المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (2-9)
قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (2-9)
06-18-2012 04:08 PM

قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (2-9)

عادل إبراهيم شالوكا
shaloka@hotmail.com

الرق في المهدية :

كان الرقيق سلعة إستراتيجية بالنسبة للمهدية كما كان من قبل بالنسبة للتركية، فهو مورد إستراتيجي للجند، ولليد العاملة في الإنتاج والخدمات, ولما كان الخليفة قد أدرك خطورة تصدير الرقيق مما قد يؤدي إلى تقوية جيوش الأعداء فقد قام بمنع تصدير الرقيق وإصدار إجراءات تمركز بيع الرقيق في الداخل تحت إشراف بيت المال ومنع بيعه في الأقاليم منعاً حازماً.

أنواع رقيق المهدية :

رقيق الغنائم :
لما كان عدد الأرقاء كبيراً في عهد التركية فصار بعد إنهيارها ضمن غنائم الحرب كما هي معروفة في أحكام الشريعة الإسلامية. ولذلك إنتهج الخليفة إسلوباً صارماً في متابعة وحصر أدق تفاصيل رقيق الغنائم. وكان الرقيق الذي غنمته المهدية كبير الحجم لدرجة أدى إلى هبوط الأسعار في سوق النخاسة.

الرقيق الجهادية :
الجهادية هم الجنود من أصل زنجي، الذين إسترق الأتراك أجدادهم وكوَّنوا منهم جنوداً محترفين، فأصبحوا عصب الجيش (التركي ـ المصري) في السودان, وأخذوا يتوارثون إحتراف الجندية, وعندما بدأت الدولة التركية ـ المصرية تتداعى، تحولوا تدريجياً إلى الدولة المهدية عقب كل انتصار تحرزه, ثم تم جمعهم في تنظيم واحد ووضع الخليفة على رأسه قواداً يدينون له بالولاء التام, فأصبح الجهادية يد المهدية الضاربة وقلب جيشها المقاتل, (القدال، 246).
ولما كانت الجندية وسيلة من وسائل الانعتاق من الرق، فقد أعلن المهدي، في أيام الثورة، بعتق الأرقاء الذين يلتحقون بالجهادية مع الوعد بتعويض الملاك. وقد أدى ذلك إلى انضمام عدد كبير من الأرقاء إلى الجهادية لدرجة أن حسين إبراهيم الزهرا، عامل الخليفة على كسلا قد اشتكى من انضمام كثير من رقيق البلد للجهادية وبعضه لا يصلح لمهمة الجهادية، وأوصى الخليفة بأخذ من لا يستطيع حمل السلاح وليس له قرابة بالجهادية. ( محمد إبراهيم نقد، ص 99)

رقيق بيت المال :
بعد سقوط الخرطوم إستولى بيت المال على كم هائل من الرقيق ضمن ما إستولى عليه من مخلفات التركية ومؤسساتها وممتلكاتها الحكومية العامة أو مخلفات وممتلكات رموزها وأفرادها الذين فروا مع قواها المندحرة، أو هجروا المدينة، أو الذين بقوا فيها وصُودرت ممتلكاتهم. وقد صاغ بيت المال نهجاً للتعامل مع صنف الرقيق كمورد ثابت من إيراداته العينية والنقدية. وظل بيت المال يفرض رقابته الحازمة على حركة سلعة الرقيق حتى نهاية الدولة المهدية, (نقد، 100) .

الرقيق الهامل :
يتم التحفظ على الرقيق الهامل لدى السلطة المختصة لفترة زمنية معينة، فإذا تفقده مالكه، ودفع رسوماً تغطي منصرفات إعاشته فترة إحتجازه، وإسترده، وإن لم يتفقده بعد الفترة المحددة، يباع في سوق النخاسة وتعلن في المزاد هويته وينص عليها عقد المبايعة.
وعلى مدى سنوات المهدية، لم تخل زرائب بيت المال في أم درمان والأقاليم من الرقيق الهامل. وكان، على تدني أسعاره، مصدر دخل وافر لبيت المال لا يكاد يغيب عن اليوميات والملفات وتسوية الحسابات. (نقد، 107).

رقيق السلب والنهب :
كان الرقيق، في المهدية، السلعة أو الشيء المُفضَّل على غيره بعد الذهب في هجمات السلب والنهب لقيمته العينية والنقدية، كسلعة وكأداة نقل وحراسة لما سُلب ونُهب, وبالرغم من أن الغالب الأعم من عمليات السلب والنهب يقوم بها الأنصار، إلا أن الخليفة كان يتابع مع عماله لرد ما سُلب ونُهب لأهله ومعاقبة الجناة, (نقد، 108).

الرقيق الآبق :
كانت سياسة المهدية تجاه الرقيق الآبق، أي الهارب من أصحابه، هي رده إليهم, وكذلك رد الرقيق الذي دخل بيت المال خطأ إلى أربابه, وتكشف وثائق المهدية أن هروب الرقيق كان أمرا شائعاً, (نقد، 109-110).

رقيق الإحسان :
إستخدم المهدي الرقيق في باب الإحسان لأغراض شتى منها توحيد وإيلاف الأعيان وعلية القوم حول المهدية بإهدائهم الرقيق، كما سخَّره لرفع ظلم حاق بفرد أو أسرة أو لكفالة الأيتام ورعاية أرامل الشهداء, وقد تابع الخليفة نفس النهج في سياسته.

الإماء، الخديم، الفرخات :
الأمة، الخادم أو الفرخة هو الإسم الذي يطلق على المرأة المملوكة, وهناك درجات لعلاقة الرجل بالمرأة المملوكة له حسب الأعراف وأحكام الشريعة.
الجارية : هي المرأة المملوكة التي يستمتع بها مالكها على قاعدة "ما ملكت أيمانكم"
الخليلة : تعنى الصديقة, وهى أرفع مكانة نوعاً ما من حيث علاقتها بالرجل.
السرية : هي التي يتزوجها مالكها دون أن يعتقها.
أم الولد : هي الأمة التي تنجب ولدا من مالكها.
المعتقة : هي الأمة التي يعتقها مالكها ويتزوجها.

سوق النخاسة :
يصف سلاطين باشا سوق النخاسة بأمدرمان بقوله :

"في أم درمان هناك منزل بني بالطوب واللبن يقع شرقي بيت المال، وعلى مسافة قصيرة منه ومطل على ميدان، يعرف باسم سوق الرقيق, وبذريعة رغبتي في شراء أو استبدال بعض العبيد، كنت كثيرا ما استأذن الخليفة لزيارة السوق ووجدت فرصة كافية لمراقبة سلوك وأسلوب العمل والعاملين فيه, وهنا يتجمع تجار الرقيق المحترفين لعرض ما لديهم، وعند فراغ المشتري المتوقع من تفحصه للمعروض وإمعان النظر يتحول إلى البائع ويسأله بكم اشتراه وإن كان لديه واحد أفضل منه معروضاً للبيع, وربما يشتكي من أنه يجهل العربية... وهكذا، بغرض تخفيض سعره لأقل ما يمكن, من الناحية الأخرى نجد أن البائع يبذل كل جهده لإظهار حسن خصاله... إلخ, هذا ومن بين الخصال الكثيرة غير المرغوب فيها، والتي ترغم البائع على تخفيض سعره، الشخير، وسوءالطبع والسرقة وغيرها, وعندما يتم الاتفاق على سعر البيع تكتب ورقة المبايعة وتوقع, ثم تدفع القيمة فيصبح العبد بعدها من أملاك السيد الجديد, يتم الدفع بالعملة الجديدة المحلية وتكون الأسعار عموما كما يلى :
العبد كبير السن من العمال 50-80 ريال.
إمرأة متوسطة السن 80-120 ريال.
البنات من سن الثامنة حتى الحادية عشرة، وحسب جمالها 110-160 ريال.
السرية، وحسب جمالها 180-700 ريال.

وكان نهوض الدولة المهدية فى الثمانينات من القرن التاسع عشر قد جلب أيضاً مشاكل جديدة لشعب جبال النوبة, فلقد أيد بعضهم الإمام محمد أحمد المهدى لإعتقادهم إنه قد يقود المسلمين إلى الخلاص من عذابهم وبعض آخر قاومه, وقد قُدر لهذا الإختلاف فى السلوك تجاه دعوة المهدى أن يعتبر من خصائص سياسات الحكومات المركزية المتعاقبة تجاه النوبة فى المستقبل وذلك بتقسيمهم إلى قسمين : فئة متمردة على السلطة وفئة أخرى صديقة لها . وبعد وفاة الإمام المهدى أرسل خليفته عبد الله التعايشى حملة بقيادة حمدان أبو عنجة والنور عنقرة (1886 – 1887), وتجريدة بقيادة عبد الباقى الوكيل (1890) أخرى أكثر عنفاً بقيادة إبراهيم الخليل (1891) لإخضاع سكان المنطقة, فلقى الآلاف من النوبة حتفهم, بينما أسترقت أعداد كبيرة منهم, وتم الترحيل القسرى لآلاف أخرى إلى مدينة أم درمان فى أواسط السودان, لقد كانت ممارسات جنرالات الدولة المهدية (1884 – 1898) ضد سكان المنطقة ذات آثار وخيمة . ومن سخرية القدر وبعد قرن من الزمان أعاد التاريخ تكرار المآساة (1986 – 1989م) ووجد سكان المنطقة أنفسهم يعانون من سياسات أحفاد قيادات المهدية .
تواصلت التحرشات المستمرة بشعب النوبة بعد هزيمة الدولة المهدية على يد القوات المصرية – البريطانية المتحالفة وذلك فى معركة كررى العام 1898م وعلى الرغم من تجربة النوبة المريرة خلال حكم المهدية فإنهم لم يرحبوا بالإدارة الإستعمارية الجديدة أو يتحمسوا للتعاون معها . وقد لاحظ أيضاً الباحث ستيفنسون :

" إن الجبال التى إستطاعت أن تدفع قوات المهدية بعيداً عنها فى فترات عديدة ظنت إنها محصنة من أى هجوم وبالذات جبال الداير والنيمانق وكتلا وفندا وأجزاء من مناطق الكواليب". ولذلك فقد تطلب إخضاع قبائل النوبة المختلفة وإحكام السيطرة عليهم مثل بقية أهل البقاع الأخرى من البلاد (30) عاماً .

وبعد ان إكتملت أخيراً سيادة الدولة الإستعمارية المركزية على كل جبال النوبة , تقلص حجم النزاعات بين الأطراف المحلية وتم دعم موقف ومركز الزعماء المحليين بتعيين ورعاية الدولة لهم . وقد تم على الدوام توظيف الإستراتيجية القديمة – الجديدة التى تعتمد على تجنيد النوبة " الأصدقاء" وحلفاء الحكومات من القبائل الأخرى ليتولوا إخماد إنتفاضات النوبة " الثوار – المتمردين".

إستمر نظام الرق في المهدية، حيث عرفت تشكيلة المهدية التفاوت الإجتماعي والطبقي ، وعرفت فئات وشرائح مثل الحكام والأمراء والتجار والجيش والمزارعون والرعاة والطبقة العاملة والرقيق, إلى سقوط الدولة على يد الإنجليز عام 1899م.

الرق في الحكم الثنائي (البريطانى - المصري) :

خلفيات تاريخية :
مرسوم إلغاء تجارة الرقيق (Abolition Act):
كانت بريطانيا قد بدأت في محاربة تجارة الرقيق ومن ثم الرق عموماً، منذ بدايات القرن التاسع عشر؛ ففي مارس 1807م أجاز البرلمان مرسوم إلغاء تجارة الرقيق Abolition Act ونص على تحريم تجارة الرقيق ومنع السفن البريطانية من نقل الرقيق، ومعاقبة السفن التي لا تتقيَّد بالمرسوم، كما حفَّز سفن الاسطول البريطاني لمراقبة وضبط السفن البريطانية التي لا تتقيَّد بالمرسوم. ومن جانب آخر ألزم المرسوم مُلاك الرقيق بتسجيل كل أرقائهم حتى 16 مارس 1807م للرقابة على البيع والشراء.

مرسوم عتق الأرقاء 1833م:
وفي أغسطس 1833 أجاز البرلمان البريطاني مرسوم عتق الأرقاء. وقد نص المرسوم على:
1ـ عتق الرقيق وتعويض ملاكه.
2ـ العتق المتدرج لأن الرقيق غير مؤهل للحرية.
3ـ يشترط في الرقيق المعتق أن يبقى عاملا بأجر لدى مالكه كصبي تحت التدريب لمدة 12 سنة للرقيق العامل في الحقول و7 سنوات لرقيق الخدمة المنزلية.
4ـ يخصم جزء من الأجر لغطاء جزء من تعويض المالك.
5ـ يعمل الرقيق المعتق ثلاثة أرباع يوم العمل لدى مالكه بأجر ويعمل ربع اليوم لمصلحته أينما شاء.
6ـ الأطفال تحت سن السادسة أحرار، والذين يولدون بعد عام 1831م أحرار.
هذا بالإضافة لبنود أخرى. (نقد، 49-51).

وقد انعكست هذه المراسيم على السودان، في البدء، بعد أن تبناها الخديوي اسماعيل وتصدى لمحاربة تجارة الرقيق في السودان, فقام بإنشاء مديرية البحر الأبيض وعاصمتها فشودة، بغرض مراقبة تجارة الرقيق وإيقاف تدفقها من الاستوائية, كما إتخذت الحكومة بعض الإجراءات الإدارية للحد من حركة تلك التجارة, ففرضت ضريبة تسمى (الويركو) على كل بحار أو عامل يعمل في المراكب التي تصعد النيل الأبيض, وشددت الرقابة على الوابورات التي تمخر فيه. ولكن تلك الإجراءت لم تجد كثيرا, فقد لجأ التجار إلى أساليب المراوغة، حيث يقومون بإنزال الرقيق بعيدا عن مناطق المراقبة. كما مارسوا رشوة الموظفين، الذين شارك بعضهم في التجارة نفسها. فلجأت الحكومة إلى المزيد من الإجراءات الإدارية: ففرضت قيودا على إستيراد الأسلحة والذخائر التي تستخدم في قهر القبائل وإسترقاق أفرادها. ثم فرضت ضرائب عالية على زرائب التجار. ولكن بالرغم من كل ذلك فقد فشلت الحكومة التركية في محاربة تجارة الرقيق في السودان. وقد ألقت باللائمة على العناصر العاملة في السودان بحجة أن بعضهم كان مرتشياً والبعض الآخر شارك في النشاط التجاري. ورأى الخديوي اسماعيل أن يستعين بعناصر أوروبية في الإدارة لعلهم يتمكنوا من الحد من تلك التجارة. وكان غردون الشخصية المركزية بين الأوروبيين الذين عملوا في الإدارة التركية في السودان. (القدال، 86-87)
وبعد إنهيار الدولة المهدية إنتعشت النخاسة مؤقتاً حيث إستولت القبائل النيلية والمعارضة للمهدية على أرقاء التعايشة والأنصار الذين نزحوا من أواسط السودان وأم درمان نحو الغرب بعد واقعة كرري. وعاود تجار الرقيق نخاستهم في المناطق التي إنحسرت عنها سلطة المهدية. وإكتظت خلجان ومرافئ البحر الأحمر بالرقيق المصدر إلى الجزيرة العربية. (نقد، 141)
لقد تعرضت مناطق الفونج إلى حملات متواصلة من تجريدات الإسترقاق إستمرت آثارها وبقايا ممارساتها إلى منتصف القرن العشرين , بل وإلى ما بعد إستقلال السودان . وواجهت هذه المجتمعات ذات الأصول الزنجية فى مناطق الفونج عسفاً متواصلاً لكنها لم تستسلم له بل وواصلت مقاومتها لكل أشكال الإستبداد الفظة ضد السكان المدنيين منذ بواكير الحقبة الإستعمارية, وفى مقابل ذلك أحدثت تجارة الرقيق وحملات الإسترقاق شرخاً دامياً ما يزال يطفو إلى السطح كلما طرحت مسألة الحقوق والإقتصادية والعدالة الإجتماعية, وكان لها أثرها أيضاً فى الحركة الدائمة والخوف المستبطن من الإستقرار تفادياً لتجريدات الحكومة, واللجوء إلى العيش فى مجموعات صغيرة فى المناطق الوعرة ومما أثر على شكل ملكية الأراضى وإستخداماتها إذ لا توجد قرى يزيد عدد سكانها عن (500) نسمة إلا نادراً (محمد سليمان ص 285).
سياسات الحكم الثنائي الإنجليزي المصري تجاه الرق والاسترقاق:
انتهج الحكم الثنائي الإنجليزي المصري سياسة عامة حيال الرق والاسترقاق في السودان استمدت مقوماتها من تجارب سابقة في محاربة تجارة الرقيق وإلغاء الرق في بريطانيا ومصر.
وكان كتشنر، الحاكم العام على السودان من يناير 1899 إلى ديسمبر من نفس العام، قد أصدر في مارس 1899 مذكرة بشأن الرق يقول فيها:

"الرق ليس نظاما معترفا به في السودان. ومع ذلك، فطالما كان الخادم يقدم خدماته طوعا للسيد، فما من ضرورة للتدخل في شروط العلاقة القائمة بينهما... وإني لأترك لكم، وفقا لحسن تقديركم، حق اختيار أنسب الوسائل للقضاء على عادة الاعتماد على عمل الرقيق، تلك العادة التي ظلت لفترة طويلة جزءا من تعاليم الدين والأعراف في هذا البلد، والتي يستحيل استئصالها فورا دون إحداث صدمة قوية لمشاعر أهل البلد الأحرار ورفاهيتم. ودونما إعلان عن أي هدف للقضاء الفوري على كل أشكال امتلاك الرقيق، هناك الكثير الذي يمكن انجازه في طريق محاربتها وتعليم الناس الاستغناء عنها."

وقد استخلصت إدارة الحكم الثنائي من مذكرة كتشنر ومذكراته اللاحقة ومذكرات خلفه مستر ونجت برنامج عمل ظلت بنوده في صلب أعمال الأدارة، بصورة أو بأخرى، لقرابة العقدين من الزمان، ويتلخص في:
ـ منع الرقيق الآبق من التجمع المستقر حول المدن.
ـ منع الأرقاء في الجيش من تحريض الإماء وانتزاعهن من بيوت الملاك بحجة صلة القربى، وعلى الجندي أن يرفع ظلامته لضابطه ليرفعها للمفتش.
ـ حصر وتعداد الرقيق.
ـ علاقة منتظمة بين حكومة السودان ومصلحة مناهضة الرق.
ومن مجمل مذكرات كتشنر ثم ونجت، أصبح الرق فصلا ثابتا في التقرير السنوي للحاكم العام الذي تتجمع عناصره من تقارير مفتشي المراكز لمديري المديريات وتقارير المديرين واجتماعهم السنوي مع الحاكم العام بالخرطوم.

ومن أهم المصاعب التي واجهت تنفيذ هذه السياسة :
ـ شح الموارد المالية لاستثمارات ومنشآت تستوعب اليد العاملة من الرقيق المعتق في سوق العمل.
ـ التخوف من تدني الإنتاج؛ فقد ذكر التقرير السنوي لعام 1903م أن "سادة العبيد لم يعتادوا العمل في حياتهم، وأكثر العبيد يظنون أن خير ما يفعلونه بعد تحريرهم من رقهم هو أن يجلسوا ويستريحوا ويقللوا من العمل والتعب ما استطاعوا."
ـ مقاومة ملاك العبيد بالتحايل عن طريق التسري أو تأجير العبيد والإماء وأخذ الأتاوات.
ـ مقاومة كبار ملاك العبيد لسياسات الحكومة، ويبدو ذلك أكثر جلاءاً فيما ورد في مذكرة زعماء الطائفية.
مذكرة زعماء الطائفية :
مذكرة من السادة : على الميرغنى، الشريف يوسف الهندي، عبد الرحمن المهدي
6 مارس 1925م
إلى مدير المخابرات، الخرطوم.
نرى من واجبنا أن نشير إليكم برأينا في موضوع الرق في السودان، بأمل أن توليه الحكومة عنايتها.
لقد تابعنا سياسات الحكومة تجاه هذه الطبقة منذ إعادة الفتح. وطبيعي أننا لا نستطيع أن ننتقد أمرا توحد كل العالم المتمدن لإلغائه، وهو واحد من أهم الأمور التي يعنى به القانون الدولي.
على أن ما يهمنا في الأمر هو؛ أن الرق في السودان اليوم لا يمت بصلة لما هو متعارف عليه بشكل عام. فالأرقاء الذين يعملون في زراعة الأرض، شركاء في واقع الأمر لملاك الأرض ولهم من الامتيازات والحقوق ما يجعلهم طبقة قائمة بذاتها، ولا يمكن تصنيفهم كأرقاء بالمعنى العام المتعارف. وأهل السودان الذين ما يزال لهم أرقاء في الوقت الحاضر، إنما يعاملونهم كما لو كانوا أفراد من العائلة، بسبب احتياجهم المتعاظم لعملهم. ولو كان لطرف أن يتظلم الآن، فهم الملاك الذين أصبحوا تحت رحمة أرقائهم.
وكما تعلمون تمام العلم، فإن العمل في الظرف الراهن هو أهم قضية في السودان، ويتطلب علاجها الاهتمام الأكبر. فالحكومة والشركات والأفراد المهتمون بالزراعة يحتاجون لكل يد عاملة يمكن الحصول عليها لتسهم في نجاح المشاريع.
ولابد أن الحكومة وموظفيها، قد لاحظوا خلال السنوات الماضية، أن أغلبية الأرقاء الذين اعتقوا، أصبحوا لا يصلحون لأي عمل، إذ جنح النساء منهم نحو الدعارة، وأدمن الرجال الخمر والكسل.
لهذه الأسباب نحث الحكومة أن تنظر باهتمام في الحكمة من إصدار أوراق الحرية دون تمييز، لأشخاص يعتبرون أن هذه الأوراق تمنحهم حرية من أي مسئولية للعمل، والتخلي عن أداء الالتزامات التي تقيدهم.
وبما أن هؤلاء الأرقاء ليسوا عبيدا بالمعنى الذي يفهمه القانون الدولي، فلم تعد هناك حوجة لإعطائهم أوراق الحرية؛ إلا إذا كانت هناك حوجة لإعطائها لملاك الأرض الذين يعملون لهم. وإنه لمن مصلحة كل الأطراف المعنية، الحكومة وملاك الأرض والأرقاء، أن يبقى الأرقاء للعمل في الزراعة, أما إذا استمرت سياسة تشجيع الأرقاء على ترك العمل في الزراعة والتسول في المدن، فلن ينتج عن ذلك سوى الشر.
نتمنى أن تأخذ الحكومة هذا الأمر بعين الاعتبار، وأن تصدر أوامرها لكل موظفيها في مواقع السلطة، بأن لا يصدروا أي أوراق حرية، إلا إذا برهن الأرقاء سوء المعاملة.

التوقيع :
1- علي الميرغني
2- الشريف يوسف الهندي
3- عبد الرحمن المهدي
6 مارس 1925

تحلل علاقات الرق :
بالرغم من العقبات التي وقفت أمام تطبيق السياسة العامة لإلغاء الرق في السودان، إلا أنها أثمرت أخيرا في التحلل التدريجي لمؤسسة الرق، خاصة في المناطق الحضرية. وبحلول العام 1926، لاحظ ولس، مسئول المخابرات، في تقريره أن وضع الأرقاء أصبح أقرب إلى كونه مسألة اللون والمركز الاجتماعي منه إلى ادعاء أو دعوى يستطيع المالك أن يرفعها.
هكذا، من الناحية الرسمية، إضمحلت مؤسسة الرق، إلا أنها كحالة إجتماعية ظلت مستمرة إلى وقت طويل بعد ذلك وربما لا تزال بقاياها وآثارها موجودة.
أما في الريف، فقد استمرت ممارسة الرق لوقت طويل وما تزال كممارسة موجودة حتى الآن في بعض الأرياف السودانية.
الآثار المترتبة :
خلَّف إصطياد الرقيق عن طريق النهب فى السودان أثاراً سالبة إستمرت إلى يومنا هذا, فقد أدَّى إلي أضعاف القوى البشرية، أما من جرَّاء الأسر أو الموت في المعارك أو الهروب والتشتت, فإضطرب الإنتاج وإهتز التركيب الإجتماعي القبلي, كما أن تلك الحملات كانت تنهب أيضاً الثروة الحيوانية والإنتاج الزراعي, وأدَّى إنحصار مصادر الرقيق في المناطق التي تسكنها القبائل الزنجية إلي تعميق الفارق بين الشمال والجنوب، حتى أصبحت كلمة رقيق أو عبد تعني أفراد تلك القبائل سواء وقعوا في أسر الرق أو لم يقعوا, وإزداد إحساس القبائل في الشمال بالتفوق العرقي وغذَّته قُدرات الجلابة الإقتصادية، فإتخذت المديريات الجنوبية وفى بقية المناطق المُهمشة مساراً مختلفا أثَّر في تطورها، وتعمَّقت الغُربة بين الشمال والجنوب. و تجارة الرقيق بنقلها مجموعات من القبائل الزنجية إلي الشمال وإستخدامهم في رقيق الخدمة المنزلية أو في الجندية، قد أدت إلي بداية إختلاط القبائل في الجنوب مع القبائل الشمالية عن طريق الزواج (التسري) من نساء من قبائل الجنوب, فظهر جيل زنجي خالص في الشمال, أو خليط وأصبح يُشكَّل واحداً من أركان التركيب الإجتماعي, ولكن قيام التركيب الإجتماعي على خلفيات الرق، لم يُساعد على عملية الإنصهار.. (القدال, تاريخ السودان الحديث)..
تاريخياً كان جهاز الدولة هو الوسيلة الأكثر تاثيراً فى تكريس أسس تشييد البنية العنصرية الشاملة وحتى اليوم, تلك الآيديولوجيا وحاملها من مؤسسات (القادة والمسئولين ، أجهزة ووسائل الإعلام ، التعليم والمناهج الدراسية ... الخ) وقبلهم الدولة وسياساتها العامة والخاصة سوى المتعلقة بتخطيط القوى العاملة أو المتعلقة بالتعليم أوالمختصة بالإسكان والتخطيط العمرانى .. الخ . بالإضافة إلى اللغة الرسمية للدولة، لتعبر بها عن آيديولوجيا تبرر إمتيازاتها ومصالحها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الممتدة فى هيمنة تنتجها علاقات المركز بالهامش. وقد حدد ديفيد ثيو جولدبرج فى كتابه " الدولة العنصرية " :

" ان العرق مثَّل عنصراً تكاملياً فى ظهور وتطور وتحوُّل جهاز الدولة الوطنية الحديث وذلك على المستوى المفاهيمى والفلسفى والمادى . وتستخدم الدولة أجهزتها وأدواتها لإنشاء وتركيب وتعديل وتجسيد لغة ومصطلحات التعبير العنصرى إلى جانب الاقصاء والقهر العنصرى .

يحدد جولدبرج القرن السادس عشر كوقت إكتمل فيه تطبيع التفكير العنصرى وإعتياد التعبير العنصرى على مدى المجتمع الأروبى الحديث ومجالات نفوذه, ولتصورات الاخلاق والسياسة التى عملت على تحقيق شرعية آيديولوجية، وتبريرات إقتصادية سياسية لبنى سائدة ترتبت عرقيا لتنتج الإقصاء العنصرى . وهى علاقات تنهب موارد هذه المجموعات من مناطقهم وديارهم, ولا تتيح لهم أفقاً سوى إستخراجها البسيط, وتنقل ما تراكم من عائدها إلى المركز (المدينة) . والهامش بسياسات المركز - أفق محدود و محصور ومسدود يدفعهم للهجرة الداخلية إلى المدينة, يعملون فى مشاريعها ومؤسساتها الإقتصادية الحديثة, يوفرون أياديهم وأيادى أبنائهم رخيصة فى مساهمة مُستغِلة لزيادة تراكم الرأسمال, وتُعضد من البنى الإجتماعية القاهرة، تحفظهم فى جيش إحتياطى لا ينضب, مما يترتب عليه ذلك الإرتباط الوثيق بين إستغلالهم الطبقى وتصنيفهم "العرقى" وإضطهادهم العنصرى .


نواصل فى المقال القادم :

- قضايا الأرض – القوانين - الملكية التاريخية للأرض فى دارفور .
- الحرب فى دارفور - الإزاحة والإحلال (Displacement & Replacement) - تمليك الأرض للآخرين.


تعليقات 5 | إهداء 1 | زيارات 2335

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#398537 [Nahid]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2012 06:36 PM
أتممنى أن لا تقف عن سرد تاريخ جذور التهميش في السودان حتى تضاف إلى تاريخ السودان الحقيقي.


#396692 [عبد الغفور محمد الزين]
0.00/5 (0 صوت)

06-19-2012 07:07 AM
دا كمان وهم تانى زى اللى اسمه خضر المنان بتاع القناة الفضائية , الله يكفينا شركم وشر الحكومة ,بالله الواحد يبتلى بناس غريبين , لا تلقى فى المعارضة ولا فى الحكومة, نمشى وين؟؟


ردود على عبد الغفور محمد الزين
United States [ameer] 06-21-2012 03:54 PM
كالعادة، أمشي أفن الراس تحت التراب!
شعب كالنعام!


#396587 [حسن ابو لكمة]
0.00/5 (0 صوت)

06-18-2012 11:42 PM
المشكلة انو فى الراكوبة كل من هب ودب بقى يكتب مرة كالوشا ومرة شادوف ومرة مش عارف ايه


#396560 [حسن ابو لكمة]
0.00/5 (0 صوت)

06-18-2012 10:47 PM
الوهو اللى اسمه كالوشا دا ما عنده الا دارفور ونوبة؟؟ يا اخ السودان فيها كم ولاية؟؟


ردود على حسن ابو لكمة
United States [دكين] 06-19-2012 10:05 AM
هههههههههه يعنى مثلاً عاوز يكتب عن أهلك؟؟؟؟؟!!! الزول ده مهتم بالتظلمات التى لحقت بأهل تلك المناطق منذ فجر التأريخ وبعدين تعال هنا يعنى دى الخلاصه الطلعتا بيها من هذا المقال؟


#396309 [مغترب]
0.00/5 (0 صوت)

06-18-2012 05:09 PM
للأسف تاريخنا غير مشرف ولذلك ينادى البعض بإعادة كتابته حتى يكنسوا كل المخازى من رق وهروب وباشبوزق تحت البساط،،،


عادل إبراهيم شالوكا
 عادل إبراهيم شالوكا

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة