المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (1-9)
قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (1-9)
06-15-2012 02:32 AM

قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (1-9)

عادل إبراهيم شالوكا
[email protected]

مقدمة :-

منذ أن إحتل محمد على باشا السودان عام 1821م بواسطة إبنه إسماعيل باشا, صارت لدولة السودان حدوداً معروفة قُدرت بمليون ميل مربع, وحكومة مركزية إعتباطية تُدار من الخرطوم بعد أن نُقلت إليها العاصمة من سنار, تم كل ذلك دون مشاورة الكيانات والمجتمعات المُكونة للدولة الجديدة بإعتبار إن الأتراك إحتلوا الأراضى السودانية بقوة السلاح, ومنذ ذلك التاريخ كانت قضايا النوبة والفونج ودارفور مرتبطة بالأرض والهوية إلى يومنا هذا وفقاً للسياسات التى وضعها المستعمرون الأتراك ومن بعدهم الإنجليز وأخيراً الحكومات التى سُميت بالوطنية جزافاً وهى لا تمت إليها بصلة, فالأتراك والبريطانيين والنُخب الشمالية التى تعاقبت على حكم السودان ساهموا جميعاً فى تراكم الظلامات التاريخية الناتجة عن الإقصاء والتهميش المُتعَّمد إجتماعياً وثقافياً وإقتصادياً, وتُمثل قضيتى الأرض والهوية محورين رئيسيين فى طبيعة الصراع الدائر فى السودان منذ عهود بعيدة, فالتهميش والإقصاء الذى تم لشعوب هذه المناطق إرتكز على السيطرة على أراضى هذه المجموعات وتهميشها إقتصادياً, وهو أمر مرتبط بصورة أساسية بقضايا الهوية ذات الأبعاد الثقافية, وهذا ما يفسر الرابط بين شعوب النوبة والفونج ودارفور بإعتبار إنتمائها للمجموعات الزنجية فى السودان, وهى نفس المجموعات التى تأثرت بالرق و الإسترقاق لفترات طويلة بالإضافة إلى التهميش الثقافى والإجتماعى والإقتصادى (تهميش مُركَّب ثلاثى الأبعاد) بواسطة النُخب الشمالية الحاكمة طيلة فترة ما بعد خروج المستعمر . وما يجمع هذه المناطق بخلاف التاريخ المشترك, تشابه ما تعرضت له من سياسات وممارسات وإنتهاكات جسيمة بلغت درجةً تشَّكل فيها الشعور والإحساس الجمعى بعدم الإنتماء إلى الدولة التى كانوا يوماً ما حكام ممالكها ( مملكة الفونج – ممالك دارفور – مملكة تقلى ).

مع تزايد الضغوط الدولية لدفع الحكومة والثُوار للجلوس على طاولة المفاوضات, أعددنا هذه الدراسة التى تقع فى سلسلة مقالات (1- 9) نتطرق خلالها لعدة قضايا تشترك فيها هذه المناطق, لتظل حاضرة فى فضاء السياسة السودانية هذه الأوقات, لتكون السراج الذى يضىء طريقنا نحو نيل الحقوق التاريخية, والتوصل للتسوية الشاملة, ومعالجة الأزمات التاريخية بصورة جذرية, وهذه القضايا غير خاضعة للمساومات السياسية أو ضغوط المجتمع الدولى أو غيرها من الضغوط أو المغامرات, فالحرب ستظل مستمرة فى هذه المناطق حتى لو تم توقيع إتفاقيات صورية نتيجة للضغوط, لأن ذلك سيكون بمثابة الهدنة مثلما حدث للجنوبيين فى أديس أبابا 1972م, ومثل ما حدث فى نيفاشا 2005م بالنسبة للنوبة والفونج, وإعتقد إن شعوب هاتين المنطقتين بالإضافة إلى دارفور, قادرة على الكفاح المسلح لأكثر من (100) عام أخرى حال عدم مخاطبة ومعالجة هذه القضايا بصورة جذرية, ودونكم وثيقة الدوحة وما أدراك ما (السيسى) والسلطة الإنتقالية المضروبة, بالإضافة إلى الإتفاق الإطارى (أديس أبابا – 2001م) الذى (طُبخ) على عجل ولم يخاطب أى قضية أساسية سوى الترتيبات الأمنية التى جاءت فطيرة هى الأخرى, الأمر الذى جعلها لا تجد القبول لدى قطاع عريض من الجماهير .

سنتناول فى هذه السلسلة القضايا التالية :

1/ مؤسسة الرق (Slavery) .. الذاكرة القديمة المتجددة.
2/ المُلكية التاريخية لأراضى جبال النوبة والفونج ودارفور.
3/ قوانين الأراضى السودانية .. بداية المؤامرة.
4/ الحروب المستمرة وسياسة الأرض المحروقة (Burning Land).
5/ الإزاحة والإحلال (Displacement & Replacement) - تمليك الأرض للآخرين.
6/ قضايا الأرض فى إتفاقيات السلام السودانية (نيفاشا – أبوجا).
7/ الإقصاء الثقافى (Cultural Exclusion).
8/ قضايا الهوية فى إتفاقيات السلام السودانية (نيفاشا – أبوجا).
9/ ترميز تضليلى (كراسى بدون سلطة).
10/ خيارات الهامش.

******
مؤسسة الرق (Slavery) .. الذاكرة القديمة المتجددة.

ألقت مؤسسة الرق وتاريخها الطويل فى السودان بظلال مُظلمة وكثيفة على التركيبة الإجتماعية للسودانيين فى الماضى والحاضر, ولا زال تأثير ذلك واضحاً على مجريات الأمور إلى يومنا هذا, فالإستئثار بالسلطة وتهميش الآخرين, موقف تاريخى مستمر ينبع من الشعور الجمعى للنخبة الشمالية المسيطرة فى السودان والتى تعتمد على (رأس مال رمزى) تشَّكل عبر الحقب الزمنية الطويلة نتيجة لهذه الممارسة, وهذا يفسر إحتفاء هذه النُخبة بالتاريخ الذى يُمجدونه لدرجة تسميتهم لشارع رئيسى فى قلب الخرطوم ب(شارع الزبير باشا) تاجر الرقيق الشهير والذى لا زال أهل الشمال حتى اليوم يحسبونه واحداً من أبطالهم، وحروب الإبادة وما إرتبط بها من إحتقار وإزدراء بسكان هذه المناطق لدرجة قتلهم خارج نطاق القانون, وحرق قراهم ومساكنهم, ومصادرة ممتلكاتهم, وإغتصاب نسائهم, غير بعيدة عن ذاكرة الرق والإسترقاق, حيث كان يُعامل الرقيق بنفس هذه الطريقة, فظاهرة الرق ظاهرة منافية لحقوق الإنسان التى جُرِّد منها الأرقاء سابقاً والآن يُجرَّد منها المُهمشون, فكل هذه الممارسات التى تحدُث الآن تعبر عن عدم الإعتراف بحقوق هذه المجموعات مثلما كانت تصادر حقوقهم فى الماضى – عهد تجارة الرقيق.

مفهوم الرق :

هو (الإستغلال القسري) بحيث يصبح فيه الشخص مملوكاً لشخص آخر. وذلك منذ لحظة إختطافه أو شرائه أو ميلاده.
ولقد وُجد الرق في كافة الثقافات والقارات ولأزمنة بالغة القدم, وذلك منذ دخول الإنسان مرحلة الحضارة, ففي المجتمعات البدائية لم يكن يوجد الرق, وفي بعض المجتمعات أصبح الرق مؤسسة اقتصادية اجتماعية فيما يعرف بالمجتمعات العبودية, غير أن الرق قد مُنع الآن رسمياً، في جميع أنحاء العالم، بواسطة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, إلاَّ أنه في الواقع ما يزال الرق يمارس بشكل أو آخر في بعض المجتمعات.

تاريخ الرق :

يعتمد الرق على وجود نظام الطبقات الاجتماعية, كما يتطلب أيضا وجود الفوائض الإقتصادية والكثافة السكانية العالية ليكون ممكناً, بسبب هذه العوامل، فإن ممارسة الرق قد انتشرت فقط بعد اختراع الزراعة خلال ثورة العصر الحجري الحديث نحو (11,000) سنة مضت, وأقرب سجلات العبودية يمكن إرجاعه الى شريعة حمورابي حوالي (1,760) قبل الميلاد، والرق كما ورد فى الكتب المقدسة كان معروفاً في حضارات قديمة قدم سومر, وقد وجد في كل الحضارات القديمة مثل الحضارة المصرية والحضارة اليونانية والرومانية والعربية الإسلامية وقد ظل يتوسع دوماً كممارسة, وتحوَّل إلى تجارة إلى أن بلغ قمته في عصر الاستعمار الأروبي الحديث حيث تم الإتجار بملايين البشر أغلبهم من أفريقيا.

تجارة الرقيق :

كان للرقيق أسواق يباع فيها، وكانت تقام في مدن الدولة المنتصرة التي يُساق إليها الأسرى والسبايا, ففي مدن سومر وبابل وعيلام وآشور ومصر عرفت أعظم أسواق الرقيق المأسور, ثم قامت له أسواق في أثينا وأسبرطة وقرطاجة وروما, ولما زادت الحاجة إلى الرقيق اتسعت التجارة بالرقيق المجلوب بالخطف والشراء, وقامت له أسواق في الجزر اليونانية, وكانت جزيرة ديلوس Delos وقبرص وكريت ورودس أشهر أسواقه, وفي العصور الوسطى إزدهرت تجارة الرقيق المأسور المجلوب في دول الشرق والغرب, فاشتهرت في الدولة الاسلامية أسواق مكة والمدينة والطائف ودمشق والقاهرة والاسكندرية وبغداد والبصرة والكوفة وسمرقند وبخارى وغيرها من المدن الكبرى.

وفي الدول المسيحية اشتهرت أسواق القسطنطينية والبندقية ومرسيليا وبروفانس Provence ومدن أخرى, وكان تُجار البندقية ومرسيليا يجمعون الرقيق المسيحي ويبيعونه في أسواق البلاد العربية بالرغم من منع الكنيسة لبيع المسيحيين للمسلمين.
وكان العرب يحملون في سفنهم التمور من البصرة والبحرين فترسوا في شواطئ أفريقيا الشرقية فيبيعون التمور ويشترون عبيداً من الزنوج, ومنهم من كان يسرق أبناء الزنوج بالتمر يخدعونهم به, وكانت بلاد عمان مركزاً هاما لتجارة العبيد وتوزيعه على سائر البلاد بما فيها الهند والصين.

وفي بعض البلاد العربية ظلت أسواق الرقيق قائمة إلى عصر متأخر, فحتى الإحتلال الفرنسي كانت مراكش وتونس مراكز مهمة لتجارة الرقيق كان ينقل إلى مراكش من تمبكتو وإلى تونس من فزان, وفي عهد محمد على كان في مصر أسواق للرقيق ينقل إليها من دارفور وسنار بالسودان.

الرق في العهد التركي المصري :

يقول القدال في كتابه تاريخ السودان الحديث، (ص 93-97):

"وما أن أنجزت عملية الغزو حتى بدأ الحُكم الجديد في تنفيذ سياسات إقتصادية بعضها سريع العائد وبعضها بعيد المدى".
كان أسلوب النهب هو السمة الغالبة على سياسة الأتراك الاقتصادية, وقد نُفذ النهب بشكل مُدمِّر مثل أي عملية نهب لا تهتم بالأثر الذي تبقيه وإنما همها العائد الذي تستحوذ عليه, ولم تقتصر عملية النهب على إصطياد الرقيق، بل إمتدت لتشمل مختلف الموارد الاقتصادية.

نهب الموارد البشرية : تجارة الرقيق :

السؤال الذى يطرح نفسه, لماذا إنحصرت تجارة الرقيق بين القبائل الزنجية وأصبحت أفريقيا والمناطق الإستوائية منها بالذات مصدر الرقيق الأساسي بالنسبة لشمال أفريقيا والشرق الأوسط وكانت أمريكا من قبل، بينما مؤسسة الرق وتجارته عرفتها مجتمعات أخرى غير أفريقيا ؟ فقد إنحصرت تلك التجارة في العناصر الزنجية منذ عهد الجاهلية, فنسمع عن أحابيش مكة، وهم جيش أرستقراطية قريش المؤلف من رقيقهم المجلوب من أفريقيا, وهناك حديث نبوي يقول (خير سبيكم النوبة), وإشتملت معاهدة (البقط) التي أُبرمت بين المسلمين والنوبة عام 652م على إرسال رقيق إلي مصر, وتطور الأمر حتى أصبحت كلمة عبد أو رقيق موازية لزنجي ، وهو تطور خطير ألقى بظلال سوداء على علاقة الشعوب, إمتد بشكل أكثر كثافة على السودان في مجرى تاريخه الحديث.

وقد تفاقمت غزوات الإسترقاق بصورة كبيرة إبان الحكم العثمانى (التركى) والتى بدأت بإستيلاء حكام الخديوية المصرية على السودان فى العام 1820م , حيث قام حكام كردفان من قبل السلطات الإستعمارية بشن العديد من الحملات العسكرية على جبال النوبة بحثاً عن الذهب فى جبال شيبون ولجلب العبيد, ولكنهم لم يبذلوا أى محاولات جادة لحكم المنطقة مباشرة, ولقد ذُكر إن عدد الرقيق المجلوب من المنطقة فى السنوات الأولى كان حوالى 20 ألف إرتفعت إلى 40 ألف العام 1827م وقفز إلى 200 ألف فى العام 1839م وذكر أحد الرحالة بأن : (ما يتراوح بين 10 -20 ألف من المخطوفين من منطقة الجبال كان يعرض سنوياً فى سوق العبيد بمدينة الأبيض عاصمة كردفان) وقد لاحظ الباحث ستيفنسون :

" إن النوبة إستمروا يتحملون فترة حكم التركية التى جلبت لهم الخليط الغريب من (التجارة والإستبعاد) , إشتهار النوبة برياضة الصراع قادت إلى القول بإنهم يتمتعون بمؤهلات تجعلهم (جنوداً مطيعين أقوياء) لقد عادت عليهم رياضتهم بالوبال لأنها شجعت على إستمرار حملات الإسترقاق بهدف الحصول على جنود محاربين وبذلك وجد النوبة أنفسهم يحاربون خلال العهد العثمانى (التركى) وما بعده, ويشاركون فى معارك بعيدة عن ديارهم فى الجزيرة العربية وشرق أوربا وفلسطين بل حتى فى المكسيك " .

وتحت تأثير هذه الدعوة أصبح أبناء منطقة جبال النوبة – منذ ذلك الوقت وإلى الآن – يمثلون جزءاً مهماً لكل القوات المحاربة فى الجبهات المختلفة فى السودان, الحكومية منها أو المعارضة على حد سواء.
فعندما جاء الحكم التركي- المصري أعطى تجارة الرقيق دفعة قوية, فما أن إنتهت عملية الغزو حتى شرعت الحكومة في إرسال الحملات العسكرية ضد القبائل الزنجية لأسر أفرادها وإسترقاقهم, فبدأ إسماعيل باشا نشاطه في جنوب النيل الأزرق, فأرسل سرية إلي جبل (تابا) بالقرب من سنار فأسرت (1,900) شخصاً أُرسلوا إلي مصر, وإستولى الدفتردار على (1,200) من رقيق المقدوم مسلم وأرسل منهم (800) إلي مصر، وطلب من سكان القرى تسليمه نحو (3,000) من العبيد, ثم أرسل محمد على إبنه إبراهيم باشا ليشرف على تلك الحملات, فنظم حملتين قاد الأولى إسماعيل إلى جبال الصعيد، وقاد هو الثانية إلي الدينكا في النيل الأبيض, وإعتمدت تلك الحملات على جيش الغزو للإستفادة منه حتى لا يبقى بلا عمل.
فبعد فترة قصيرة من زيارة الدفترداد لمنطقة جبال النوبة عام 1822م داومت القوات الحكومية على إرسال حملات منتظمة إلى الأجزاء الشمالية للجبال (الدلنج – الكدرو – كدر – قلفان) حيث كان إقتناص العبيد وإرسالهم إلى مصر , ولكن لم ترض الدفعات التى أرسلت , الخديوية فى مصر فكتبت إلى الدفتردار خطاباً بتاريخ 1833م تذكرة (البطحانى ص 45 -46) :

أنت تعلم ان هدف كل هذه المجهودات والمنصرفات هو الحصول على الزنوج , لذلك نرجو بذل الهمة فى تحقيق رغبتنا فى هذا الأمر المهم .

وكانت تلك إشارة للإدارة التركية – المصرية للمواظبة على عملها الخطير فى إصطياد العبيد . وكان أن نظمت الحكومة حملات ضخمة لهذا الغرض وقد ذُكر إن الخديوية المصرية قررت سنوياً , مرة أو مرتين خلال السنة حملات دورية لمنطقة جبال النوبة . فى عام 1825 بعد مضى أربعة أعوام على الفتح قُدر عدد المسترقين الذين تم أخذهم فى الأسر بحوالى (40,000) وفى عام 1839م بلغ العدد الكلى (200,000) على الأقل, دون أن يُدخل ذلك الآلاف الذين إستولى عليهم البقارة أو الذين تم شراؤهم بواسطة الجلابة .

وكانت القوات التى تحشد لحملات صيد الرقيق تتكون من (1000 - 2000) من المشاة و(400 - 800) - Moghrebeen , مسلحين بالبنادق والمسدسات (300 – 1000) من المشاة المحليين و (3000 – 500) من السكان المحليين المسلحين بالحراب والدروع . أمام هذه الآلة العسكرية الهائلة وقفت غالبية سكان النوبة الذين تمركز بعضهم جيداً فى مواقع جبلية شديدة الإنحدار ودافعت عن نفسها وحريتها بقوة وصلابة وشجاعة وثبات وعزيمة لم يسجل التاريخ إلا أمثلة قليلة لها, غير ان النتائج كانت متوقعة . ففى المناطق التى إكتسحتها القوات الغازية تم نهب كل كوخ وسُلبت أو دُمرت ممتلكات أهلها التعساء, وكان كل من قُبض عليه حياً أُخذ رقيقاً, وبينما تمت إبادة معظم سكان الجبال الصغيرة والقرى المعزولة – فُرض على آخرين فى الدلنج والكدرو وقلفان وكادقلى دفع أتاوات – منتجات ورقيق . وأبدى سكان جبال أخرى مقاومة باسلة ولم تتمكن القوات التركية – المصرية من إخضاعها , من هؤلاء نوبة جبل الداير الذين عانوا أنفسهم من النهب وقادوا غزوات ناجحة نحو الشمال حتى ملبيسى التى أحجم حتى الجلابة عن زيارتها. وبحلول ستينات القرن التاسع عشر أصبح لتجار الرقيق وظيفة هامة فيما يتصل بالنشاطات التجارية الإجتماعية الأخرى للتجار الجلابة والبدو البقارة وقد شكلت هذه المسألة بالإضافة إلى إنعدام الإدارة من جانب الحكومة المصرية حجر عثرة أمام الجهود الرسمية لحظر تجارة الرقيق , غير ان الخديوى سعيد الذى حكم مصر بين (1848 – 1858) طلب من الحاكم العام للسودان وقف هذه التجارة سواء كانت تتم علناً أو بصورة خفية.
وتواصلت الحملات بصورة دورية في عهد الحكمدار خورشيد باشا, فقاد حملة في عام 1826م إلي بلاد الشلك, وحملة أخرى في نفس العام إلي جهات ود العباسي, وفي عام 1827 قاد حملة إلي بلاد الدينكا على النيل الأبيض، ساعده فيها الشيخ سالم زعيم قبيلة رفاعة الهُوَيْ, وسارت الحملة ثلاثة أشهر أسرت بعدها (500) من الدينكا، بعد أن واجهت منهم مقاومة ضارية إستغلوا فيها سيوفهم وحرابهم أمام ثلاثة بلوكات من المشاة وإثنين من الخيَّالة بأسلحتهم النارية, وفي عام 1828م قاد حملة إلي بلاد الفونج، ولكنهم إحتموا بالجبال. وفي عام 1830م قاد حملة ضد الشلك الذين ما أن سمعوا بمقدمه حتى تراجعوا عن ضفاف النيل وإحتموا بعاصمتهم (داناب) في الأدغال, وقاد عام 1832م بغزو جبال فازغلي وعاد بأسرى وأسلاب, وعاود هجومه عليهم في العام التالي, وقاد حملات ضد جبال النوبة في عامي 1830م و1832م أسر فيها (3,000) منهم, وبعد عهد خورشيد قل الاهتمام بالغزوات، واتجهت الحكومة إلي مجالات أخرى من النهب.

بالنسبة لدارفور فقد كانت تجارة الرقيق أحد مصادر الأرباح للسلاطين وتجار الرقيق إضافة إلي انهم كانوا يعملون في الزراعة والرعى وفقا لعلائق الإنتاج العبودية ، هذا إضافة لدور الرقيق في جيش السلطنة ، فضلا عن انه كان وسيلة تبادل أو دفع للجزية أو الخراج . في بعض الحالات كان نصيب السلطان من محصول الحوا كير يدفع في شكل رقيق ( أي وسيلة دفع ) .
كما كان أيضاً الرقيق سلعةً تصدر للخارج ومصدراً من مصادر تراكم ثروة السلاطين والتجار . ويمكن أن نحدد خصوصيات ووظائف الرق في السلطنة على النحو التالي :

1/ كان يلعب دورا أساسياً في صادرات السلطنة إلى مصر ، فقد كان الرقيق يجلب من المناطق التي تقع جنوب السلطنة وكانت السلطنة تصدر منه من (2000 - 3000) إلى مصر على الأقل في السنوات ( 1750 – 1830 م ).
2/ كان الرقيق يعمل في أراضي السلطان الزراعية وأراضى أصحاب الحواكير الآخرين أو أراضى الفقرا والعلماء وفقا لعلائق الإنتاج العبودية، أي مقابل معيشتهم وأسرهم, وفى بعض الأحوال كان سلطان الفور يعطى الأرض لمن يشاء برقيقها أو عبيدها، كما فعل السلطان محمد الحسين المهدى الذي أعطى حاكورة نعمة لصهره الحاج أحمد بن عيسى برقيقها ، وكان عددهم خمسون رقيقا.
3/ كان الرقيق يلعب دوراً أساسياً في جيش السلطنة، وخاصةً في عهد السلطان تيراب الذي كان يسير في اتجاه التوسع بالفتوحات شرقاً، والإتجاه في تنظيم الدولة إلى المركزية والإعتماد أكثر فأكثر على جيش الأرقاء .
4/ كانت بعض القبائل تدفع محصول السلطنة (أو الجزية) رقيقاً ، أي أن الرق كان وسيلة دفع عند بعض القبائل . وبذلك يتضح الدور الخطير الذي كان يلعبه الرقيق في النسيج الاقتصادي والاجتماعي لسلطنة دار فور.

وقد ساهم نمط الإنتاج البدائي عند القبائل التي كانت تقطن جنوب السلطنة والذي كان يقوم على الصيد والتقاط الثمار وتربية الحيوانات . هذا إضافة إلي أن تلك القبائل نفسها كانت عرضة لحملات صيادي وتجار الرقيق ، فقد كان أغلب الرقيق الذي كانت تصدره السلطنة للخارج يجلب من تلك المناطق (الجنوبية) .

مثَّل القرن الثامن عشر نقطة تحول فى تاريخ مملكة ومجتمع الفونج الذى شهد تحولات إجتماعية وسياسية عميقة قادت للإستعمال الواسع للرقيق, وقد شملت هذه التغيرات :

1/ الإتصال التجارى الواسع بمصر والشرق الأوسط .
2/ وصول أعداد كبيرة من التجار المسلمين ورجال الدين.
3/ زيادة استخدام العملة ونشؤ طبقة تجارية من السكان المحليين .
4/ عضوية من الطبقة الوسطى الجديدة سيطرت على التجارة الخارجية وتبنت هوية عربية بتركيبها لشجرة أنساب تغرز أصلها فى سلف عربى, وقد كان المعلم المركزى لاسلوب حياة هذه الطبقة هو امتلاك الرقيق, فقد كانت ملكية الرقيق وسيلة للصعود والترقى الاجتماعى ولتحويل توازن القوى داخل مجتمع الفونج .
( تاج السر عثمان – نقلاً عن سكنجة ص 7 - ترجمة)

كانت حملات صيد الرقيق فى السودان تأخذ شكل غارات مفاجئة على القرى وتجمعات القبائل, ويأسر الجنود من يقع تحت أيديهم ويرسلونهم مصفدين بالأغلال إلي معسكرات أُعدت لهم في أسوان, وكان الأسرى يمرون بظروف قاسية, فعملية الأسر نفسها والتكبيل بالقيود وصعوبة السير لمسافات طويلة وإختلاف المناخ والحنين إلي الأهل والوطن، كلها عوامل عصيبة أدت إلي موت أعداد منهم…(ولابد من الإشارة هنا إلى أنواع المقاومة التي تراوحت من مقاومة سلبية وإيجابية ظاهرة تشبه ظاهرة الـ Marons في أمريكا الجنوبية والكاريبي التي أبدتها المجموعات التي تم استرقاقها).
وأدت تلك الحملات إلي إنتعاش تجارة الرقيق, وأصبح لها أسواق في السودان ومصر والجزيرة العربية, بل كانت مرتبات الموظفين تدفع أحيانا في شكل رقيق, وكانت الضرائب أيضا تدفع في شكل رقيق، ولكن محمد على أوصى بأن :

لا يكون الرقيق المأخوذ بدل الفردة (أي الضريبة) من النساء والصبيان وما إليهما, بل أن يكونوا عبيد ذكور من الشبان الأقوياء الذين يوافقون مصلحتنا.

ولم تقتصر تلك التجارة على الجلابة, فقد شارك فيها تجار من مصر والشام وأروبا، وأسسوا إمبراطوريات في بحر الغزال والاستوائية, وحتى بعض الموظفين إنغمسوا فيها فأصبحت نشاطاً واسعاً ومشروعاً، وإزداد تغلغل نظام الرق في البنية الإجتماعية. وعندما كان بعض الجلابة يُهرِّبون الرقيق إلي مصر، لم يكن محمد على يُمانع في ذلك وكتب إلي حاكم دنقلا يقول :

لا ترُد الجلابة الذين معهم رقيق, بل خذهم إلي داخل حدود مصر وإشترِ الصالحين للجندية ..!!.


نواصل فى المقال القادم :

- الرق فى المهدية.
- الرق فى فترة الحكم الثنائى ( الإنجليزى – المصرى).


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1561

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#393654 [من جنوبيي السودان الفضل]
0.00/5 (0 صوت)

06-15-2012 11:35 PM
والله إمكانات مية مية يا شاليوكا..
على أحر من الجمر لبقية الحلقات ..
لا يمكن بناء مستقبل معافى بدون معرفة واعية للماضي لتلافي كل سلبياته وليس كما يقول الاخ اترك النظر الى الماضي.. ان ما يتحدث عنه شاليوكا لازال طفلا يحبو في جبال النوبة ودارفور وكردفان جنوب والنيل الازرق جنوب بل في قلب الخرطوم خصوصا حيث يقبع منتسبو تلك المناطق تاريخيا..
ودع عنك دفن الرؤوس في الرمال يا {شيخ ادريس}


#393359 [ابراهيم الكدرو]
0.00/5 (0 صوت)

06-15-2012 02:36 PM
الرق أصبح تأريخا في كل بلاد الدنيا إلا في السودان فمازال البعض يجتر ذلك الماضي البغيض ويطالب بعدم نسيانه بل الإصرار علي وضعه كفاتورة علي طاولة المفاوضات مع الحكومة بإعتباره إستحقاقا واجب السداد لن يسقط بالتقادم!!!تري من سيدفع هذا الثمن ؟ إنه الشعب السوداني المنكوب ببعض أبنائه ... كان الله في عونك ياوطني.


#393133 [shiekhedrees]
0.00/5 (0 صوت)

06-15-2012 09:30 AM
اذا أردت الانطلاق والتقدم فأترك النظر الى الخلف وأنظر الى المستقبل حتى لا تقع مره أخرى وتظل أبد الدهر بين الحفر.


ردود على shiekhedrees
United States [ameer] 06-15-2012 01:47 PM
إن من لا يعلم ماذا كان ومن أين أتى، يصعب عليه إدراك أين هو ومن هو، ويستحيل عليه أن يعرف إلى أين يذهب وتصور المستقبل.


عادل إبراهيم شالوكا
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة