المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
المنعطف الأخير قبل "الميس"!!
المنعطف الأخير قبل "الميس"!!
06-20-2012 07:02 PM

المنعطف الأخير قبل "الميس"!!

تيسير حسن إدريس
[email protected]

بوصول برنامج شيوخ الغفلة الذي أسموه "حضاري" لخواتيمه الفاجعة التي تتجلى آثاره في الدمار الذي شمل كافة مناحي الحياة، فالاقتصاد الوطني في حالة يرثى له من الانهيار، والضائقة المعيشية والمالية وصلت حدّ إعلان وزير المالية أمام البرلمان جهرًا إفلاس الدولة، أما الأزمة السياسية فتنذرُ بتفكك الدولة وتشرذمها، بعدما سدّت سياسات النظام الخرقاء منافذ الحلول السلمية، وأجْبرت العديدَ من القوى المعارضة لحمل السلاح، وتجيش الجماهير في سبيل رفع المظالم التي تراكمت، وليست الأزمة الاجتماعية بأقل حدة من السابقتين؛ حيث نجد ظهور ونمو ظواهر وأمراض مجتمعية لم يعهدْها إنسان السودان المحافظ المتكافل من قبل ، من انفلات أخلاقي تعبر عنه تفشي الرذيلة في المجتمع، إلى انتشار في تعاطي المخدرات بأنواعها وسط شريحة الشباب من الجنسين في حرمات دور العلم من مدارس وجامعات، والتي غدت مخرجاتها من الفاقد التربوي والأخلاقي تفوق بمراحل مخرجاتها من الكوادر المؤهلة.
فقد اجتاح إعصار الفشل كل الضروب، وادْلهم ليل الخطوب على البلد، وبات سؤال الوجود معلقا في فراغ الاحتمالات يتراقصُ متأرجحًا كبندول الساعة بين فرضيتين: أن يكون الوطن أو لا يكون، أن يظل ما تبقى منه موحدا كما كان أو يتلاشى ويذوب، بفعل هوس شيوخ الغفلة وسياسات الأنبياء الكذبة الممعنة في الإقصاء والشوفينية التي أوصلت الوطن لقعر الهاوية، ليقبض إنسانُ السودان الريحَ، ويواجه الإخفاقَ ويلمس بيديه انعكاساتِ كل ذلك على وجدان الأمة، ووحدة التراب في المنعطف الأخير المفضي للنهايات البائسة المشرعة على احتمالين لا ثالث لهما؛ إما القضاء على الداء العضال في جسد الأمة بالبتر الثوري، أو انتظار "الغرغرينة" لتعيث فسادًا وتقضي على ما تبقى من جسد قد أوهنته سنون "الإنقاذ" العجاف.
إذن لم يعد بعد الذي جرى الانتظار والصبر يجدي، ولا التقاعس والخنوع منجي، فالكارثة إن لم يتم اليوم تداركها ومحاصرة آثارها بإيقاف تدحرج كرة اللهب، سيحترق الجميع بنارها، فكل أسرة وبيت؛ بل كل فرد قد أصبح في عين العاصفة، وليس أمام الشعب وطلائعه الثورية من سبيل سوى اقتحام أهوال الفعل الثوري للانعتاق من قيد نظامِ أدمنَ الفشلَ والكذبَ، وأضاعَ هيبةَ الدولةِ ومارسَ البغي والعدوانَ على العباد. فوجب بذلك شرعًا منافحته واجتثاث دابره حتى لا نبوءُ بذنبنا وذنبِ الأجيالِ القادمةِ .
فواقع الوطن اليوم يفرض على جميع أهله ترك خلافاتهم الحزبية واختلافاتهم الفكرية جانبًا، والتوحد حول هدف واحدٍ ألا وهو إزالة النظام المستبد ، وإيقاف مد شره، ليتثنى لنا المحافظة على ما تبقى من الوطن من التشرذم والانهيار، ثم الاتفاق والالتزام الجاد ودون مناورات أو مماحكات سياسية على برنامج حد أدنى، ينجز الهدفَ الرئيس المتمثل في إسقاط النظام، ومحاسبةِ سدنته ورموزه، والانطلاق بعد ذلك قُدُمًا لمعالجة أزمات البلاد الشائكة، مع مراعاة الأهم فالمهم، ووضع المصالح الوطنية العليا دائمًا فوق كل اعتبار لتجاوز الكبوة والخروج من عنق الزجاجة.
إن إيقاف الخلاف السياسي وتناطح البرامج والرؤى في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، وتخطي سؤال "البديل" الغبي الذي عطل مد الفعل الثوري، وأمد النظام المتهالك بزمن إضافي غير مستحق، على حساب معاناة الشعب وآلامه، يعتبرُ واجبًا مقدمًا، وأولية وطنية ملحة، وليكن المنطلقُ إلى هذا الإحساس شعورَ كل فرد من أبناء هذه الأمة بان "البديل" في وحدة العقل الجمعي للشعب، والتفافه حول برنامج ثوري يهدفُ لحل قضايا الوطن المصيرية، انطلاقًا من إيمانٍ عميقٍ بوحدة المصير المشترك لكافة مكونات المجتمع، ولا شك في أن محصلة تجاربنا الثورية والسياسية السابقة تعتبر دليلاً سياسيًا كافيًا لإنارة الطريق، ومنع تكرار الأخطاء التي أسهمت في إجهاض مشروع صيغة الهوية الوطنية، وبرامج التقدم والتنمية ونهضة الأمة.
إن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض علينا إعادة تعريف "الأنا الوطنية" كمنطلق لانتشال الأجيال القادمة من متاهة الهوية "الرمادية"، التي أصابت الأمة السودانية بشلل الأطفال، وجعلت منها أمة كسيحة، تضرب في صحراء التيه بلا هدًى، مشروخة الإحساس بالعزة والكرامة، موزعة الانتماء بين عرب وزنج. ولإنجاز هذه المهمة المعقدة التي يتوقف عليها مصير ومستقبل الوطن، نحتاج لوضع سياسي انتقالي معافى، يشارك فيه الجميع بلا استثناء ولا يقصى أو يعزل منه أحدٌ، كما نحتاج لشحذ الفكر ونشر الوعي؛ لهدم جدران العزل المعنوي بين مكونات المجتمع، وتجسير الهوة التي عمقها النظام الحالي بسياساته المتوحشة، وفي هذا السياق تبرز الحاجة الماسة لوجود قامات وطنية مخلصة ومتجردة، تقدِّم أطروحات عقلانية خلاقة ومبدعة، تحفزُ المجتمعَ وتدفعه لاعتناقها، فتزوده بطاقة الفعل الايجابي، وتدفع في شرايينه دماءً ذكيةً، وتمد رئتيه بهواء نقي يمنحه القدرة والطاقة على تجاوز الأزمة الوطنية، والوصول لمرافئ الاستقرار والأمان، والانطلاق نحو بناء دولة المواطنة المدينة الديمقراطية.
تيسير حسن إدريس 20/06/2012م





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1159

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#398803 [البحب بلده]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2012 11:44 PM
لازم يفلسوا طالما هم بحاربوا الخونة والمرتزقة واولاد باقان واولاد دار المايقوما اللى كبروا


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة