المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
عندما تتساقط القيم و تنتحر الاخلاق
عندما تتساقط القيم و تنتحر الاخلاق
06-12-2012 02:28 AM

عندما تتساقط القيم و تنتحر الاخلاق


بقلم / مؤنس فاروق

من السائد و المعروف ان المحن و الازمات تظهر المعادن الحقيقية للشعوب وتمتحن فيها الثوابت و الاخلاق و تعلو القيم . والحياة مليئة بالكوارث الطبيعية و الازمات الانسانية و السياسية و أوقات الشدة فى الحروب و المجاعات و الاوبئة . وفى الخاطر الكثير من الدروس و العبر التى اثرت التجربة الانسانية و زينت صفحات التاريخ لتكون شاهد عصر على مدى قوة و ارادة الانسان و عزيمة الشعوب التى لا تحدها حدود
والمثال الذى قدمته جنوب افريقيا بقيادة الزعيم نلسون مانديلا دليل و بيان فرغم ما تعرض له السود من ظلم وابادة و تفرقة عنصرية بل ما تعرض له مانديلا شخصيا لاكثر من 27 عاما فى سجون الابارتيد . الا انه وقف مخاطبا شعبه بعد القضاء على نظام الظلم و التمييز العنصرى بضرورة النظر الى الامام و تجاوز مرارات ظلم البيض و الابارتيد وقطع الطريق امام جموح الانتقام و رغبات التشفى فالوطن الان يحتاج منا التسامح و التجاوز و ليس الانتقام . و تلك ابهى صور الوطنية و انبل قيم الانسانية ان تسامح و انت فى قمة الغضب و الشعور بالظلم و الرغبة فى الانتقام و ان تتجاوز من اجل الوطن و القيم و الاخلاق فضربو اروع المثل و نالوا احترام العدو قبل الصديق . واستطاعوا ان يخرجوا بوطنهم من رحاب القبلية و التفرقة و التمييزالضيق الى رحاب اوسع ببناء نسيج اجتماعى متماسك و مترابط و وحدة وطنية متينة و نظام حكم رشيد وضع جنوب افريقيا بين كبريات الدول
لقد عانى السودان طويلا من ازمات و حروب و مجاعات جعلته مسرحا للجهل و الفقر و المرض و الظلم و التهميش و القبيلية و كانت أولى أزماته و محنه متمثلة فى حكامه سياساتهم و فشلهم فى بناء دولة ذات وحدة وطنية راسخة و وجدان مشترك للقضاء على عصبية القبيلة و الطائفة التى كانت المهدد الحقيقى للدولة السودانية قديما وحديثا .. فما ذكر فى التاريخ حول فتح بعض قبائل شمال السودان الطريق امام الجيش التركى الغازى و رسالة السلطان بادى الى اسماعيل باشا ( لايغرنك انتصارك على الجعليين والشايقية فنحن الملوك و هم الرعية ) خير شاهد على تأمر القبلية على الوحدة الوطنية و كذلك الصراع القبلى الحاد و الواضح الذى عانت منه الدولة المهدية و كان احد اسباب انهيارها .. و التاريخ الان يثبت اننا بلا ذاكرة و اننا لم نستفد من تجاربنا ونقع فى الحفرة ذاتها اكثر من مرة الى ان وصلنا الى الابادات العرقية و الجماعية و التقوقع فى قمقم القبيلة .. التاريخ يثبت اكثر من ذلك فحتى الثورات التى صنعناها من اجل الحرية و العدالة و الديمقراطية فى اكتوبر و ابريل جاءت وبالا علينا بدكتاتوريات اطول و افظع فالديمقراطية لا تستقيم و تستمر وسط هذه الفوضى القبلية و الطائفية احزابا و مؤسسات فالطائفية و القبلية التى تهدد الوطن و تتأمر على وحدته الوطنية من الهين لها ان تتأمر و تقضى على الديمقراطية التى تجهلها اساسا .
نفس الحفرة التى جبلنا على السقوط فيها هى التى اوصلتنا الى اللحظة السوداء التى انفصل فيها حنوب السودان عن شماله لكن السقوط هذة المره صاحبه سقوط القيم و انتحار الاخلاق .. هل يمكن ان يكون فساد الحاكم و نظامه سببا لفساد الشعب و خنوعه و تخليه عن الوقوف فى صف الحق ؟ اوليس فساد الحاكم و ظلمه سببا لمقاومة الظلم و مجابهة الفساد و نصرة الحق ! هل يمكن ان تكون الظروف المعيشية و الاقتصادية مبررا لضياع المبادئ وهجرة الضمير ؟ ام هى امتحانا طبيعى لنزاهة الانسان و شكيمة اخلاقه .. اين هى الاخلاق و القيم التى نتشدق بها بعد ان اصبح الفساد كائنا يمشى على ساقين فى كل دار و كل ممشى اين تمسكنا بالدين من هذا السكوت و ديننا يأمرنا صراحة ( من راى منكم منكرا فليغيره..) ويحدثنا عن الشيطان الاخرس
رغم الحزن الكبير على الوطن و فشل دولتنا و نحن نراها تتقسم و تهلكها الحروب الا ان انفصال الجنوب كان الفرصة المواتية للثورة على الظلم ونظام الحكم الفاسد الذى قسم الوطن و المواطنين و اورد البلاد موارد الهلاك و مداواة جروح الوطن المزمنة و الغائرة والمتمثلة فى القبلية و العنصرية و التعالى الاجوف و رتق النسيج الاجتماعى وبناء الوحدة الوطنية على اسس سليمة و سيادة دولة القانون و المواطنة و التساوى فى الحقوق و الواجبات فالدرس هذة المره واضحا و جليا حتى لمن لا يريد ان يفهم و يبصر فنحن امام طريق واحد (نكون او لا نكون ) حتى لا يكون اول الغيث قطرة و يكون انفصال الجنوب اول مسمار فى نعش السودان . نعم جاء انفصال الجنوب برغبة الجنوبين انفسهم ولكن هذا يدعنا نتسائل لماذا اختار الجنوبيين الانفصال بتلك القوة والرغبة لا اطالب الشماليين ان يعتذرو او يطلبوا الصفح من الجنوبيين على ما اقترفوه فى حقهم سنين طويلة كان يكفى فقط الامنيات الطيبة ببناء دولتهم و مباركة اختيارهم عن طيب نفس و خاطر على امل ان يأتى اليوم الذى نتوحد فيه من جديد. لكن كان السقوط الكبير.. مزيدا من فوضى التعصب الاعمى و العنصرية البغيضة و الالفاظ الجارحة و المستفزة على الصعيد الرسمي و الشعبي لمن كانوا بالامس مواطنين فى هذا البلد فيهم من عانى من ويلات الحرب فية و فيهم من ضحى من اجل ترابه و فيهم من مثله فى المحافل الخارجية و الدولية وفيهم من كان الجار و الصديق وفيهم من تربطنا بهم صلات الرحم و اواصر الصاقة و المحبة . لكم ان تتخيلوا ان ريتشارد جاستن الذى مثل السودان ودافع عن شعاره فى ساحات الرياضة يتعرض لهتافت عنصرية فى مباراة لكرة القدم فى مدينة كوستى وهو سلوك قد لا يكون غريبا على زمرة المؤتمر الوطنى و دعاة المشروع الحضارى التدميرى و لكنه بالطبع دخيل على الرياضة و الرياضيين كسابقة اولى فى ملاعبنا التى كانت المكان الوحيد الذى تذوب فيه الفوارق الطبقية و القبلية و يتوحد الجميع وهم يهتفون باسم السودان . و ما حدث للطفل ذى السبعة سنوات (موسس) فى مطار الخرطوم وهو يهم بالمغادرة الى وطنه الجديد مع والدته ( بالتبنى ) يدل الى اى مدى صارت النظرة ضيقة و جوفاء و كيف هى الاجواء مسممه وذلك الشاب من ابناء جنوب السودان و الذى تبنته اسرة شمالية سنين عددا و حمل اسمهم 27 عاما فى اوراقه و مستنداته الرسمية برغبتهم و رضاهم ما الذى فعله الان ليقفوا امامه فى المحاكم لنفى نسبه .. والكثيرالكثير.. اين صوت العقل و روح الدين سماحة الاخلاق... هل تلك قيمنا واخلاقنا ؟ ام ان القيم و الاخلاق وسماحة الانسانية قد تلوثت بالتعصب و العنصرية و تحلقت حول القبيلة .. و لبست عباءة الطائفية ! والشاهد اليوم يرى الى اى مدى تبدلت قيم الصدق و الاخلاص و التفانى فى العمل و التسامح و حل مكانها الكذب و النفاق و الانانية و الكراهية و الانتهازية .. فحق علينا ان نتشرذم ونتقسم و تذهب ريحنا .

انما الامم الاخلاق ما بقيت
فان هم ذهبت اخلاقهم.. ذهبوا ...


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1594

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#390655 [omer abd elhafeez]
0.00/5 (0 صوت)

06-12-2012 02:57 PM
السلام عليكم الاخ الفاضل

ان مقالك الذى سطرته هذا يعبر عن الكثير من الاشياء فاولا اسمح لى ان اشكرك على هذه الكلمات الجميلة وفى نفس الوقت محزنة لانه تعبر عن الحالة السودانية اليوم ..... من هشاشه فى القيم والاخلاق هذا هو المجتمع السودانى .... للاسف ليس هنالك امر بالمعرف او نهى عن المنكر .... والسوء الذى نعيشه اليوم انا لا انسبه الى الحكومة هل تعلم لماذا اخى الفاضل .... لايغير الله ما بقوم حتى يغيرو ما بانفسهم .... حيثما تكونو يولى عليكم .... نحن كعبين لذلك ربنا سلط علينا هذه الموامرة الوطنية وليس الموتمر الوطنى ... نحتاج الجرجوع الى ديننا الحنيف ونستغفر الله على ما فعلنا لعل الله يغفر لنا .... اللهم انا نسالك توبة نصوحة تطهرنا به جسما وقلبا وروحا .

وشكرا


مؤنس فاروق
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة