المقالات
منوعات
في الذكري الرابعة لرحيله ...مع الفنان عثمان حسين ..... كانت لنا أيام( 1– 4)
في الذكري الرابعة لرحيله ...مع الفنان عثمان حسين ..... كانت لنا أيام( 1– 4)
06-09-2012 02:10 PM

في الذكري الرابعة لرحيله ...مع الفنان عثمان حسين ..... كانت لنا أيام( 1– 4)

صلاح الباشا
[email protected]


برغم زحمة الأحداث التي تحيط ببلادنا بكل تداعياتها إحاطة السوار بالمعصم ، تطل علينا ذكري حزينة ، ألا وهي الرابعة لرحيل الكنار الضخم ذي الصوت الطروب والموسيقي الحالمة الجاذبة التي تتخلل المسام وتسكن الوجدان ، وبلا إستئذان ، ألا وهي ذكري رحيل الأستاذ الموسيقار وفنان النخبة السودانية المتميزة عثمان حسين . ما يؤكد علي أهمية الإهتمام بهذه الذكري وتسطير هذه الملامح بحلقاتها الأربع ، ليصبح جهداً توثيقيا يضيف إلي جهد الآخرين بعداً يحترم تراث هذا الشعب في مجال الفن والثقافة بمفهومها الواسع ، لعل الكتابة هنا تعيد لنا أجمل وأبهي سنوات الشعب السوداني في مجال الطرب الأصيل .
******************
الفنان الراحل عثمان حسين .. كم عطر سماء السودان لعقود طويلة من الزمان بكل أنواع العطور التي تـنسّمها أهل الوطن بألوان متعددة من الألحان الشجية وبأعمال موسيقية تخاطب الوجدان وتهديء المشاعر من سخونة شمس البلد الوهّاجه اللافحة في معظم فصول السنه إلاّ قليلا.. وقد أتي عثمان حسين إلي ساحة الفن في بلادنا و كان يمتلئ شجناً .. فاضت علي إثره الساحة الفنية فرحاً مستديماً إستقر في قلوب كل أبناء شعبه منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي وحتي اللحظة.. بل وسيمتد أريج أغنياته الفواحة لأزمنة عديدة قادمة ، فقد إنعقدت خلال الأيام الماضية عدة إحتفاليات بمناسبة الذكري الثانية لرحيله حيث كان أبو عفان قد إنتقل إلي الرفيق الأعلي صبيحة يوم 7/6/2008م . ما يتطلب تكثيف وتنويع وإكتشاف العديد من الإمكانيات الإبداعية عند الإحتفاء بهذا الهرم الفني الضخم في ذكري رحيله سنوياً وهو الذي كم عاش معه أهل السودان عقوداً طويلة في إحترام تام لهذا الطرب الأصيل عبر المذياع ثم عبر التلفاز في زمان لاحق ، فكان عثمان حسين واسطة عقد روائع الفن السوداني بكل ما يكتنزه من جميل الغناء وعذوبة مفردات الوجد النبيل الذي سطر شعراؤه الأماجد أحلي لغة الكلام الممزوج بعشق أهل السودان لكل ما هو جميل .. ورحم الله صاحب الوكر المهجور وعشرة الأيام وغيرها من درر الغناء الغوالي .
فقد كان (أبو عفان) متجدداً في كل أعماله الفنية، ما يجعلنا لا نملك إلا أن نحترم هذه الأعمال الإبداعية الجادة .. كيف لا وهو قد تعامل مع افخم مؤلفي الكلام الجميل في بلادنا الجميله.. حيث تعاون معه في بداية حياته الشاعر الضخم الراحل قرشي محمد حسن صاحب الفراش الحائر .. ثم إرتبط بإبداعه ذلك الشاعرالرقيق الأستاذ الجامعي د. السر دوليب منذ سنوات دراسته بالثانوية في وادي سيدنا ، وكتب له الراحل المقيم عبدالمنعم عبدالحي أعذب الكلام من قاهرة المعز .. كما شدا بأعذب مفردات الشاعر الدبلوماسي صلاح أحمد محمد صالح حيث كان أحد أعمدة إذاعة لندن بعد أم درمان ثم إنتقل إلي الخارجية مع مشارف الإستقلال .. وترنم بمفردات ذلك الرائع عوض احمد خليفه صاحب ربيع الدنيا ومن قبلها عشرة الأيام ، والرائع محمد يوسف موسي صاحب الدرب الأخضر .. ثم وحيدة البروف الزين عباس عمارة ( أوعديني ) .. وعثمان خالد ذلك الشاب الذي رحل علي عجل تاركاً خلفه لعثمان حسين تلك الرائعة ( تستاهلي) .. و لكن عندما ألتقي عثمان حسين مع الأستاذ الشاعر حسين بازرعه فإن مراكب النيل قد فردت كل أشرعتها للإبحار .. فأبحر بها وبنا أبوعفان في تلك البحار التي لاشواطيء لها .. فهل من بعد بعد رحيله عن الدنيا ستعود مراكب ريدنا لبر الأمان كما تقول الأغنية التي كتبها بازرعة ؟؟
ونحن عندما نتحدث عن أعمال عثمان حسين الفنية ، فإننا نصبح في حيرة من امرنا .. كيف نستطيع أن نوثق لهذا التراث الضخم لتتوارثه الأجيال القادمة بما يحتويه من روائع فنية وموسيقية ومفردات من الأشعار تمتاز بأنها تخاطب الأحاسيس وتدخل في أعماقنا بكل يسر وهي أعمال تتعدي المائة عمل غنائي وعلي درجة متقدمة من الرقي والرقة والموسيقي ذات النقلات المتنوعة التي تأتي بكل رشاقة .
فكم طرب جمهوره وهو ينثر عبير كلمات إبن أم درمان الشاعر علي محمود التـنقاري في رائعته العريقه التي تغني بها عثمان منذ زمن مبكر وقد كان في ريعان شبابه والتي يجيب فيها علي تساؤل لم يتم توجيهه له .. ومن هنا يأتي إبداع التنقاري ، ذلك الحرفي النبيه الذي كان يجيد صناعة منتجات الجلود في سوق أم درمان ، وهو إبداع صناعي لا يخرج إلا من خيال مبدع حقيقي :
كيف لا أعشق جمالك ؟؟
مارأت عيناي مثالك
كيف لا أعشق جمالك ؟؟
وإنت مغري
إنت بأدبك و دلالك
وإنت سحرني
فيك أجمل شيء خصالك
وإنت بدري
وأبعد الغايات منالك
ولو رميت .. تفتني مالك؟؟
وقلبي .. لاعب بيهو مالك؟؟
كيف لا أعشق جمالك؟؟؟؟
فهو يجيب فعلاً علي السؤال الذي لم يُطرح عليه .. ليعيد طرح اجابات في شكل أسئلة فلسفية من شخصية عادية لم تمتلك التعليم الحديث، لكنها شخصية وهبها الله خاصية الفلسة التعبيرية شعرا يأتي بمنتهي الرقة والجمال ، وفي ذلك الأمر خيال لا نهاية له ومشحون شحناً تاماً بخصوبة عالية من التعبير .
وأبو عفان ومنذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي إستطاع أن يجذب قطاعات واسعة من جمهور المثفقين الذين كان يُطلق عليهم حتي وقت قريب صفة (الأفنديه) ، وهم موظفي الدولة .. فكان يقال لك أن عثمان حسين هو فنان الأفنديه ، ذلك لأن الغناء من قبل أن يظهر عثمان حسين كان خفيفاً في إيقاعاته اللحنية ، وقصيراً في مقاطعه الشعرية .. ولكن عندما أتي عثمان مقتحماً وبكل ثبات ساحة الغناء في السودان ، أتي وهو يحمل معه لوازم وآليات التشييد التي يشيد بها البناء اللحني لأغنياته ، حتي إذا كانت الأغنية قصيرة المدي فإن عثمان حسين ظل يغطي ذلك العجز بوضع موسيقي المقدمه لتأتي في قالب أكثر طولاً إن لم تكن أكثر عرضاً ، ولربما كان الأستاذ أبو عفان لديه إعجاب بمقامات الموسيقي العربية التي كانت رائجه في ذلك الزمان في السودان في فترة الثلاثينات والأربعينات والمنتشرة في فن الغناء المصري حيث تأتي موسيقي المقدمة مطولة قبل الدخول في الميلودي الخاص بكل أغنية وهي الطريقة التي إبتكرها الموسيقار الملحن الراحل رياض السنباطي في أعمال أم كلثوم ثم سار عبدالوهاب علي ذات النهج .. وذلك بخلاف ألحان سيد مكاوي وبليغ حمدي والموجي التي لا تهتم كثراً بموسيقي طويلة كمقدمات للأغنية ، فالمقدمات الموسيقية لا نجدها في غناء العندليب حليم أو شادية وفايزة أحمد ووردة وةعفاف راضي ومن قبلهن ليلي مراد وغيرها ، لكن تلك المقدمات الموسيقية واضحة المعاليم في ألحان عبدالوهاب والسنباطي كما ذكرنا ، برغم أن الموةجي قد إستدرك ذلك فأتي فيها في أعمال حليم الأخرية قبل وفاته كرسالة من تحت الماء وكقارئة الفنجان ، وكلتيهما من أشعار نزار .
وهنا لا أجزم بأن الأستاذ عثمان حسين قد تأثر بذلك التيار من موسيقي الألحان ذات المقدمة الموسيقية الطويله أم لا .. لكنني سمعته شخصياً يتحدث عن هذا التأثير عليه عند لقائي به ذات منشاء في دار الخرطوم جنوب للموسيقي حين تحدث لي وبحضور الصديق الأستاذ امير التلب.. ما يثبت بأنه كان مواكباً ومتابعاً للموسيقي العربية من خلال الإذاعات .. فربما عاش عثمان تلك الأفكار الموسيقية لكنه قام بسودنتها تماماً بتوظيفه السلم الخماسي المعروف في الموسيقي السودانية والأثيوبية والصومالية .. ومن بعده أصبح كبار مطربي تلك المرحلة وما بعدها في الخرطوم يلجأون أحياناً في بعض اعمالهم الفنية إلي إتباع هذا النمط من تطويل موسيقي الأغنيات وخصوصاً موسيقي المقدمة . . كما نلاحظ أن أبوعفان أدخل طريقة تغيير الهيكل اللحني بحيث يأتي كل (كوبليه) بمقدمة موسيقية في قالب لحني يختلف عن الوتيرة المتبعة في المقطع الذي يسبقه او الذي يأتي بعده . وكمثال علي ذلك نري ان عثمان حسين يبدع عندما يترنم ببعض مقاطع الاغنية في شكل (رميه) تصحبها خلفيات موسيقية من الأوركسترا .. ونستعرض ذلك اللون في مقدمة الأغنية التالية:
جايي تترجاني.. أغفر ليك ذنبك
ما كفايه الشفتو .. من نارك وحبك
إنت فاكر تاني .. ارجع لك واعاتبك
لا... لا لالا .. دربي أصبح ماهو دربك
وبعدها تدخل الموسيقي بقوة مع الكلام .. ويقفز هنا صوت أبوعفان : (كنت تحلم بالسعاده) ...وتستمر باقي أبيات الأغنية بهذه الطريقه الخفيفه:
كنت تحلم بالسعاده
هيّ غير ماأنت فاكر
هيّ في كلمة موده
هيّ في نظرات مشاعر
من قلوب المابتردك
وأي فايت وأي زائر
وشايله هم الدنيا .. زادا
وماليه كل الكون مشاعر
أما في مجال الأغنية الخفيفه .. ففي ذلك قصة طريفة لأجمل أغنيات أبوعفان الخفيفة ذات إيقاع السيرة أو العرضة .. لكننا نتركها للحلقة القادمة .. إنشاء الله.
[email protected]




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1490

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صلاح الباشا
صلاح الباشا

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة