المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
كمال الجزولي
الدَّوْحَة: أَبْوَجَةُ الذَّاكِرة!ا
الدَّوْحَة: أَبْوَجَةُ الذَّاكِرة!ا
06-01-2010 10:28 AM

الدَّوْحَة: أَبْوَجَةُ الذَّاكِرة!!

كمال الجزولي
[email protected]

الاثنين

سهرة ممتعة تلك التي قضيتها بمنزلي، الأربعاء قبل الماضية، حتى مطلع الفجر، في معيَّة صديقيَّ العزيزين، منذ زمن الشَّباب اليانع، شوقي عز الدين الأمين وصدقي عوض كبلو. كانت المناسبة عودة شوقي، بعد غياب طال دهوراً، من مقرِّ عمله وإقامته بمسقط. ولأنه، دائماً، على عجل، وأيامه في الخرطوم معدودات، ما كان ممكناً، إلا عبر سهرة كتلك، أن نلتقيه، نرطب بعض أشواقنا إليه، وننعش شيئاً من ذكرياتنا معه، عسانا، بل لعلنا، وهيهات، نهدِّئ من نوستالجيانا السِّتينيَّة/السَّبعينيَّة الفتاكة.

شوقي من جيل المسرحيين الأفذاذ الذين شادوا أعمدة (المسرح الجَّامعي)، وتبحبحوا في أكناف تجاريبه، ونشروا ثقافته في منتديات الخرطوم وصحافتها، وحملوا كلَّ ما وقع لهم فيه، من أثرى لقيات المسرح العالمي، وأنضج ثماره، إلى جهود التأسيس الباكر لـ (معهد الموسيقى والمسرح)، أوَّل أمره، وإلى خشبة (المسرح القومي) بأم درمان، وندوة (مصطبته) الدبقة، العبقة، الرَّيانة بالقراءات، والنقاشات، والمفاكرات؛ وما كان لهم أن ينجحوا في ذلك، لولا الصُّدفة الموضوعيَّة وحدها التي أوجدت على سنام إدارته، خلال الثلث الأخير من ستينات القرن المنصرم، وجُلِّ سبعيناته، فناناً عظيماً في قامة الفكي عبد الرحمن، فقد وثق فيهم، وراهن عليهم، ويسَّر لهم أوسع أبواب المبادأة، ومساحات الحركة، وفرص الإبداع غير المحدود؛ ولكم ناديت، لأجل هذا وغيره، بإطلاق اسمه على هذه المؤسَّسة، وليتني ناديت حيَّا .. فلربَّما كنت أسمعت!

ومن أكثر ما صار يقلقني، خلال الفترة الأخيرة، هو انقطاع التواصل بين الأجيال عموماً، وأجيال المسرحيين بالأخص. وليت هاشم صديق يعود لتقديم برنامجه التلفزيوني (دراما 90)، عله يردم شيئاً من هذه الهوَّة الفاغرة، فقليلون جدَّاً من أجيال المسرحيين الجُدد من سمعوا بشوقي، دَعْ من يعرفون شيئاً عنه بوثوق!

ظلَّ شوقي عاشقاً للمسرح منذ يفاعته الباكرة. وقد لفت إليه الأنظار، ما بين 1962 ـ 1963م، بأدائه التمثيلي المتميِّز، وهو، بعدُ، تلميذ في المرحلة الوسطى، من خلال برنامج (الإنجليزيَّة بالتلفزيون) الذي كان بعض المدرِّسين الإنجليز يُعدُّون مادَّته التعليميَّة الأساسيَّة للمدارس الثانويَّة بالعاصمة، وكانت مزوَّدة، وقتها، بأجهزة استقبال تلفزيوني!

وحتى قبل أن يلتحق بكليَّة الآداب بجامعة الخرطوم كان صيته قد سبقه إليها بحكم الجوار بين (البَرَكس) وبين مدرسة الخرطوم الثانويَّة التي درس بها، والتي لطالما كشفت خشبة مسرحها عن طاقاته الإبداعيَّة، حيث أسَّس (جمعيَّة التمثيل) التي قدَّمت، خلال السنوات 1964 ـ 1967م، أعمالاً مدهشة بإمكانات شحيحة، أهمَّها (مصرع كليوباترا) لأحمد شوقي، و(مخلب القرد) بالإنجليزيَّة، تحت إشراف المربِّيين الجليلين عوض كرَّار وعبد الله محي الدِّين الجنيد.

لم يكن المسرح قد ازدهر، بعد، في الجامعة، أوَّل النصف الثاني من السِّتينات، إلا أعمالاً قليلة كمسرحيَّة (الحبل) ليوجين أونيل، من إخراج عبد الرحيم الشِّبلي عام 1965م. لكن، على حين كان شوقي على أعتاب الجامعة، كان النشاط المسرحي فيها قد صار ذا رهز وإرزام جذبا إليه، حتى من خارج سوحها، جمهوراً كبيراً درج على الزَّحف من شتى أنحاء العاصمة، في أمسيات ذلك الزَّمان، لمشاهدة العروض المبهرة لفناني مسرح (جمعيَّتي الثقافة الوطنيَّة والفكر التقدمي) آنذاك. وبمجرَّد التحاقه بالجامعة احتضنه عثمان جعفر النصيري، عمدة النشاط المسرحي، وقتها، في تينك الجَّمعيَّتين، فقدَّمه على مسرح (قاعة الامتحانات)، في مسرحيَّة (المغنية الصلعاء) ليوجين يونسكو، ضمن تيار اللامعقول الذي كان رائجاً، يومها، في غالب المسرح العالمي. منذ ذلك الحين، وعلى مدى سنواته الجامعيَّة ما بين 1967 ـ 1972م، سطع نجم شوقي، كممثل مسرحي، إلى جانب سلمى بابكر ومحمد دوعالي ومأمون زروق ومأمون الباقر وهشام الفيل وآسيا محمد الحسن وغيرهم، في عدد من المسرحيَّات التي أنتجتها الجمعيَّتان، وأخرجها النصيري، وأهمّها (جان دارك) لبرنارد شو، و(الكراسي) ليونسكو، و(مارا صاد) لبيتر فايس؛ كما مثل في (سمك عسير الهضم) لبيتر فايس، أيضاً، من إخراج علي عبد القيوم وطه أمير. كذلك عمل شوقي، خلال نفس الفترة، في عدد آخر من المسرحيَّات، على خشبة (المسرح القومي) بأم درمان، كـ (مجلس تأديب)، من تأليف وإخراج النصيري، و(حفلة سمر من أجل 5 حزيران) من تأليف سعد الله ونوس وإخراج علي عبد القيوم، بالإضافة إلى (مارا صاد) التي كانت تجربة عالميَّة جديدة على (المسرح القومي) آنذاك؛ وعمل، أيضاً، في مسرحيَّات أخرى، باللغة الإنجليزيَّة، على خشبة مسرح (سودان كلوب) بالخرطوم. وإلى ذلك كان يُعدُّ ويُقدِّم، طوال تلك السَّنوات، برنامج (سينما سينما) التثقيفي بالتلفزيون.

بعد تخرُّجه عام 1972م، نشط شوقي، ولأوَّل مرَّة تحت الاسم الجديد للحركة المسرحيَّة بالجامعة: (المسرح الجامعي)، في إخراج عدد من المسرحيَّات على خشبة مسرح (قاعة الامتحانات)، أشهرها (الدرس) ليونسكو، و(الخطوبة) لتشيخوف، و(هاملت) لشكسبير، و(زيارة السَّيِّدة العجوز) لفريدريك دورنمات. كما قام بإعادة إخراج (العصفورة والممثلون) ليوسف عايدابي، برؤية تختلف عن تلك التي سبق أن أخرجها بها فتح الرحمن عبد العزيز لمهرجان الشَّباب العربي بالجزائر عام 1970م، وكان شوقي قد عمل معه فيها كممثل. وقام، إلى ذلك، بإخراج (هاملت)، باللغة الفرنسيَّة، على خشبة مسرح (المركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم)، حيث تولى ترجمتها من الإنجليزيَّة د. نور الدِّين ساتي، ولعب دور البطولة فيها مارك أتونزيو، مدير المركز آنذاك!

تميَّز شوقي كمخرج باستخدام تقنيَّات حديثة وجريئة، وقتها، كالتكنيك السينمائي، مثلاً، على خشبة المسرح، وبالأخصِّ (الفولو سبوت follow spot)، حيث أعانته إمكانيَّات التحكم في بقعة الضوء على جذب التركيز على مشاهد بعينها، أو على لحظات بعينها من المَشاهد، مستعيناً بمُعدَّات إضاءة متقدِّمة مكنته منها سعاد إبراهيم أحمد التي كانت، وقتها، ركيزة من ركائز كليَّة الدِّراسات الإضافيَّة، والنشاط الثقافي الطلابي، عموماً، قبل فصلها من الجامعة، حيث كانت قد أسهمت، من موقعها ذاك، في تأسيس (نادي السينما)، ودعم النشاط المسرحي، وما إلى ذلك. وكانت فرقة مسرحيَّة إنجليزيَّة قد استجلبت تلك المُعدَّات، أوان حضورها إلى السودان، أواخر السِّتينات، لتقديم مسرحيَّة (حلم منتصف ليلة صيف) لوليم شكسبير، ثمَّ تركتها هديَّة للجامعة. لكنها ظلت مهملة منسيَّة، ردحاً من الزَّمن، بمخزن الدِّراسات الإضافيَّة، حتى عثر عليها شوقي، بالمصادفة، وتمكن منها بمساعدة سعاد.

وما يزال الأثر المشهود لمسرح (جمعيَّتي الثقافة الوطنيَّة والفكر التقدمي)، و(المسرح الجَّامعي)، على (المسرح القومي)، باباً مهمَّاً في تطوُّر المسرح السوداني ينتظر أن تحيط به همَّة الباحثين والدَّارسين المتخصِّصين.

تجاذب شوقي، عقب تخرُّجه، خيارا العمل بـ (معهد الموسيقى والمسرح) إلى جانب صديقيه عبد الهادي صديق ويوسف عايدابي وآخرين، أو العمل بـ (مؤسَّسة الدَّولة للسينما)، حسب رغبة صديقيه علي المك، مديرها آنذاك، وحسين شريف. لكنَّ شوقي فضَّل الالتحاق، لسبب ما، بالعمل في المعهد؛ وكان اختياراً خاطئاً، على ما يبدو، إذ سرعان ما اعتقل وفصل! وكان أوَّل وآخر عمل له بالمعهد هو مساعدة الخبير أدريان ولش في تدريب الطلاب على إخراج مسرحيَّة (ماكبث) لشكسبير.

بعد وساطات مكثفة وافق جهاز الأمن على إعادته للخدمة بالحكومة، لكن في وظيفة مساعد مفتش بـ (مصلحة الغابات) بالفاشر (!) وهو القرار الذي جابهه شوقي برفض صارم وابتسامة ساخرة! ثمَّ ما لبثت أن عادت كرَّة الوساطات، على يد دفع الله الحاج يوسف، صديق العائلة الذي نجح في إلحاقه، هذه المرَّة، بوزارة التربية والتعليم. ولحسن الطالع كان شفيق شوقي قد عُيِّن، في تلك الفترة، مديراً لإدارة (المسرح المدرسي) بالوزارة، فألحق شوقي بها مع خالد أبو الرُّوس، حيث أعدَّ دراسة متكاملة لإحياء الحركة المسرحيَّة بالمدارس. لكن سرعان ما تمَّ نقل شفيق مديراً لقاعة الصَّداقة، ففقد شوقي الدعم والسَّند، وتمَّ نقله، في منتصف السَّبعينات، معلماً للغتين الإنجليزيَّة والفرنسيَّة بالمدارس الثانويَّة. لكنه، هنا أيضاً، سرعان ما رمى بثقله في تنشيط (مسرح المدرسة)، فأخرج، مع تلاميذ (مدرسة الضَّو حجوج الثانويَّة للبنين)، مسرحيَّة (هاملت) لشكسبير باللغة الإنجليزيَّة، وشارك بها في الدَّورة المدرسيَّة بمدني، آنذاك، حيث أحرز الميداليَّة الذهبيَّة في الإخراج. وفي الأثناء أكمل كورساً بـ (معهد الخرطوم لتدريس اللغة العربيَّة للناطقين بغيرها)، بينما ظلَّ يواصل كتابة النقد المسرحي في الصُّحف، والمشاركة في الندوات العامَّة. غير أن أذرع الأمن الطويلة امتدَّت، للمرَّة الألف، لتتسبَّب في فصله من التربية والتعليم!

عند ذاك قرَّر شوقي أن يأخذها من قصير، فحوَّل عربته الخَّاصة إلى تاكسي، وظلَّ يعمل بها، دون جدوى تذكر، لعدم سابق معرفته بدقائق المهنة وأسرارها، حتى 1980م، حين أصرَّ بعض أهله بسلطنة عُمان على استقدامه للعمل هناك، فالتحق، منذ ذلك الوقت وحتى الآن، بـ (معهد بوليقلوت عُمان) للترجمة المتخصِّصة وتدريس اللغة الإنجليزيَّة، وهو عمل يستهلك طاقاته كلها \"من دغش الصبح إلى انحباس الضوء في المساء\"! ورغم أن هذا العمل وفر له لقمة العيش الكريمة، ومكنه، مع زوجته الأستاذة الجَّامعيَّة بثينة أمير، من تربية وتعليم ابنتهما شيراز، الطبيبة، الآن، بالإمارات، وولدهما هشام المحاسب، الآن، بكندا، إلا أنه، وللأسف، جعل شمس فنه تغرب عن حركة المسرح السوداني، وهو في قمَّة استعداده لطرح أنضج ثماره، بل عن السودان ذاته!



الثلاثاء

(الشقيقة مصر) ضمَّت إليها مثلث (حلايب)، عنوة واقتداراً، منذ سنوات طوال، وقد أسهب كثيرون، خصوصاً (مؤتمر البجا)، وأسهبنا بقلمنا معهم في دقِّ هذا الجرس بما يكفي لإيقاظ حتى الموتى، ولكن هيهات! و(الشقيقة كينيا) ما تزال تضع يدها على مثلث (أليمي)، بينما الحكومة وحزبها الذي (اكتسح!) الانتخابات لا يريان، ولا يسمعان، ولا يتكلمان! ثمَّ ها هي (الشقيقة أثيوبيا)، المثقلة بهمِّ إطعام ثمانين مليون نسمة، تدفع بمزارعيها (يكتسحون!) منطقة (الفشقة) الحدوديَّة، ويحوزون مشاريعها الخصبة، المعزولة، قرابة الثلاث سنوات، عن بقيَّة ولاية القضارف، فلا يستطيع أحد بلوغها، أو ترحيل مدخلات الانتاج إليها، بسبب انهيار (كبري الإنقاذ)، منفذها الوحيد في منطقة الصُّوفي البشير، مِمَّا بحَّت حناجر المزارعين السودانيين المغلوبين على أمرهم من الشكوى بشأنه، والمناشدة بترميمه، والتنبيه إلى المخاطر الأمنيَّة الناجمة عنه، والمتفاقمة حدَّ التهديد بضياع المنطقة بأكملها، حتى اضطرُّوا، بآخرة، لـ (تأجير!) 90% منها للمزارعين الأثيوبيين، ويا عالِم إن كانت حيازتها ستعود، أم لن تعود، إليهم، غداً، بعد انقضاء أجل (الإيجارة!)، و .. هل يذكركم هذا بسابقة ما في التاريخ؟!

مع كلِّ هذا الإنقاص المريع لأرض السودان من أطرافها، ما تنفكُّ دولتنا السَّنيَّة تسدُّ أذناً بطينة وأخرى بعجينة، فما تكاد تذكر شيئاً اسمه (السَّيادة الوطنيَّة) إلا حين يرتفع الكلام عن (حقوق الانسان)، أو (منظمات الإغاثة)، أو (المحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة)!



الأربعاء

نحمد الله كثيراً أنْ قد منَّ على ما تبادلناه، د. عبد الله علي إبراهيم وشخصي، خطفاً، حتى الآن، حول مسألة (المعايير الدَّوليَّة) للانتخابات، بنقاط التقاء محتملة، تكسبه شيئاً من خصائص (الحواريَّات) البناءة، نكسر بها، على قصرها، تقليد (السجاليَّات) المرذولة في غالب التناول للشأن العام! من أهمِّ تلك النقاط توضيح عبد الله، في تعقيبه على ردِّي، أنه، حين قال \"إن ديموقراطيَّة الغرب تتهافت دون النزاهة\"، لم يقصد إلى \"نفي المثال الانتخابي\"، وإنما قصد إلى \"الاحتكام إلى معايير مثاليَّة أو حقوقيَّة\" (الأحداث، 22/5/10)، وهي، بالحقِّ، خطوة واسعة باتجاه التوافق على فهم مشترك.

مع ذلك، ومن باب الاستقامة الفكريَّة الواجبة، وليقيني من أننا لسنا ساعيين، لا عبد الله ولا شخصي، إلى محض (توافق مجَّاني)، فإنه تلزمني، صراحة، ملاحظة أنني ما زلت ألمح شيئاً من (التقلقل) الواضح في محاولة عبد الله الاحتفاظ بموقفه الميَّال لتفادي تعريف هذه (المعايير) بأنها ذات طابع (دولي)، وذلك ابتداءً من العنوان (السَّاخر!) الذي اختاره لتعقيبه: (مناضلون بالمعايير العالميَّة)!

والشَّاهد أن صفة (العالميَّة)، التي قد تصلح لتصنيف هذه (المعايير) في احتمالها (الثقافي)، تختلف، اختلافاً بيِّناً، عن صفة (الدَّوليَّة) التي تتقدَّم بها في مستوى (إلزاميَّتها) كمنظومة (قواعد قانونيَّة). لذا أجدني مضطرَّاً لأن أكرِّر أن ثمَّة (معايير قانونيَّة دوليَّة) لـ (الانتخابات)، مثلما لـ (حقوق الإنسان)، و(معاملة الأسرى)، و(المساجين)، و(المعتقلين) .. الخ؛ وأن هذه المعايير ليست نتاج (مؤامرة غربيَّة)، بل ترتبت على (نضالات) ملايين الناس حول العالم؛ وأننا، نحن أنفسنا، قد أسهمنا، كـ (جماعة وطنيَّة)، في بلورتها، ضمن سائر (الجَّماعة الدَّوليَّة)، انطلاقاً من صميم (المعايير الثقافيَّة الوطنيَّة) التي وقعت لنا، ابتداءً، مثلما وقعت لغيرنا من الأمم، بمحض (الفطرة الثقافيَّة السليمة) النَّزَّاعة لـ (العدل) و(النصفة) و(الحُرِّيَّة) و(النزاهة)؛ فبجامع هذه (الفطرة) تشابهنا والشعوب الأخرى في الشَّغف بهذه القيم، وكراهة نقائضها؛ وما من (ثقافة)، مهما كانت مغرقة في (المحليَّة)، لم تسهم في رفد (الثقافة العالميَّة) بقدر أو بآخر؛ كما وأن (الفقه الحقوقي الدَّولي) سعى، دائماً، وبوجه مخصوص في مرحلة ما بعد الحرب الثانية من تطوُّره باتجاه مصالح الشعوب والمستضعفين، لإقامة عُمَده على أسس هذه (المعايير الثقافيَّة العالميَّة)، لإكسابها مرجعيَّتها (القانونيَّة الدَّوليَّة) التي ينبغي أن تعرض عليها حتى (ديموقراطيَّة الغرب البرجوازيَّة) نفسها، لا أن تعرض هي على هذه (الديموقراطيَّة) التي نستطيع، باستخدام هذه (المعايير القانونيَّة الدَّوليَّة)، أن نتبصَّر خلوَّها، وإنْ بمستويات متفاوتة، من المحتوى الاجتماعي المفترض في مبادئ الحُرِّيَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة، باعتبارها القواعد الأمتن التي يُفترض قيامها عليها؛ وهو ما وصفته، في كلمتي، بـ (العَرَج المشهود) الذي لطالما عبَّرَتْ أجيال من (مناضلي) بلادنا عن أشدِّ التوق لتفاديه في تجربتنا الديموقراطيَّة المأمولة!

بعبارة أخرى، أصبحت هذه (المعايير القانونيَّة الدوليَّة)، مع الزَّمن والتطوُّر، معولاً إضافيَّاً مهمَّاً من معاول (النضال) الحزبي والمدني يجدر بنا (الانتباه) له، و(الاستمساك) به، لا (السُّخرية) منه!

بهذا الفهم، وحده، أقبل توضيح عبد الله أن \"شاغله الحقَّ\"، عندما كتب كلمته، كان \"ألا تنصرف أفهام الصَّفوة إلى أن تلك المعايير (الكارتريَّة) هي (ما التزم) به الغرب\"؛ شاكراً له تقبُّل كلمتي بلطف، و .. أدام الله المعروف.



الخميس

أربعة مسائل أساسيَّة سيشتغل عليهنَّ (مؤتمر مراجعة نظام روما) الذي يُنتظر انعقاده في العاصمة اليوغنديَّة، خلال الفترة ما بين 31/5/2010م ـ 11/6/2010م. هذه المسائل هي: مبدأ (التكميليَّة complementarity)، ومعادلة (السَّلام والعدالة)، بالإضافة إلى موضوعتي (التعاون)، و(انعكاس نظام روما على الضحايا والمجتمعات المتأثرة بالانتهاكات أثناء النزاعات المسلحة).

وهكذا فإن مبدأ (التكميليَّة)، مقروءاً على خلفيَّة معادلة (السَّلام والعدالة)، يكاد يشكل الهمَّ الأكبر الذي يتوجَّب على المؤتمر أن يتصدَّى له، في ضوء خبرة المحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة، منذ تأسيسها بموجب (نظامها) لسنة 1998م، ثمَّ دخولها حيِّز التنفيذ عام 2002م، وحتى الآن، حيث بلغ عدد الدُّول الأعضاء فيها 112 دولة، بعد انضمام اليمن إليها، بمصادقتها على هذا (النظام) قبل أيَّام قلائل.

مفهوم (التكميليَّة) قائم، بالأساس، على انعقاد الاختصاص، ابتداءً، لـ (القضاء) الوطني في ملاحقة الجناة، وتقديمهم لـ (المحاكمة)، بغرض الحدِّ من ظاهرة الافلات من العقاب impunity، ولا ينتقل هذا الاختصاص إلى (القضاء) الدَّولي، إلا في حال إبداء الدَّولة المعنيَّة (عدم رغبتها) أو (عدم قدرتها) على ذلك.

وإذن فـ (النظام) يحصر مفهوم (التكميليَّة) في إنفاذ (العدالة) عبر الإجراءات (القضائيَّة) وحدها، حيث أن المادة/17 منه تنصُّ على امتناع (المحكمة) عن التدخُّل في حالات محدَّدة، كأن تكون (محاكمة) المتهم قد تمَّت، فعلاً، وفقاً للمعايير الدَّوليَّة لـ (المحاكمة) العادلة، أمام (محكمة) مختصَّة في الدَّولة المعنيَّة؛ أو أن تكون الدَّولة المعنيَّة قد شرعت، بصورة جادَّة، في التحقيق مع المتهم، تمهيداً لـ (محاكمته)؛ أو أن تكون الإجراءات قد اتخذت في مواجهة المتهم، في الدَّولة المعنيَّة، وانتهت إلى قرار بإخلاء سبيله لأسباب ليس من بينها (عدم الرغبة) في، أو (عدم القدرة) على، (محاكمته).

هذه النصوص وما إليها تحتاج إلى مراجعة، حيث أنها تكبِّل (العدالة) بمقايسات (القضاء)؛ فإمَّا أن تثبت (رغبة) و(قدرة) الدَّولة المعنيَّة على ملاحقة الجُّناة، عبر (قضائها) الوطني، أو يتولى ذلك (القضاء) الدَّولي؛ علماً بأن انعدام (القدرة) هذا قد لا يكون، فقط، بسبب (رغبة) الدَّولة في تمكين المتهمين من الإفلات من العقاب؛ إذ بقدر ما يمكن أن يترتب على عدم توفر (الإرادة السِّياسيَّة)، يمكن، أيضاً، أن يترتب على قصور التشريعات الوطنيَّة عمَّا يمكن من (محاكمة) المتهمين أمام (القضاء) التقليدي. ففي مثل هذه الحالة يمكن اللجوء لوسائل أخرى، (غير القضاء) التقليدي، كالأشكال والمناهج غير التقليديَّة لـ (العدالة الانتقاليَّة) المعروفة، حتى الآن، في أكثر من أربعين بلداً حول العالم، والتي راكمت من الخبرات ما قد يعين على تصفية تركة الماضي، وإبراء الجِّراح، وإرضاء الضحايا، لولا أن (نظام روما)، للأسف، لا يقيم اعتباراً لأيَّة وسيلة أخرى لتحقيق (العدالة) سوى الوسائل (القضائيَّة).

(مؤتمر كمبالا) قد يشكل سانحة مناسبة، لو جرى الانتباه، جيِّداً، إلى هذه المعضلة، لتوسيع مفهوم (التكميليَّة)، بحيث تتجاوز الأشكال التقليديَّة لـ (القضاء)، كي تشمل، أيضاً، الأشكال غير التقليديَّة لـ (العدالة الانتقاليَّة)؛ فالمطلوب هو (تحقيق العدالة)، لا مجرَّد (تطبيق القانون)!



الجمعة

رغم الغموض الذي يكتنف مصير خليل إبراهيم، رئيس (حركة العدل والمساواة)، الموجود في ليبيا، لحين إشعار آخر، إلا أن أحمد بن عبد الله آل محمود، وزير الدَّولة بخارجيَّة قطر التي تستضيف مفاوضات سلام دارفور المتوقفة حاليَّاً، أعلن، رسميَّاً، في مؤتمر صحفي، بالأربعاء الماضية، في الدَّوحة، أن هذه المفاوضات ستستأنف خلال الأسبوع الأوَّل من يونيو القادم، وأنها \"لن تستثني أحداً\" (الأخبار، 27/5/10).

غير أن الحكومة ذهبت، من جانبها، إلى نقض هذا القول، بأن اشترطت قصر التفاوض على حركة (العدالة والتحرير)، بقيادة التيجاني سيسي، تمهيداً لإدماجها ضمن (المنظومة السِّياسيَّة)، في معنى (هجين السُّلطة)، وإقصاء حركة (العدل والمساواة)، بقيادة خليل إبراهيم، عن هذا التفاوض، حسب ما عبَّر عن ذلك، مؤخَّراً، غازي صلاح الدِّين، مستشار رئيس الجمهوريَّة (الأحداث، 27/5/10).

قد يكون مفهوماً، من الناحية الإجرائيَّة، أن تشترط الحكومة ما تشاء؛ إلا أن ما ليس من حقها، موضوعيَّاً، هو أن تبرِّر اشتراطها هذا بأن حركة خليل \"لا تستحق المشروعيَّة التي مُنحت لها!\" (المصدر). فبصرف النظر عن (غرابة!) هذه الرؤية، إلا أن ما يهزمها، منطقيَّاً، هو أن الحكومة نفسها قد وافقت، منذ البداية، على مفاوضة هذه الحركة بالذات! فهل كانت تفاوض حركة بلا (مشروعيَّة)؟!

أخطر ما في تداعيات هذا التفاوض، منذ احتجاز خليل بمطار انجمينا، ثمَّ إرغامه على التوجُّه إلى طرابلس، حيث يحتجز حاليَّاً، هو أن الدَّوحة بسبيلها لإعادة إنتاج (أبوجا)، وأن (منبرها) أضحى يتدحرج، بذاكرة (أبوجَويَّة)، كما صخرة من شاهق! وأخشى ما نخشاه هو أن تفضي هذه (الأبْوَجَة) إلى حَمْل خليل، غداً، إلى العاصمة القطريَّة، حَمْلاً، حيث يُصار إلى إجباره على قبول ما لا يختلف كثيراً عمَّا أجبر مني أركو على قبوله بالعاصمة النيجيريَّة في 5/5/2006م!



السبت

ذهنيَّة المستعرب المسلم السوداني قد تتنازل، مرَّات، عن جفاء تعاملها مع (صنف) بعينه من المغنيات/معلمات رقص العرائس، فتضرب صفحاً عن تردُّدهن على (منزل أحرار) لتدريب وإعداد إحدى صبايا الأسرة (الكريمة) ليوم زفافها، مِمَّا يستتبع، بالضرورة، قدراً من (الحُرِّيَّة) لنساء البيت في مخالطتهنَّ أيَّاماً، قد تطول وقد تقصر، لكنها، في كلِّ الأحوال، إلى (زوال)! أمَّا في ما عدا تلك (المواسم) فإن مجرَّد (حوامة) هاتيك المغنيات/المعلمات حول هذه البيوت، دَعْ دخولها، لهي مدعاة لكسر الأرجل، وربَّما الرِّقاب!

خطر لي ذلك وأنا أتابع النكوص الجهير من جانب النظام وحزبه عن مناخ (الحُرِّيَّات) النسبي الذي كانا قد (سمحا!) به، أو هكذا اعتقدا، قبيل وأثناء الانتخابات العَّامة، بحسب تصوُّرهما المعلول لما يقتضيه (فقه الضرورة)! فما أن أعلن عن انقضاء ذلك (الموسم)، حتى عادت ممارسات (الاعتقال الإداري)، و(التعذيب) في الأقبية، و(الرَّقابة القبليَّة) على الصُّحف، و(الحظر) من السَّفر، إلى سابق عهدها، فلكأن (الحُرِّيَّات) هي بمثابة ذلك (الصنف) غير المرغوب فيه من المغنيات/المعلمات، لولا أن (ربُّ الأسرة) تفضَّل بـ (السماح) باستقدامهنَّ، لبضعة أيام، خلال (موسم عُرس) ما؛ ثمَّ ما أن انقضى (الموسم)، حتى عاد سيرته الأولى لا يلوي على شئ!

في السِّياق جرى اعتقال الترابي، بالأحد 16/5/2010م، ورُحِّل إلى سجن كوبر، بلا تهمة محدَّدة، اللهمَّ إلا عبر وسائط الإعلام! كما اعتقل فاروق أبو عيسى، بعد ظهر الخميس 20/5/2010م، وحُقق معه لأربع ساعات، ثمَّ أفرج عنه بعد أن حُمِّل رسالة تهديد لأحزاب المعارضة! وإلى ذلك أغلقت صحيفة (رأي الشَّعب)، وصودرت أصولها، واعتقل أربعة من محرِّريها، على رأسهم أبو ذر الأمين، نائب رئيس تحريرها الذي (شكك) محي الدين تيتاوي، رئيس اتحاد الصحفيين، في واقعة تعذيبه (الأحداث، 23/5/10)، دون أن ينتظر صدور نفي رسمي لها من أجهزة الأمن، بل حتى قبل أن (يتحقق) من صحَّتها أو كذبها، رغم أن خبرها بثته فضائيَّة كبيرة (قناة الجزيرة، 22/5/10)، كما تناقلته وسائط إليكترونيَّة أخرى بالصور، فضلاً عن أن مصدرها غير مجهول، حيث نسبتها بعض صحف الخرطوم الورقيَّة، جهاراً نهاراً، إلى محاميه بارود صندل، كما وإلى زوجته منى بكري (المصدر). ولعلَّ موقف علي شمو، رئيس المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، جاء، على علاته، أكثر رصانة من موقف تيتاوي، حيث رفض التعليق على الواقعة، كون \"صحتها لم تثبت للمجلس بعد\" (المصدر). واعتقل أيضاً، من طاقم الصحيفة، ناجي دهب، مديرها العام، والمحرِّران أشرف عبد العزيز والطاهر أبو حوَّة.

من جهة أخرى تسبَّبت الرَّقابة القبْليَّة في حجب عددي الخميس 20/5 والجمعة 21/5 من صحيفة (أجراس الحُرِّيَّة)، وعدد الخميس 20/5 من صحيفة (الصَّحافة)؛ بعد إذ كان هذا النوع من الرَّقابة قد توقف، منذ حوالي العام، في عقابيل صدور قانون الصَّحافة والمطبوعات الجَّديد، وإن كانت القبضة الثقيلة للسُّلطة قد واصلت ضغطها المؤثر على استقلال الصُّحف وحُرِّيَّتها بأشكال أخرى، أهمِّها حجب إعلانات الدَّولة وشركاتها عنها، علماً بأن الدَّولة ما تزال هي المعلن الأكبر، وأنه لا غنى لاقتصاديَّات أيَّة صحيفة عن الإعلان، ما يعني دفع الصُّحف، دفعاً، لممارسة (الرَّقابة الذاتيَّة!)، فضلاً عن أن الدَّولة تسعى، حاليَّاً، لإرغامها على الصدور في 16 صفحة، بدلاُ من 12، الأمر الذي يعني، مباشرة، زيادة أعداد محرِّريها، والعاملين فيها، وبالتالي رفع كلفتها، وزيادة سعرها، في ظروف اقتصاديَّة ومعيشيَّة لا يستطيع القارئ معها تحمُّل المزيد من الأعباء، فيؤدي ذلك، بالضرورة، إلى تجفيف طاقات أغلبيَّة الصُّحف غير المدعومة، حكوميَّاً، على الصُّمود، ومن ثمَّ اضطرارها للتوقف عن الصُّدور، وإخراجها، نهائيَّاً، من السُّوق!

لقد استدعى هذا النكوص الفظ عن الحُرِّيَّات الصَّحفيَّة، والاعتداء السَّافر على حقِّ التعبير ونشر المعلومات، جملة مواقف تضامنيَّة مع الصُّحف التي تعرَّضت لهذه الممارسات، وقد بلغت هذه الحملات ذروتها في قيام نحو 50 صحفياً بتسليم مذكرة احتجاج وإدانة للسلطات (وكالات وفضائيَّات، 20/5/10). ولم يجد المصدر الأمني الذي استنطقته بعض الوكالات الأجنبيَّة ما يبرِّر به هذه الاعتداءات سوى أن هذه الصحف \"تحرض المواطنين على الدولة!\" (رويترز، 20/5/10)، فلكأن التفسير الوحيد لـ (نقد) الدولة هو (التحريض) ضدها، أو لكأن (مهمَّة) الصَّحافة هي أن (تحضَّ) المواطنين على (التسبيح) بـ (حمد) الدَّولة .. فحسب!

ثمَّ ما لبثت أجهزة الأمن، في أحدث نماذج اعتدائها على الحريَّات والحقوق، أن حظرت بعض النشطاء، على رأسهم مريم الصَّادق وصالح محمود، من السَّفر إلى كمبالا للمشاركة في (مؤتمر مراجعة نظام روما)، حيث صادرت جوازات سفرهم، داخل المطار، فجر السَّبت 29/5/2010م!

(الحُرِّيَّات) ليست ذلك (الصنف) من (المغنيات) غير المرغوب فيهنَّ إلا في (مواسم) الأعراس! والنظام ليس (ربَّ الأسرة) الذي (يسمح) باستقدامهنَّ، لبعض الوقت، باعتبارهنَّ من لوازم (موسم العُرس)، تنقضي مهمَّتهنَّ بانقضائه! (الحُرِّيَّات) احتياج دائم، ولزوم قائم، وضرورة لا غنى عنها؛ وما من محكوم كامل العقل والأهليَّة يقبل بأن يفرِّط فيها لحاكم، وما من حاكم يتسم بالعدل والورع يطلب ارتهانها إليه من محكوم؛ تلك أوهام يخبرنا التاريخ بأنها لا تفتح غير بوَّابات الجحيم على بيئة الحكم، ولا تفضي سوى لصدام لا يُبقي ولا يذر بين الحاكم والمحكوم!

إن هذه الحزمة من الإجراءات غير الدُّستوريَّة وغير القانونيَّة، والقابلة، بطبيعتها، للتمدُّد، لا للانكماش، والتي تستهدف الحُرِّيَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة المشمولة باتفاقيَّة السَّلام الشامل، وبـ (وثيقة الحُرِّيَّات والحقوق) ضمن الدُّستور الانتقالي لسنة 2005م، تنبغي قراءتها على خلفيَّة معطيات الظرف التاريخي الرَّاهن، الذي يشير، بأكثر من إصبع، في عقابيل تبدُّد حلم التغيير بانتخابات (حُرَّة) و(نزيهة)، ليس فقط إلى انفصال الجنوب في استفتاء يناير 2011م، وما يستتبع ذلك من انهيار اقتصادي شامل، بل وإلى مخاطر تفتت البلاد بأسرها، في مشهد مأساوي لكيانات هشَّة مصطرعة؛ مشهد حرب الجَّميع ضدَّ الجميع! مشهد الوطن طائرة تهوي، بأزيز يصمُّ الآذان، إلى قاع المحيط، تصحيفاً لبعض قول الشَّاعر مايكوفسكي!

وكلُّ من كانت تهجس له (الصَّوملة)، في ما مضى، ككابوس مرعب، عليه أن يهيئ نفسه للتعاطي معها، من الآن فصاعداً، كـ (حقيقة) شاخصة، لا كمحض (مجاز) تعبيري .. ولينظر، بعدئذ، ما هو فاعل!



الأحد

رغم موضوعيَّة الحيثيَّات المُعلنة لأسباب الخلاف الدَّموي العنيف الذي وقع، ضمن تاريخ الدَّولة المهديَّة، بين الخليفة ود تور شين وبين الأشراف الذين هم أهل الإمام المهدي نفسه، عليه السَّلام، بل وفيهم، إلى ذلك، الخليفة شريف، خليفة الكرَّار، إلا أن المسكوت عنه، الأكثر صلة بالسايكولوجيا الاجتماعيَّة، وتأثيراتها، في ماورائيَّات ذلك الخلاف، هو ما ظلَّ يشغلني، دائماً، وبوجه خاص.

من بين المصادر القليلة التي ربَّما ألقت بشئ من الضوء على هذه المسألة، وإن بشكل غير مباشر، (مذكرات يوسف ميخائيل ـ التركيَّة والمهديَّة والحكم الثنائي في السودان، شاهد عيان، تقديم وتحقيق د. أحمد إبراهيم أبو شوك، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان 2004م)؛ يقول عن أوَّل مجئ الإمام إلى كردفان، واجتماع الناس إليه زرافات ووحدانا: \"كان الشيخ محمد أحمد جميل الصورة حلو اللسان فصيح في الكلام له جاذبية في الناس. والمعلوم عندنا نحن [أهل] كوردفان أي إنسان يحضر من البحر (يقصد نواحي النيل) كأنه حضر من بيت المقدس الشريف، أو مكة المشرفة، كونه لسان أهل البحر طلق ورطب، وجلدهم أملس. وعموم أهل كوردفان وحولها إلا باره الجسم خشن واللسان تقيل خصوصاً في اللغة العربية، والأسما الوحشة من حِمِّير \"ولد حمار\"، ومَنْ يقول: \"أنا اسمي أبو جعيرين\"، ومن يقول \"أنا اسمي دحيش، والكليب النكدرو\"، وهلما جرا. ناس متوحشين غير أنهم في الكرم والجود أجود من أهل البحر، وأكرم منهم طاقات إذا كان نزلوا ضيفان عند أي واحد منهم، سوى كان عشرة أو عشرين يكرموهم غاية [الكرم] ويفتخروا بالجود، حتى النساء إذا نزلوا عند واحدة حرمه كتير أو قليل تزيد في إكرام الضيوف. وأما أهل البحر وخصوصاً أهل الجديد أو الحلاوين أبخل من كلبت يزيد، إذا نزل الضيف تفادو منه، وعندما ينظروا أي ضيف قادم عليهم يسدوا باب البيت، إلا تقعد في ظل البيت تأخذ راحتك، وتعجل بالسفر. وما زال هذا الكرم عندهم .. إلا عندما ظهرت المهدية من نهب الأنصار ارتفع الكرم\" (ص 42 ـ 43).



***



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1005

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




كمال الجزولي
كمال الجزولي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة