المقالات
منوعات
فريات لغوية : الجذور المشتركة بين العربية والانجليزية (6)
فريات لغوية : الجذور المشتركة بين العربية والانجليزية (6)
06-01-2012 11:08 AM

فريات لغوية : الجذور المشتركة بين العربية والانجليزية (6)

عبد المنعم عجب الفيا

لفت نظري منذ زمان المشابهة بين كلمة genesis الانجليزية وكلمة «جنس» العربية بمعنى أصل و نوع. وقد قادني البحث في العلاقة بين اللفظين إلى عقد أواصر قربى بين عدد من الألفاظ الأخرى في اللغتين كانت غائبة عني ولم أقف عليها عند أحد من الباحثين. ومن ذلك: جينات وجنين وأجنة وجندر وجيل وجنريتر»المولِد» وجنسية وجينالوجيا.
وكلمة genesis في الانجليزية تعني الاصل والتكوين والنشأة الأولى والخلق. ولذلك سمي أول سفر بالكتاب المقدس Genesis لأنه يتحدث عن قصة خلق السموات والأرض وآدم وحواء. والكلمة في الاغريقية genos وتعني العرق والجنس والأصل. وفي اللاتينية genus وتعني الميلاد والأصل العائلي والجنس. ومنها جاءت كلمة gene جينة وجمعها جينات genetics (في علم الوراثة). وgenealogy علم الانساب أو شجرة النسب والاصل. وكذلك كلمة gender بمعنى النوع والجنس. وأيضا الفعل generate بمعني يخلق أو يولِّد وينتج، ومصدره generation واسم الفاعل منه generator.
ويلاحظ أن العربية تشترك مع الاغريقية واللاتينية والانجليزية في الجذر «جين» ومنها جاءت في العربية جنين وجمعه أجنة. أما كلمة جنس في العربية فوردت في أمهات المعاجم بمعنى الضرب من الشيء ومن الناس والبهائم والجنس أعم من النوع والجمع أجناس وجنوس. ومنه التجانس والمجانسة والتجنيس والجناس اي المشابهة والتماثل.
إلا أن هذه المعاجم تتفق جميعها في ايراد قول الاصمعي وهو من أوائل جامعي اللغة، ان الجنس والتجانس ليس من كلام العرب. ويرد ابن فارس في معجمه (مقاييس اللغة) على الاصمعي بقوله: أنا أقول إن هذا غلط على الاصمعي؛ لأنه واضع كتاب الاجناس في اللغة وهو أول من جاء بهذا اللقب في اللغة».
ويلاحظ أن ابن فارس لم ينفِ ما ذكره الاصمعي من أن الجنس ومشتقاتها دخيلة على العربية ولكنه يؤاخذه بانه أول من استعملها في اللغة. وهذا ليس بشيء فكثير من الألفاظ ليست بعربية ونجدها مستعملة في الفصحى بل في القرآن والحديث. ويورد لسان العرب ما يشير إلى أن الجنس والتجانس والمجانسة؛ مما أدخله المتكلمون (علماء الفلسفة الاسلامية) في اللغة وليس بعربي صريح. كل ذلك يدل على أن الجنس من الدخيل في العربية. ومن لفظ جنس اشتقت حديثا كلمة جنسية بمعنى الهوية الوطنية. أما كلمة (جنس) العربية بمعنى sex الانجليزية فهذا استعمال حديث لم يعرف ولم يرد في كتب اللغة القديمة. وهذا يعرف في علم اللغة بتغيّر دلالة الالفاظ واكتسابها معان جديدة لم تكن معروفة من قبل ونحو ذلك كثير في اللغة يتعذر حصره. حتى الكلمة الانجليزية sex نفسها ما كانت تعني ما تعينه الان، إذ كانت تفيد النوع: ذكر ام أنثى.
سألني الاخ الدكتور الحاج سالم عن أصل كلمة «هالة» ومثار السؤال هو أنه وجد ان الاطباء يسمون المرض الذي يرسم هالة حول العيون halo. وبالرجوع إلى معجم اكسفورد للغة الانجليزية وجدت أن halo هي الدائرة او الحلقة من الضوء التي ترتسم أحيانا حول القمر والشمس. وهي أيضا هالة النور على الوجه. وهي كذلك في العربية. يقول الجوهري في معجم الصحاح :هالة: الدارة التي حول القمر». وفي اللهجة السودانية تسمى أيضا دارة. والدارة في لساننا كل دائرة أو هالة. يقولون لدائرة الرقص واللعب دارة. وهي في اللاتينية وفي الاغريقية كما يقول معجم اكسفورد halos.
وعندي أن «هالة» من هلّ يهلّ وأهلّ هلالا. جاء في معجم الصحاح:» وتهلل السحاب ببرقه: تلألأ ، وتهلل وجه الرجل من الفرح». والهلال في أصله صفة للقمر وهو دائري ومن هنا أخذت الهالة معنى الدارة.
كلمة admiral ادميرال، تعني في اللغة الانجليزية قائد الاسطول أو السفينة البحرية. يقول معجم اكسفورد إن أصلها كلمة « أمير» العربية، بمعنى قائد، وإنها دخلت الانجليزية من الفرنسية والكلمة في الفرنسية Amiral «اميرال». والأصل العربي «أمير البحر» اسقطت كلمة «بحر» وأضيف الالف واللام إلى أمير فصارت أميرال في الفرنسية بينما أضيفت دالا في الانجليزية فصارت ادميرال.
في الحلقة السابقة (الخامسة) تحدثنا عن أصل كلمة arsenal»ارسينال» في اللغة الانجليزية والتي تعني مصنع أو مخزن الذخيرة. وقلنا إن أصلها في العربية هو عبارة « دار الصناعة» كما ورد في معجم اكسفورد. وفات علينا أن نربط بينها وبين كلمة : «ترسانة» التي دخلت العربية حديثا بتاثير من الاتراك رغم أن ذلك كان حاضرا في الذهن. وقد وجدت فيما بعد بكتاب ( التطور اللغوي) للدكتور رمضان عبد التواب، أن الاتراك حوروا تعبير «دار الصناعة» الحربية إلى tresane «ترسانة» فاخذها العرب كما هي من غير أن يردوها إلى أصلها العربي: دار الصناعة. وهنالك أندية رياضية تحمل اسم «ترسانة» وربما ظن البعض خطأ انها تعريب لارسنال الانجليزية.
ومثل هذه الظاهرة، تعرف في علم اللغة بهجرة الألفاظ والهجرة العكسية أو ما يطلق عليه عالم اللغة، ستيفان أولمان، باستيراد الصادرات. ويقول فندريس عن هذه الظاهرة:» قد تنتقل كلمة من لغتنا إلى الخارج ، وتصير مفقودة بالنسبة إلينا، ثم تعود إلينا بعد قرون». ويضرب مثالا على ذلك بعدد من الالفاظ التي دخلت الفرنسية من الانجليزية عبر هجرة عكسية ومنها كلمة budget بمعنى ميزانية التي يقول إنها دخلت الفرنسية من الانجليزية ولكنها في الاصل هي الكلمة الفرنسية bogete بمعنى كيس صغير. – انظر التطور اللغوي د. رمضان عبد التواب ص 149
لاحظ المشابهة بين كلمة bogete الفرنسية وكلمة «بُقجة» في كلامنا وهي كذلك في اللهجة العراقية. والبُقجة في الفارسية «صُرة توضع فيها الالبسة» - (انظر: ابراهيم السامرائي: درس تاريخي في العربية المحكية ص42). قلت: اللفظ والمعنى واحد كما ترى، وأغلب الظن أن الكلمة الفرنسية دخلت من الاسبانية بتأثير من الوجود العربي الذي كان هنالك.
ومن الأمثلة على الهجرة العكسية للكلمات، كلمة «كحول» التي تحدثنا عنها في الحلقة الاولى من هذه السلسلة. فوفقا لمعجم اكسفورد أن الكلمة الافرنجية alcohol أخذت من الكلمة العربية الكُحل ثم عادت الكلمة إلى العربية مرة أخرى لتستقر في العربية في لفظة كحول. وكنا قد عبرنا عن حيرتنا حول العلاقة الدلالية بين كلمة الكُحل العربية والخمر التي جعلت اللغات الاوربية تستعير الكلمة العربية في الدلالة على الخمر!
ولكني وجدت فيما بعد، أن الدكتور رمضان عبد التواب يخالف ما ذهب إليه معجم اكسفورد ويرى أن الكحول الاجنبية مأخوذة عن الكلمة العربية « الغَول» والواردة في قوله تعالى في وصف خمر الجنة: « لا فيها غَول ولا هم عنها ينزفون»- الصافات47 والغول هو التعب الناجم عن شرب الخمر وما يصاحبه من صداع وقئ وليس الخمر نفسها. ومع وجاهة هذا التخريج من الناحية الدلالية، إلا أننا نرى أن كلمة الغول من غريب المفردات غير المشهورة في العربية نفسها. والكلمات القابلة للهجرة والاستعارة في العادة هي الاكثر استعمالا وتداولا في حقبة بعينها. ولذلك يظل ما ذهب إليه معجم اكسفورد من أن كُحل أصل كلمة كحول هو الارجح عندنا رغم غموض وجه الشبه الدلالي بالنسبىة لنا بين اللفظيين.
الاسم داوود من الاسماء الاعجمية – كما تخبرنا كتب اللغة والنحو، التي يتسمى به العرب والمسلمون مثله مثل ابراهيم ونوح وهود وموسى وعيسى ويوسف واسحاق واسماعيل وغيرها. ويلفظ داوود في اللغات الاوربية David قلبت الواو فاء اعجمية وهي خاصية معروفة في علم الصوتيات ومنها نطقنا وابور في vapour . ويلفظ الاسم في العبرية داود Dawed ومعناه المحبوب the beloved وهي من الود اي المودة والمحبة لذلك يلفظ تحببا دودي.( انظر موسوعة ويكيبيديا الانجليزية) والود من اللفظ المشترك في اللغات السامية. وهي كذلك في الامهرية الحبشية. ولعل أصل الاسم «ذا الود». إذ تخلو العبرية من حرف الذال حيث تلفظ دالا، كما هو شانها في اللهجات العربية.
ومن الاسماء الاعجمية في العربية يعقوب وهو في العبرية اسم فاعل بمعنى العاقب اي جاء عقب او بعد كذا. وهو من المشترك بين العبرية والعربية. والفعل عقب يعقب والعقب معروف وهو مؤخرة القدم. نقول في كلامنا عُقب تمشي وتجيء أي بعد أن تمشي وتجيء. ويقولون : أربعاء وعقاب شهر، والبقعد في العقاب يضوق العذاب. وقيل ان يعقوب سمي كذلك لانه جاء في عقب توأمه «عيسو». وقد تحول الاسم في اللغات الاوربية إلى Jacob جاكوب بسبب قانون التبادل بين الياء والجيم في علم الصوتيات. ثم اختصر الاسم عند الغربيين إلى Jack جاك. (انظر موسوعة ويكيبيديا الانجليزية). ومثل يعقوب، يوسف فهو ايضا اسم عبري تحول لفظه أيضا في اللغات الاوربية إلى Joseph للسبب المذكور. بينما تلفظ كل من يعقوب ويوسف في العبرية كما في العربية تماما.
أما سليمان فهو في العربية تصغير سلمان من السلامة. أما في العبرية «شلومو» من شليم بمعنى سليم وكما سبقت الاشارة ان السين العربية تلفظ في العبرية شينا والعكس صحيح. فالسلام تلفظ شلوم والسلامة شلومه. اما في اللغات الأوربية فيلفظ الاسم Solomon وهو بذلك أقرب الى الصيغة العربية منه الى العبرية.
يقول الدكتور رمضان عبد التواب في كتابه ( التطور اللغوي): أن اسم Susan سوزان هو في الاصل سوسن العربية. وبالبحث وجدنا ان السوسن ليس بعربي. جاء في (لسان العرب) السوسن نبت أعجمي معرّب. ويقول الثعالبي في كتابه (فقه اللغة) ان السوسن فارسية. بينما تقول موسوعة ويكبيديا الانجليزية أن أصل سوسن من اللغة المصرية القديمة «سسن» وهي زهرة اللوتس. وتلفظ في الفارسية سوسن. وتسمى زهرة السوسن في اللغات الاوربية lily ليلك او ليلاك. وقد ورد اسم Souson سوسن في الكتاب المقدس.
هنالك تشابه لفظي ومعنوي يحدث عن طريق المصادفة بينما الاصل مختلف. مثال ذلك كلمة Sheriff الانجليزية وشريف العربية. فكثيرا ما كان يترد لفظ شريف في الروايات الانجليزية وأفلام «الكابوي» حتى كنا نظن ان الكلمة هي الكلمة العربية ذاتها. ولكن يقول لنا معجم اكسفورد أن اصل Sheriff الانجليزية هو shire-reev مكونة من كلمتين shire بمعنى منطقة او محلة و reev بمعنى قاضي او الشخص المسؤول عن حفظ الامن والنظام بالمنطقة عمدة أو»شيخ حلة» و نحوه. وsheriff court باسكتلندا، تقابل county court بانجلترا.

الاحداث


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3180

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد المنعم عجب الفيا
عبد المنعم عجب الفيا

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة