المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
كتابة على ناصية الفقد
كتابة على ناصية الفقد
06-18-2012 10:20 AM

كتابة على ناصية الفقد

طلال عفيفي
[email protected]

"كل التعازي أيها السودانيين، لقد فقدتم منحة من الدنيا، فلتبكوا كثيراً"

فقدت إفريقيا برحيل القائد الشيوعي السوداني "محمد إبراهيم نقد" (1930 – 2012 ) أحد كبار المعلمين الماركسيين المحترفين.
فالرجل الذي تنسم قيادة الحزب الشيوعي السوداني عبر السكرتارية العامة للجنة المركزية للحزب عقب مذابح 1971 التي أودت بحياة عدد مقدر من رفاق العمل الثوري، ظل لما يزيد عن الأربعين عاماً متحملاً المسؤولية الأساسية في توجيه حزب الشيوعيين السودانيين، متفرغاً لذلك دون أي شاغل آخر من شواغل الحياة غير عكوفه على الكتابة والتأليف في بعض الفترات التي شهدت "إختفاءه".
وفي هذا المجال- مجال الفكر والتدبير النظري- قدم "نقد" العديد من الإسهامات التي ربما تشكل تياراً للوعي في يوم ما، فبغير إسهامه النظري في الكراسات السياسية للحزب الشيوعي السوداني، قدم الأستاذ "محمد إبراهيم" للمكتبة السودانية عدداً مقدراً من الكتب والمقالات، ربما يعد من أميزها كتاب "علاقات الارض في السودان ـ هوامش على وثائق تمليك الارض"، الذي علق عليه المؤرخ السوداني البروفيسور "محمد إبراهيم أبوسليم". يقول "أبوسليم":
(إن نقد يعتنق الشيوعية وله موقف محدد من الملكية وثمراتها ولكنه لا يثقل على نفسه، ولا على القارئ بمسلمات الشيوعية، ولا بمرجعياتها، ولا البس الامور اللبوس الجاهزة وانما نظر من خلال المحصول المعرفي بنظر المفكر والعالم وتوصل الى نتائج خلص اليها).
هذه شهادة من مؤرخ أكاديمي معروف، ما كان له أن يجازف بها في حق زعيم حزب سياسي لولا أن هذا الزعيم قام بالواجب في الكتابه من بحث وتقصي وتوثيق، الأمر الذي يشير إلى الأمانة والمثابرة والكد على المستوى النظري.
بشكل عملي، تجلت هذه المعاني (الأمانة والمثابرة والكد) في تاريخ محمد إبراهيم نقد السياسي. فالرجل الذي قضى عقوداً "تحت الأرض" وسنواتاً عزيزة من عمره في المعتقلات، لم يساوم دولة أو حكومة من الدول السودانية وحكوماتها المتعاقبة على منصب أو إستوزار أو إستشارة، حيث كان قميناً به أن يتقدم ببعض التنازلات "المعقولة" لينال حظوة أو راحة، وفي أفضل الأحوال مجالاً أوسع للعمل الحزبي، وهو أمر لم يتردد إزاءه قادة معاصرين من مختلف الجهات السياسية في سوداننا الحبيب.

قوام الكلام السابق إلى جانب حقيقة أن الأستاذ "محمد إبراهيم نقد" إنسان زاهد وعف، لم يمنع الأستاذ "نقد" من عقد وتكوين مجموعة من أوسع مجالات التحالف السياسي والنظر الإستراتيجي المبني على رؤى قومية، والشاهد أن الحزب الشيوعي السوداني أقام مجموعة من التحالفات الجبهوية التي تعد درساً في العمل الكفاحي ضد الديكتاتوريات في البيئة الإفريقية، (ألمح في ذلك إلى تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، ميثاق أسمرا، وتحالف جوبا).

في ملاحظة، أتمنى أن تكون جديرة بالذكر، لم يقم " محمد " بمغادرة السودان بعد أن تولى قيادة الحزب الشيوعي ( هذه الملاحظة ليس من شأنها أي إنقاص من قدر الذين غادروا السودان)؛ فطوال سنوات حكم عبود (أربع سنوات) وحكم المشير نميري ( ستة عشر عاماً) وحكم البشير (ثلاثة وعشرون عاماً) عمل الزعيم الشيوعي على نسج تاريخه الكفاحي داخلياً.
والمعلوم أنه طوال تلك الحقب المذكورة كان هناك من يستعد (بل ويسعد) بإستضافته على أرضه. لكن الرجل آثر أن يعمل وسط مواطنيه بصيغة "العمل السري" حيث إتخذ من مواطنيه واعضاء حزبه "المحليين" مجاورة ذات صبغة حسنة.
المفيد للسيرة، كون سنوات الإختفاء في مجموعها أكلت من عمر الأستاذ 43 عاماً (وهو ما يزيد عن نصف عمره !)، وهذه تضحية ومثابرة لا يعرف طريقها إلا الأخيار الأقوياء الذين ينضح كبد روحهم بالإلتزام والمحبة.
في جنوب أفريقيا كانت 26 سنة من السجن كافية لإيصال المناضل " نيلسون مانديلا" لمصاف الأبطال الكبار في القارة والعالم، لكن تاريخنا الوطني بما فيه من ثغرات وسوء تكوين لم ينتبه لوجود مثل هذه الزهرة البازخه بين ظهرانينا.. فسامته البلاد بالعنت والحشف وسوء الكيل، ولم يتفحص الوطن هذه الجوهرة بما يليق بها من حسن مقام، بل جعلت من حياته سلسلة من المرارات والآلام والأحزان.
لكن "نقد" كان أكرم، كان أكثر كرماً من بلاد بأكملها، فمنحنا عصارة فكره وذهنه المتقد وأحبنا كثيراً، أكرمنا نقد في حياته بالعمل المضني المستمر من أجل حياة طيبة وحقوق راسخة، كما أكرمنا بموته حين رأينا كيف خرج الناس لوداعه في الموكب المهيب، فأعاد لنا الدفء والإطمئنان والأمل.
لقد أكرمنا الرفيق والأستاذ " محمد إبراهيم نقد" حياً وميتاً.

إنه أمر مرير، ان يموت إنسان في مقام هذا الرجل الوطني الكبير.
الأكثر مرارة، أنه لم يتم التوثيق له، ولا للحياة التي عايشها، كما لم يتم كتابة تاريخ الحزب السوداني (الشهير) قبل أن يموت الأستاذ " محمد إبراهيم نقد"، فالأكيد أن ذاكرته حوت المثير مما يمهنا (أو – قد – يفتح مغاليق الأمور).


::::::::::::::::::::
*ملحوظة:
لم أشعر أثناء الموكب أني أسير "مُشيعاً لجنازة"، كنت أشعر أنني أسير خلف " محمد إبراهيم نقد".


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 664

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#396556 [somata]
0.00/5 (0 صوت)

06-18-2012 10:42 PM
الأخ طلا ل عفيفى شكراً للكتابة الراقية صبركم الله على المصاب الجلل نتمنى ان يوجد من اجيال الشيوعيين السودانيين الذين عاصروا نقد القامة الكبرى اتمنى ان نجد من يعيدسيرته, رافقت المرحوم بعد دفن المرحومة سارة نقدالله مرافقى الذى كان معى وصل قمة ذهوله عندما قلت له بان الذى صافحه للتو هو محمد ابراهيم نقد,يمشى بين الناس تواضعاً و ادباً رفيعاً و خلقاً راقياًو سيرةعطرة كازهار الربيع و الحنة و الياسمين


طلال عفيفي
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة