن الدرجة السابعة والاخيرة فى هذين المجالين , علما بان الدول الحرة تصنف على الدرجة الاولى كالعادة. اما دولة جنوب السودان الفتية فهى تحتل المرتبة رقم 130. والسمعة السيئة للسودان جلبها اهل الانقاذ بجرائمهم الشنيعة ضد الانسانية وجرائم الحرب والابادة الجماعية بالاضافة الى انتهاك الحريات والقمع الوحشى ضد المعارضين السياسيين ومخالفيهم فى الراى. اما مؤسسة السودانى محمد ابراهيم والتى تهتم بدراسة وتطوير الحكم الرشيد فى افريقيا فقد وضعت السودان فى المرتبة ال 48 من بين 53 دولة افريقية , حسب تصنيف هذه المؤسسة للحكم الجيد. ولا يتفوق على السودان فى السوء الا افريقيا الوسطى , الكنغو الديمقراطية, زمبابوى, تشاد والصومال. هذا ماجاء فى تقرير اكتوبر من العام الماضى

هذا السجل السيئ فى مجال ممارسة الديمقراطية واحترام حقوق الانسان يستحق من كل منا وقفة تامل. فالتقارير الدولية عن السودان تبعث على الخوف وتنبئ بمصير سيئ قد يعترى هذا البلد العظيم ما لم يتحرك اهل السودان لاقتلاع حقوقهم وانشاء البديل الذى يرتضونه. والحركة الاسلامية فى السودان لا تؤمن من حيث المبدا بالديمقراطية. وهى نهلت من افكار ابو الاعلى المودودى وحسن البنا الاصولية والتى لا تؤمن بالديمقراطية ولا تعترف بالدولة القومية ولا بمبدا المواطنة وهو مبدا اساسى للديمقراطية الليبرالية. وقد خرجت حركة النهضة التونسية من اجماع الحركة الاسلامية العالمية حيث اعترفت بالديمقراطية الليبرالية واعلنت اعجابها بالنموذج التركى. ولا شك ان مساهمات زعيمها الغنوشى قد ساهمت فى تاسيس هذا الموقف. والترابى الذى يدعى بانه يسعى الى اقامة حكم ديمقراطى, كان قد استهل فترة قيادته لحكم الانقاذ بتاسيس نادى عالمى للاصوليين فى الخرطوم سماه المؤتمر الشعبى العربى الاسلامى. وكان يتشوق ان يتمكن هذا النادى من تاسيس نظام خلافة جديد على النهج التركى العثمانى وتكون عاصمتها الخرطوم بدلا عن اسطنبول. والترابى كان يسعى الى تاسيس دكتاتورية للحركة الاسلامية تشمل العالم العربى والاسلامي اجمعين, وهو حلم كبير ومستحيل. وقد اكتفى المنشقون عنه بتثيبت دكتاتوريتهم فى السودان بقيادة المؤتمر الوطنى. والكاتب الاسلامى المعروف الدكتور عبد الوهاب الافندى فى كتابه" من يحتاج الى دولة اسلامية" يضع الترابى والغنوشى فى درجة متقدمة على المودودى وغيره من الاصوليين الشموليين , لكنه يحدد الفرق الاساسى بين الترابى والغنوشى حيث يقول: " وهكذا يكون الترابى قد رفع الدولة الى درجة المشرع فى امور الدين والدولة فى نفس الوقت الذى اخضعها فيه للارادة الشعبية. وقد تجاوز الغنوشى هذا الموقف حين حدد دور الحركة الاسلامية الحديثة بوصفها ممثلا اخر ضمن الدولة الليبرالية الديمقراطية. وبينما نجد الترابى لا يزال يعتبر الحركة الاسلامية بمثابة القائم والقيم على قيم الاسلام والشريعة فى اطار الدولة, وهو الدور الذى تصدت له هذه الحركات بعد غياب الخلافة, نجد الغنوشى يرفض هذه الفكرة. فالحركة الاسلامية فى نظره لا تملك احتكارا فى تفسير الاسلام, ولا حق املاء القيم الاخلاقية, فهذه الحركة مجرد حزب سياسى اخر يطرح برنامجه على الجماهير التى هى وحدها صاحبه الخيار فى اى برنامج او حزب ترجح. ولم يكترث الغنوشى لما عبر عنه المودودى من خوف من ان تتبنى هذه الجماهير برامج غير اسلامية كما تسمح بذلك طبيعة الدولة القومية الحديثة. فهو يرى ان الحركة الاسلامية ليست وصية على الشعب ولا قيمة عليه, وكل ما يحق لها هى ان تقدم المواعظ وتحاول ان تقنع الناس. اما ما يختاره الناس فذلك امر يعنيهم". وحركة النهضة الان فى السلطة وسنرى كيف ينزلون قناعاتهم الى ارض الواقع.

واغلب المسلمين فى الدول الاعجمية يعيشون فى مجتمعات ديمقراطية ومتفوقون فى مجال الديمقراطية عن اقرانهم العرب. وهنالك دول فيها انظمة ديمقراطية متفاوته فى درجة جودتها مثل اندونيسيا وسكانها 242 مليون , تركيا وسكانها 73 مليون, بنغلاديش وسكانها 150 مليون, الهند وبها مليار وربع من الانفس وبها نسبة كبيرة من المسلمين, ماليزيا وسكانها 30 مليون, نيجريا وسكانها 162 مليون, باكستان وسكانها 176 مليون, السنغال وسكانها 13 مليون, و سنغافورة وبها اقلية مسلمة واضحة ويسكنها 5 مليون. واذا اضفنا الى عدد المسلمين فى هذه الدول الملايين الكثيرة الموزعة فى دول الاتحاد السوفيتى السابق والدول الاوربية, نجد ان عدد المسلمين الذين يعيشون فى ديمقراطيات غير عربية هم اكثر بكثير من عدد المسلمين العرب, والمعروف ان عدد سكان الدول العربية مجتمعة هو 360 مليون. وكل هذه الارقام وردت فى تقرير صندوق الامم المتحدة للسكان لعام 2011. والارقام تدحض الاحكام العامة التى تتهم المسلمين بعدم الايمان بالديمقراطية. لكن الحال فى الدول العربية هو عكس ذلك وغير مطمئن على الرغم من ثورات الربيع العربى. ويظهر ان على المثقفين والمفكرين العرب الكثير ليقدموه حتى تخطو الدول العربية خطوات حقيقية نحو الديمقراطية. والمجهودات الفكرية التى بذلها المفكرون المسلمون فى تركيا واندونيسا وماليزيا وغيرها كبيرة واتت اكلها. والان ياتى الدور على اقرانهم العرب. والتحدى الرئيسى الذى يواجههم هو سيطرة ما يسمية المفكر محمد عابد الجابرى بثالوث القبيلة والغنيمة والعقيدة على العقل العربى. والسودان ليس شاذا من هذه القاعدة.

والسودان ,فوق ذلك, وضعه اكثر تعقيدا من دول المحيط العربى. فالتحدى الذى يواجه التحول الديمقراطى فيه ليس بسبب الاسلاميين وحدهم, لكن يتحمله الكثير من اهل اليسار الذين لا يؤمنون بالديمقراطية بما فيهم الحزب الشيوعى. هذا الحزب مازال يؤمن بالنظرية الشيوعية وهى التى تعرف الديمقراطية وتمارسها فى اطار المركزية الديمقراطية. والمركزية الديمقراطية لا علاقة تربطها بالديمقرطية الحقيقية غيرالاسم. والشئ الاخر الذى جعل وضع السودان معقدا هو سيطرة نخب المركز على مقاليد الحكم منذ الاستقلال. والطريق الذى انتهجته الحركة الشعبية فى التمرد على سلطة المركز اصبح سنة اتبعتها الحركات الثورية فى مناطق الهامش كلها. واليوم نرى ان الغالبية المهمشة اما حاملة للسلاح ضد الحكومة المركزية او تهدد بذلك. هذا الوضع يضرب احد مبادئ الديمقراطية فى الصميم وهو مبدا الشرعية. واى نظام ديمقراطى لا يسعى بجد الى انهاء واقع التهميش فى السودان هو نظام فاقد للشرعية ومهدد بالزوال.

روبرت الان دال المفكر واستاذ العلوم السياسية فى جامعة ييل الامريكية نادى بان يخضع التحول الديمقراطى لشروط. كذلك فعل عدد من المفكريين السياسيين والكتاب. هذه الشروط بعضها يتعلق بالحريات كحرية الراى والتعبير وحرية التنظيم والانتماء للمنظمات والاحزاب, وما يتعلق بالحقوق مثل حق التصويت والترشح وتولى المناصب العامة وحق الحصول على المعلومات, بالاضافة الى شرطى الانتخابات الحرة النزيهة واقامة دولة المؤسسات. فهل نستطيع اقامة ديمقراطية فى السودان وفق هذه الشروط؟ نظريا يمكن تحقيق هذا الامر, لكن هنالك تحديات يجب التفكير فيها بجد قبل الحديث عن التحول نحو الديمقراطية

قد يتمكن السودانيون من عمل انتخابات ديمقراطية حرة, نزيهة وبمراقبة دولية. لكن هل تضمن السلطة المنتخبة حقوق الاقليات؟ واذا لم تسع السلطة المنتخبة الى ازالة واقع التهميش, ما الذى يضمن عدم تمرد المهمشين على الشرعية؟ الاجابة على هذه الاسئلة ليست بالامر السهل. هنالك نموذج المحاصصة, وقد طبق فى بعض الدول مثل لبنان حيث اتفق على المحاصصة على اساس طائفى. وقد يجنح السودانيون على ابتداع محاصصة مدنية توزع الحكم على اساس جهوى اوعلى اساس قبلى. لكن هذه الاجراءت لا تخلو من عيوب. اول هذه العيوب هو احتمال تحول المجموعات الجهوية او القبلية الى الدكتاتورية مستفيدين من اوضاعهم الدستورية المميزة. والمحاصصة من حيث المبدا هى ضد الديمقراطية كونها تقيد الفرد حين يريد استخدام حرياته وحقوقه مثل الترشح والانتخاب الحر. وقد يقبل بها كاجراء مؤقت وقد تحقق محاسن لبعض الفئات مثل النساء والعمال والمزارعين والذين يجدون فرصا ضعيفة فى التمثيل فى البرلمانات. هنالك اجراء اخر وهو اعطاء الاقاليم المهمشة حق الفيتو الذى يخول لهم نقض بعض قرارات واجراءات السلطة المركزية. لكن التحدى هو كيفية وتحديد الحالات التى يستخدم فيها الحق. اما فى الدول المتقدمة, بما فيها الدول الاوربية, فالدولة تمارس التمييز الايجابى لتوفير مزيد من الفرص للاقليات. والدولة تستخدم اموال الضرائب لتوفير الضمان الاجتماعى والرعاية الصحية والتعليم المجانى وغيرها من اشكال الدعم للمحتاجين. وعلى الرغم من فقر بلادنا فان الواجب هو وضع حل لمشكلة الاقليات وازالة واقع التهميش حتى لا نرجع الى المربع الاول.

التحديات الاخرى للديمقراطية فى السودان هى وضع دستور ديمقراطى دائم وضمان عدم انقلاب العسكر علي الحكومة المنتخبة ديمقراطيا وضمان حقوق الاقليات. وضع دستور ديمقراطى دائم يعتبر ضرورة قصوى, فبدونه وبدون تثبيت الحقوق الاساسية لا يمكن ان تقوم للديمقراطية اعمدة. والحقوق الاساسية يجب ان تتفق عليها الاطراف الرئيسية فى شكل وثيقة او عقد (اجتماعى) او غير ذلك من الاشكال. وهى تتعلق بالحقوق الانسانية والسياسية الخاصة بالحريات والخصوصية والملكية وحق الرعاية الاجتماعية و الصحية والتعليم وشكل الدولية وتحديد نظام الحكم. وهذه الحقوق لا يمكن تعديلها او الغاءها. اما ان نتفادى حدوث انقلاب عسكرى فهذا صعب. بعض الناس يفكرون فى المحاصصة العسكرية. صحيح ان وجود لاعبين مختلفين على قمة هرم المؤسسة العسكرية قد يجعل كل طرف يتوجس خيفة من الاطراف الاخرى. لكن هذا الوضع لا يضمن عدم تامر العسكر على الديمقراطية. كذلك فان تدنى مستوى الوعى السياسى والتعليمى هو تحدى اخر يقف فى الطريق نحو تحول ديمقراطى حقيقى. والتجربة علمتنا بان الدكتاتورية تحول دائما ضد انتشار الوعى بين الناس لان زيادة الوعى تهدد بقاءها. والانقاذ قدمت دليلا عمليا قويا على هذه الحقيقة. فمستوى التعليم عندنا اصبح فى الحضيض وانتشرت القبلية وزاد الميل الى الاقصاء وعدم قبول الاخر بتشجيع من السلطة. ونشر الوعى يتطلب مجال ديمقراطى لينمو ويتسع. وقد تقام انتخابات مشوبة بممارسات خاطئة مثل الغش و شراء الذمم وتزوير ارادة الناخبين وخداعهم, لكن الضرورة تحتم اجراء الانتخابات, وبدونها لا مجال للحديث عن الديمقراطية .

اخيرا فان واجب الاحزاب ومنظمات المجتمع المدنى والصحافة ان تسعى بجد لتطوير الممارسة الديمقراطية بداخلها وان تعى جيدا واقع التعدد فى مجتمعنا والماثل امام اعينها. فالمواطن الذى يجد الابواب امامه موصدة ويمنع من تولى مناصب عليا فى الاحزاب او منظمات المجتمع المدنى يلجا الى العصيان. و بعض السودانيين المسكونين بالهم العام انضموا الى حركات التمرد المسلح وبعضهم عزف عن تاييد الاحزاب القائمة والبعض كون احزاب جديدة. كل هذه الظواهر تدل على عدم رضا عن الاحزاب القديمة. والتغيير, لا محالة, سياتى ولو بخطى حثيثة لان قمع نظام الانقاذ و ان اشتد وطؤه وزاد , فهو لن يقوى على قهر المغبونين الذى ذاقوا مرارة الظلم وحروب الابادة.


الحوار المتمدن


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1384

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد عبد الرحمن مهاجر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة