قرار كارثي وليس سياسي
06-06-2012 08:00 PM

رفع الدعم، قرار كارثي وليس سياسي

د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
[email protected]

أكد والي الخرطوم د. عبد الرحمن الخضر " صدور قرار سياسي برفع الدعم عن المحروقات.." "سودانايل 6 يونيو 2012م". رفعت الأقلام وجفت الصحف. يعتبر هذا تأكيدا رسميا من الحكومة، بالرغم من غرابة الموضوع في إعلانه عن طريق والي ولاية الخرطوم وليس عن طريق وزير المالية الاتحادي او صدور قرار بذلك من المجلس الوطني الخ. لكن هذه الغرابة في مراكز اتخاذ القرار وتداخل الصلاحيات والتلاعب في القضايا المصيرية التي تمس حياة الناس بشكل جوهري نهج طبيعي لا يثير استغراب احد بشأن تعاطي الحزب الحاكم او الحكومة التي تمثله في القضايا المصيرية التي تمس حياة الشعب. فهو "الحزب" وهي " الحكومة" يتصرفان (علي كيفهما)، وما هو الغريب في الموضوع إذا كانت مثل هذه القرارات تمر وكأنها حدث عادي او كأنها (انقطاع مياه) او (انعدام دواء) وتسير الحياة سيرها المضطرب الشاق المجهد متجهة إلي أزمة جديدة مصطحبة معها السؤال الأكثر طرحا في الشارع السوداني، "الناس ديل مودننا لي وين؟" وللذين لا يعرفون المعني السوداني للسؤال فهو يعني "إلي أين يسير بنا هؤلاء الناس؟".
بقية ما جاء في تصريح الوالي حول الدعوة بلطف الله فهي للتخفيف من وقع البلاء ، لكن من المؤكد أن الشعب السوداني او غالبيته المستضعفة ستسأل الله اللطف فيما يتعدي رفع الدعم بكثير، إضافة لدعواتها برفع البلاء والغلاء الذي أصاب البلاد في مقتل. أما الحديث عن زيادة المرتبات او التدرج في التطبيق فلا تعدو أن تكون استهزاء وذر للرماد في العيون والضحك علي العقول " وليس الدقون". ما معني رفع متدرج في أسعار الوقود؟ إي رفع ولو قليل في أسعار المحروقات سيشعل الأسعار المشتعلة أصلا، وللتأكد اتجهوا إلي الأسواق (للاستقصاء، وليس للشراء لان احتياجاتكم تأتي إلي عندكم)، لتعرفوا أسعار السلع الرئيسية من مواد الأكل والشراب والدواء وأخيرا المواصلات. في هذه الحالة فان الرفع المتدرج يعني ارتفاع متتالي للأسعار، التي لا تنتظر رفع الدعم فقد صعد تعويم الجنيه بمعدلات التضخم الي مستويات قياسية وسيأتي القرار "السياسي" برفع الدعم ليدخلها في موسوعة جنيس للأرقام القياسية.
أما الحديث عن رفع المرتبات فهو الأكثر خداعا وبشاعة في الاستخفاف بعقول الناس. أولا بأي معدلات سترفع المرتبات حتى يمكنها أن تعوض إي قدر من الخسارة التي سببتها معدلات التضخم حتي الآن، ناهيك عن الكارثة المنتظرة بعد صدور القرار "السياسي"؟ إي زيادة في المرتبات سيرد عليها السوق بتحية مضاعفة في رفع الأسعار إلي معدلات اعلي في هذه المسابقة الخاصة بتخليص أفراد الشعب السوداني من أرواحهم عبر سياسة الجوع الممنهجة. هذا أولا.
ثانيا، وهذا هو الأهم ، كم هي نسبة السودانيين الذين يعتمدون علي المرتبات في حياتهم؟(حتي الذين يعملون بمرتبات لا يعتمدون عليها في خياتهم). وإذا استطاعت ولاية الخرطوم والحكومة المركزية رفع المرتبات هل تستطيع بقية الولايات والقطاع الخاص ان يرفعها بأي شكل يمكن ان يؤثر علي المستوي المعيشي؟ صحيح ان أصحاب المرتبات من ذوي الدخل المحدود هم الأكثر تأثرا بمعدلات التضخم المرتفعة وما سيسببه رفع الدعم من تسونامي جديد للأسعار. لكن أصحاب المرتبات ليس وحدهم فهناك محدودي الدخل الذين يعملون في مهن أخري لا حصر لها في الريف والمدن، هناك صغار المنتجين والذين يعملون في القطاع غير الرسمي وعمال اليومية الذين قد يجدون اليوم عملا ثم يتعطلون لأيام وليالي.
ثالثا هناك تكاليف الإنتاج التي ستخرج الكثير من المنتجين خارج عجلة الإنتاج وسترمي بهم الي العوز والفقر، ثم هناك أيضا تناقص عائدات الولايات الفقيرة والمحليات بسبب ضمور إيرادات الرسوم التي تشكل مصدر دخلها الأساسي، مما يدفع بها لمزيد من الضغط علي المواطن بفرض رسوم او الكف عن تقديم اي خدمات حتى القليل منها المتاح اليوم ، ولماذا لا تفعل ذلك وهي تري الحكومة المركزية تتخذ قرارات سياسية كارثية في تأثيرها علي حياة الناس؟ لكن عندما يتوقف الإنسان عن العمل أو كسب الرزق سيتوقف عن سداد الرسوم، قبل ان يتوقف تماما عن الحياة، إضافة إلي أن الإيرادات التي ستفرح بها الحكومة عند اللحظات الأولي بعد زيادة الأسعار علي الوقود ستتبخر بسبب التضخم وعندما يتجاوز سعر الدولار عتبة العشرة جنيهات سودانية، تلك العتبة التي سيقصر منها رفع الدعم (اصطلاحا). أما مقدرة الحكومة علي لجم التضخم وتدني قيمة الجنيه فيتحدث عنها هذا القرار السياسي الذي له معني واحد هو ان الحكومة قد وصلت حد العجز التام واليأس من معالجة الملف الاقتصادي الشائك وقررت ان تدخل الشعب في اختبار الصبر الأخير وفي خيار أن يكون آو لا يكون.
أخيرا كون هذا القرار سياسي فهو يفسر أن القرار الاقتصادي برفع الدعم قد صدر منذ زقت بعيد، وما تصدي والي الخرطوم لإعلان صدوره بشكل رسمي، إلا تأكيدا إضافيا لانحياز القرار السياسي الي الاقتصادي الذي يعبر عن العجز ووقوف عجلة الاقتصاد عن الدوران وعن تبخر إي آمال في مصدر سري او علني بترولي آو ذهبي أو إي كان (حتى ولو إسعافي) في إنقاذ الوضع من الانهيار، ذهبت كل الوعود أدراج الرياح وجاء الخبر اليقين، وهو أسوأ الأخبار قاطبة (صدور قرار سياسي برفع الدعم عن الوقود) "رفعت الأقلام وجفت الصحف".


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 2645

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#385870 [ابو سكسك]
0.00/5 (0 صوت)

06-07-2012 02:14 AM
انا اعتقد ان قرار رفع الدعم لن يطبق. كل الموضوع ان هؤلاء الناس يريدون ان يلفتو الانظار عن الانبطاحات الحاصلة في اديس ابابا بعد ان اكدوا ان لا مفاوضات ولا تنازلات للحركة الشعبية. والله اعلم.


#385864 [sero]
0.00/5 (0 صوت)

06-07-2012 01:34 AM
حياكم الله يا شباب


#385835 [mohamed alsudani Almamkoon]
5.00/5 (1 صوت)

06-07-2012 12:25 AM
Dear writer , this decision either declared by Governor or other person , I don't call it catastrophic for one reason that , is it the only disastrous decree come out from this Government since Al-ingaz took the power . The problem isn't what the government taken or going to take of decisions , the problem is , for how long this people keep their lips being fastened while they were dying starving and this is the crux of the matter. If this decision come to effect , I don"t think this people will adapt with more financial burden of new soaring prices imposed upon them by this failed Government


#385820 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

06-06-2012 11:56 PM
د.حسن بشير
افتكر القرار صائب مية المية, كل الاثار التدميرية التى تنتج عن القرار’ سيواجهها الامن بكل حزم.


#385724 [عبد الرحمن]
5.00/5 (1 صوت)

06-06-2012 09:24 PM
"..بالرغم من غرابة الموضوع في إعلانه عن طريق والي ولاية الخرطوم.."

مافي غرابة يا أستاذ، بس الوالي مستعجل عشان التحصيل، بعني عنده مصلحة في الموضوع.


#385695 [مظفر سيد احمد عثمان]
4.00/5 (1 صوت)

06-06-2012 08:42 PM
يادكتور حسن بشير لك التحية والود وبخصوص هذا الموضوع اقول لك دعهم يرفعون هذا الدعم المذعوم ليشتعل السوق وتختلط اموره ومن ثم يشتعل الشارع ، هذا هو السيناريو المتوقع ، ويرجع الامر فى مجمله الى ان حدود القدرات فى تحمل هذة العواسة التى تتم باسم الاقتصاد اصبحت لاتحتمل لدى كل الشعب السودانى وهو فى هذة الحالة مرغم ارغاما على الخروج بشعار موت موت حياة حياة وهو فى كل الحالات ميت سوى كان بسبب الجوع والفقر المدقع الذى وصل اليه او برصاص الشبيحة والبلاطجة الذين سوف يتصدون له ، الحقيقة المرة ان بلادنا تسير الى مستنقع لايعرف له عمق او قرار ، لقد تلاشت المؤسسات القومية التى كانت تشكل الاساس المتين للدولة لذلك فان المتوقع هو انتشار الفوضى والانهيار الكامل مما يجعلنا نلحق برصيفتنا الصومال ، هذا هو مآل هذة العواسة التى ظلت تجرى منذ العام 1989م وحتى الان ونحن اليوم نجنى فى ثمارها اذا كانت لها ثمار ولكن يبدو انها ثمار علقم وحنظل ، لابد من اسقاط هذة العصابة وفورا لانقاذ بلادنا مما يرسم لها من هذة العصابة التى لم تكن تسعى الا للحصول على المكاسب المادية دون النظر للمصالح العامة ، وهاهم الان قد باعوا مصفاة الجيلى ولم يكفيهم ماباعوه من قبل من مؤسسات وموارد البلاد ، واذا استمروا فان مسلسل البيع سوف يستمر حتى الوصول الى مرحلة العدم الكامل ونصبح مملوكين للاجنبى بأمتياز


د. حسن بشير محمد نور
د. حسن بشير محمد نور

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة