المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (4-9)
قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (4-9)
06-26-2012 12:08 PM

قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان : جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (4-9)

عادل إبراهيم شالوكا
[email protected]

الفونج : الجغرافية والتاريخ :-
منطقة الفونج الواقعة جنوب النيل الأزرق هى إمتداد لتاريخ السلطنة الزرقاء, وتقع فى هضاب سلسلة جبال الأنقسنا وعلى نطاق دائرة محيطها يقارب (40) كيلومتراً, تعيش فيها وحولها مجموعات متفرقة من العشائر, وقد تمت دراسة أصول هذه المجموعات السكانية لأول مرة فى العام 1926م بواسطة عالم الأنثروبلوجيا الإجتماعية - البريطانى ومؤسس قسم الأنثروبلوجيا بجامعة الخرطوم, إدوارد إيفانز بريتشارد, حيث ذكر :
" إن التأثيرات النيلية على الإقليم ظاهرة فى اللغات والشكل المظهرى وثقافة المنطقة ولكن لا يمكن إعتبارهم ينتمون إلى القبائل النيلية (شلك, دينكا, نوير) ولكن يظهرون تشابهاً وتماثلاً نحو سكان منطقة جبال النوبة)".
يطلق السكان على أنفسهم إسم " جوق قام " أى سكان الجبل, ومصطلح الأنقسنا الذى يطلق على سكان كل المنطقة جنوب الفونج هو إسم أطلقه العرب على هذه المجموعات السكانية ويصف إيفانز بريتشارد ذلك بقوله :
سكان جبل تابى لا توجد كلمة فى لغتهم تشمل وصف كل سكان المنطقة أو تعطيهم إسماً . ولكن كل مجموعة تطلق على نفسها إسماً مختلفاً ... ولعدم وجود إسم شامل يبقى من الممكن ان تُرجع إليهم إسماً جماعياً هو الأنقسنا, وقد أطلقه عليهم العرب ".
غير إن هذا الوصف والإسم فى تقديرنا غير دقيق بإعتبار إن مجموعة (الأنقسنا) هى واحدة من المجموعات والعشائر المُكونة لسكان المنطقة, وبالتالى لا يمكن إطلاق إسم الجزء على الكل, بل إن الوصف والإسم الأكثر دقة هو (الفونج) وهو الإسم الذى عُرفت به المنطقة وسكانها تاريخياً وهو الذى يجمع كل العشائر والمجموعات الفرعية الموجودة فى المنطقة وهو يرادف إسم (النوبة) بالنسبة للمجموعات السكانية القاطنة فى منطقة جبال النوبة.
وهضبة جبال الفونج تقع على إرتفاع (300) متر فوق سطح البحر, وتتميز المنطقة بخصوبتها ومعدل مرتفع من الأمطار متوسطة حوالى (900) مليمتر فى الفترة ما بين نهاية أبريل ونهاية أكتوبر وتتميز أيضاً بتوفر الموارد الطبيعية بشكل جعلها فى الماضى والحاضر مركزاً للتنافس حول الموارد وبؤرة ملتهبة للنزاعات, فقد كانت منذ القدم مصدراً للذهب والصمغ والسمسم والثروة الحيوانية والرقيق بواسطة التجار الجلابة وعشائر الفلاتة, وقد شهدت المنطقة نزاعات مستمرة مع قبائل رفاعة الهوى الرعوية ذات الأصول العربية والقبائل الأخرى ذات الأصول الزنجية الوافدة من غرب أفريقيا, فمنذ العقد الخامس من القرن العشرين إزدادت حدة النزاعات بزيادة التنافس حول الموارد المائية والمرعى خاصة مع زيادة الطلب على الأرض للمشاريع الزراعية ومحاجر التعدين. كما عاني فقراء المزارعين في تلك المنطقة من إستغلال تجارة الشيل من الجلابة وغيرهم هذا إضافةً لتدمير البيئة وتقلُص المراعي بسبب الزراعة الآلية العشوائية في المنطقة والتي توسعت بعد العهد المايوى مما أدي إلي شح المراعي والصدامات القبلية بين الرعاة والمزارعينكما نلاحظ أثر طبيعة المنطقة الجبلية في معتقداتهم مثل الجبال الشامخة التي يقدسونها والتي شكَّلت لهم الحماية من هجمات صيادي الرقيق، وزرعوا عليها زراعة المدرجات وبنوا عليها أكواخهم.
الأنقسنا هم أكثر سكان منطقة الفونج دراية وخبرة بشئون الرعي ، غير أن شعب الفونج بصفة عامة ييمارسون الزراعة, حيث كانوا يزرعون علي سفوح الجبال ويقيمون المدرجات لتفادي تعرية التربة، ولكن بعد إنتهاء الرق في بداية فترة الحكم الإنجليزي المصري نزلوا إلي السهول لزراعتها بدلاً من الاعتماد علي زراعة المدرجات ، ويزرعون الذرة والتمباك والشطة والبامية .. الخ . كما يستخدمون أدوات إنتاج زراعية بدائية ويمارسون العمل التعاوني (النفير) عند بداية الزراعة وعند الحصاد، وملكية الأرض عندهم تقوم علي الملكية الجماعية للقبيلة وحق انتفاع كل عضو في القبيلة بالأرض. ويمارسون الصيد ويرعون الماشية التي هي مصدر اللحم واللبن ويرعون الجمال التي تعتبر مقياس الثراء والوضع الاجتماعي، كما يرعون الأغنام, وكانت المنطقة في عهد سلطنة سنار تقع ضمن مملكة فازوغلي التي كانت تتبع رأساً لملوك الفونج في سنار. يقول نعوم شقير:
"كان من ممالك الفونج الهامة مملكة فازوغلي التي قامت في جنوبي مشيخة خشم البحر وإمتدت من الرصيرص إلي فداسي وعاصمتها فازوغلي ، وكان من مدنها المشهورة بلدة فداسي علي نهر يابوس من فروع النيل الأزرق، وكان يأتيها من الحبشة الخيل والحديد والسكاكين والفؤوس والفهود والعسل والبهارات ويأتيها من دار البرتات التبر ودين أهلها الإسلام، إلا أنه كان يسكن بينهم الكثير من سكان دار البرتات وعبدة الأوثان وقد تولي هذه المملكة عائلة من سلالة الفونج وكان لباسهم كلباس ملوك الفونج . وكانت هذه المنطقة تمد سنار بالذهب والعسل والجلود والبغال والسياط والريش والسمسم والرقيق, وكانت منطقة الأنقسنا من أهم مصادر تراكم رأس المال التجاري لسلاطين الفونج وكانت تمدهم بالرقيق والذهب .وفي فترة الحكم التركي والمهدية ظلت المنطقة من مناطق صيد الرقيق ، مما أدي إلي احتماء سكانها بالجبال ، وبالتالي أصيبوا بالعزلة والتخلف وإحتفظوا بكريم معتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم رغم إعتناق بعضهم الإسلام منذ أيام الفونج، .ومن أهم معالم تلك المنطقة جبال (الأنقسنا)، والأنقسنا إسم أطلقه العرب علي المجموعات التي تقطن المنطقة الجبلية ما بين النيلين الأبيض والأزرق في تقاطع خطي 11.30 ْ و 34 ْ شمالاً .(نعوم شقير : ص 127 – 134)
كانت المنطقة تعرف قديماً بالسلطنة الزرقاء قبل أن يتم تغيير إسمها إلى مملكة الفونج وتُسمى أيضاً مملكة سنار وقد إمتد فترة حكمها من عام (1504 -1821م) وكان رئاستها فى سنار وحالياً آثار الفونج معظمها مدفونة فى منطقة تُرعة كنانة بالقرب من (نقطة تفتيش سنار) وهى تعتبر مقابر ملوك الفونج , وقد تم شق ترعتين فى هذه المنطقة هما ترعتى (كنانة /الجزيرة) والهدف من ذلك هو طمس هذه الآثار ومحوها من الوجود, وتوجد حالياً قبة بالقرب من البوابة الرئيسية (التفتيش) وهى جزء من هذه الآثار وبالإضافة إلى ذلك فقد تم التخلص من معظم الوثائق الهامة المتعلقة بتاريخ الفونج , وكان عرب القواسمة بعد تحالف (عمارة دنقس وعبد الله جماع) قد قاموا بتغيير الإسم من السلطنة الزرقاء إلى مملكة (الفونج) بإعتبار أن ذلك أقل وطأةً من (الزرقاء) الذى يُعبر عن هوية المملكة, وبعد سقوط المملكة على يد إسماعيل باشا 1821 م تفرق الفونج ما بين الأراضى الأثيوبية والحدود السودانية المتاخمة لمنطقة بنى شنقول, وكان تحالف المملكة يضم الفونج والهمج والعبدلاب, وهذا التحالف يعد إمتداداً للمملكة من ناحية الشمال حتى الشلال السادس ومنطقة أربجى, وكانت تتبع تاريخياً لمملكة سنار (الدولة السنارية) – أربجى, وكانت للمملكة منطقة عسكرية تنطلق منها كل القوات العسكرية لغزو أى منطقة . آخر حكام هذه الدولة كانوا من الهمج بعد نزع الحكم من الفونج .
ملكية الأرض فى مملكة الفونج :-
كان السلطان فى مملكة الفونج هو المالك الأساسى لكل الأراضى وكان من وظائفه قطع الأرض وتحديد كيفية إستغلالها , وكانت هذه الإقطاعات تهب لأعيان الدولة أو للسلطان نفسه أو شيوخ الطرق الصوفية ,وفى كل حالة يحدد الخراج أو الإعفاء منه , هذا فيما يختص بالأراضى التى تزرع بأساليب مختلفة سوى بالرى الإنسيابى أو الرى المطرى أو الرى بالسواقى . أما أرض المرعى فهى لتربية الحيوان لا الفلاحة , فعلاقة الملكية هنا جماعية بحكم ظروف المرعى فالأرض مفتوحة للقبيلة كلها , أى إن العلاقات القانونية هى ان الأرض ملك للجماعة أو القبيلة كلها وهى مسؤولة عن حمايتها من تغول القبائل الأخرى سواء كان بالنزوح الدائم إليها أو النزوح من أجل المرعى , وتوضح الوثائق التى نشرها وحققها د/ محمد إبراهيم أبو سليم و د/ ح .ل . سبولدنق عام 1992 وعددها (44) وثيقة وصدرت عن دار النشر بجامعة الخرطوم بعنوان (وثائق من سلطنة سنار فى القرن الثامن عشر) , كيفية تمليك الأرض فى مملكة الفونج , ومن تلك الوثائق يتضح الآتى حول ملكية الأرض فى السلطنة الزرقاء :
1/ هناك الأراضى التى كان يمنحها سلاطين الفونج للشيوخ والفقهاء وهى معفية من الضرائب بأنواعها المختلفة الشرعية والعرفية.
2/ التمليك له صفة مستديمة تستمر طيلة حياة الشخص صاحب الملكية وتمتد إلى ورثته أو إلى ذرية المالك , كما يرد فى الوثائق (إلى أن يرث الله الأرض وما عليها).
السكان :
ينقسم السكان فى النيل الأزرق إلى المجموعات السكانية التالية :-
(الهمج / البرتا / البرون / الأنقسنا / الرقريق / الكوما / القنزا / القُمز / الكماتير / الجبلاوين / الوطاويط / سركم / فانزيقر / الدوالا / الأدوك / الجمجم / الكدالو / أبو رملة / القباوين / بالدقو / سيلك) وجميعها مجموعات زنجية تتحدث لغات خاصة – حوالى (0 8 % ) يتحدثون لغة البرتا .
1/ مجموعة البرتا : يتفرعون إلى أكثر من (100) قبيلة تبدأ أسمائها بحرف الفاء (فالبود – فاطوقا – فاسنجى – فادول – فاشورو – فازوغلى – الكرمك – كيلى - قيسان – جبال أمورا – فانزيقر - ود الماحى وهى المنطقة التى سكنها التجار اليعقوباب وسموها بهذا الإسم) وتقع مناطقهم على محازاة النيل وجنوب النيل الأزرق وهى تمتد من ديزا والرصيرص شرقاً حتى منطقة قيسان على الحدود الأثيوبية بالإضافة إلى الشريط الشرقى لمحلية الكرمك.
2/ الهمج : تتمركز شمال وجنوب النيل وغرباً وشرقاً على الإمتداد الشرقى للولاية حتى الحدود الأثيوبية فى قرية مقنو ولديهم إمتدادات داخل أثيوبيا فى قرى فاولنسا وإمتدادات مع ولاية القضارف فى مجموعة من القرى مثل تابا وفى ولاية سنار منطقة جبل موية ومدينة الكيلى وقيسان فى النيل الأزرق فى جبل ترناسيه وأهم المدن التى يتمركزون فيها أيضاً الرصيرص والدمازين والكيلى – أقدى – دندرو .
3/ مجموعة البرون : وتتكون من ثلاثة قبائل رئيسية (الأدوك – البرون – الجمجم) وتقع مناطقهم فى ثلاثة جبال تقع على الشريط الغربى لمحلية الكرمك فى الحدود مع دولة الجنوب ومجموعة الجمجم تتحدث نفس لغة المابان مع وجود إختلافات طفيفة .
4/ الكوما والقنزا : ويمثلون أحد المكونات الرئيسية لجنوب النيل الأزرق وعمدتهم يدعى عويسا مادى وهو من الذين ساهموا برسم حدود السودان مع أثيوبيا وكان قد تم تكريمه بواسطة الدكتور / جون قرنق ومن أهم مناطقهم (دوقابلى – إشكب – تارسوما – كوندولو – شفكا – قوشا) وتتواجد هذه المجموعة جنوب نهر يابوس وفى الضفة الشرقية لنهر يابوس.
5/ الرقريق : وتضم فى داخلها مجموعتين صغيرتين ومعظم مناطقهم تبدأ بحرف الباء ( بلاقولا – بلونق - أباقونا – أبانجلولو – أكليلى – كرنق كرنق – مياس - شيتيو) ومناطقهم توجد فى شريط بين منطقتى البرتا والأنقسنا.
6/ الأنقسنا : يتواجدون فى منطقة جبال الأنقسنا جنوب غرب الدمازين وهى مجموعة رعوية تقطن فى مناطق ( الباو / سودا / بالدقو / أبو قرن / قبانيت) .
7/ القُمز : يتواجدون فى المنطقة الشرقية شرق الرصيرص (باميزا – المهل – يابجر – ياكورو) ومعظم أراضيهم تجاور أثيوبيا ويجاورون كذلك قبائل الهمج والكماتير والجبلاوين جنوب فازوغلى.
8/ الأدوك : تتمركز هذه المجموعة فى الجنوب الشرقى لمدينة الكرمك ومناطق (شالى / يابوس / سودا).
9/ سركم : تتمركز فى قرية سالى وسركم .
10/ الكماتير : شمال الرصيرص والدمازين وأهم مناطقهم ( بروس / الجرف / والديسا / شمال الدمازين.
11/ الكدالو : تقطن منطقة الكدالو شرق محلية الرصيرص مع الحدود الأثيوبية فى مناطق (بالدقو / سيلك) وهى واحدة من مجموعات الأنقسنا والقباوين .
12/ أبو رملة : وهى مجموعة صغيرة تتمركز حول الحدود الأثيوبية وأهم قراهم قرية مقنو .
((والجدير بالذكر إن هذه المجموعات غير مُمثلة فى حكومة الولاية الحالية سوى بنسبة لا تتجاوز ال(5 %)..!! )).
وقد دخلت بعض المجموعات السكانية إلى الإقليم حديثاً مثل : الجعليين – الركابية والعركيين وأولاد ود أم برور – العقليين بالإضافة إلى مجموعات الفلاتة (الهوسا – الأمبررو – البرنو - ويلا قمبا – فوطا) وقد وفدت هذه المجموعات من غرب أفريقيا وإستقرت فى المنطقة وإستمرت أعدادهم فى الزيادة مع بدايات المشاريع الزراعية خلال فترة الإستعمار البريطانى, وقد إمتهن بعضهم الرعى, بالإضافة إلى بعض النوبيين الذين أُعيد توطينهم فى منطقة حلفا الجديدة عند تشييد السد العالى فى أسوان.
الشركات والمشاريع الزراعية – أرضٌ لغير أهل الأرض:
بدأ إدخال الأساليب الآلية فى المناطق المطرية لإنتاج الذرة أثناء الحرب العالمية الثانية بمنطقة القدمبلية بإستثمار حكومى للتعرف على طبيعة العمليات الزراعية أعقبها خلق نظام منح المشاريع ذات ال(420) هكتاراً – حوالى (1,000) فدان بهدف التوسع فى الزراعة وقد كانت الدولة تهدف إلى منح حق الإنتفاع بالأرض لفئات إجتماعية مقتدرة ومحددة, من دون إعتبار لما قد يترتب على ذلك من حرمان لغالبية سكان المنطقة الأصليين, فطبيعة القرارات كانت تستند إلى دوافع سياسية وإقتصادية تعارض نمط حياة سكان المنطقة وكان المستفيدين من هذه المشاريع من خارج المنطقة أتوا بهدف تحقيق أقصى ربح فى هذه الأراضى البكر, بإستعراض سريع لنماذج المشاريع الزراعية فى المنطقة نرى حجم الظلم الذى لحق بحقوق وموارد المجتمعات فى المنطقة, فمشروع (الشركة السودانية – المصرية للتكامل الزراعى) الذى يقع فى الجزء الغربى من الهضبة الأثيوبية إلى الجنوب الشرقى من مدينة الرصيرص على بعد 60 كيلومتر من الخزان, ويبلغ مساحته (84,4) هكتار – حوالى (200,000) فدان (أى ما يفوق مساحة البحرين), أنشأ عام 1975م وباشرت نشاطها منذ مطلع العام 1976م وقد تخصص فى زراعة محاصيل نقدية هى : القطن والسمسم وعباد الشمس والذرة, فقد قامت الشركة بإيجار أراضى المشروع لبعض الشركات الخاصة (شركة زيوت الشيخ مصطفى الأمين) الذى منحت لها حوالى (134) ألف هكتار – حوالى (317,000) فدان وهى مساحة تفوق مساحة مشروع الرهد الزراعى الذى يعيش فى ربوعه (10,000) أسرة. أما الشركة الثانية فهى (شركة الدمازين للزراعة والإنتاج الحيوانى) التى تقع فى مساحة (42) ألف هكتار – حوالى (100,000) فدان, بدأ العمل فيها موسم عام 1979م فى منطقة تقع على بعد 96 كيلو متراً إلى الجنوب الغربى من مدينة الدمازين, وهى إحدى الشركات التابعة لدار المال الإسلامى لصاحبها الأمير السعودى محمد الفيصل, تقوم بتمويل عملياتها الزراعية مجموعة بنك فيصل الإسلامى بالسودان ومصر, وتم تأسيسها بتسهيلات وإعفاءات جمركية وضرائبية بإعتبارها شركة رائدة فى مجال العمل "العربى المشترك" ..!! . يقول الدكتور / محمد سليمان (السودان : حروب الموارد والهوية) :
لم يكن هذا المشروع أول مثال للإستثمار العربى فى السودان بل كان أول عمل تضامنى يقوم به القطاع الخاص العربى فى مجال الزراعة الآلية . لذلك إعتبرت الشركة نفسها فى خط الدفاع عن " موارد البلاد " فى مواجهة التمرد الذى حدث فى المنطقة مثلما فعلت شركة الشيخ مصطفى الأمين وما قدمته لدعم للقوات المسلحة بالآليات والعربات والوقود أثناء عمليات الكرمك وقيسان ..!! .
وهذا فى تقديرنا تحالف "عربى" صريح لإستنزاف وإستغلال موارد المناطق المهمشة فى السودان, لذلك لم نكن مندهشين طيلة فترة الحرب الأولى (1983- 2005م) عندما كانت الحكومات السودانية تستنفر الدول العربية فى مواجهتها للحركة الشعبية لتحرير السودان بإعتبار إن "العروبة والإسلام" فى خطر ..!! . وقد نتج من توسع مشاريع الزراعة الآلية السريع فى المنطقة بروز المعارضة المنظمة من المزارعين التقليديين, عبرت عن ذلك تنظيماتهم العشائرية من خلال إحتجاجاتهم المتكررة ومعارضتهم لسياسة توزيع الأراضى (مشاريع – مناجم) وما ترتب عن ذلك من أضرار بثرواتهم ومصالحهم المباشرة . فقدمت مذكرات إحتجاجية للسلطات المعنية على المستويين المحلى والقومى . منذ العام 1974م تم تخصيص أكثر من 5 ملايين فدان (2,1) مليون هكتار (ما يعادل مساحة دولة إسرائيل) للشركات والأفراد ولو كانت هذه الشركات والأفراد يعملون من أجل مصلحة البلاد لأصبح السودان سلة غذاء العالم حسب الشعارات التى كان يطلقها الرئيس الأسبق جعفر نميرى ولكنها كانت مشاريع للمنفعة الخاصة إستفاد أصحابها من الإعفاءات الجمركية والضرائبية مما تسبب فى تخريب الإقتصاد الوطنى والخزينة العامة فى الوقت الذى أضرت أيضاً وتعارضت مع حقوق السكان المحليين.
إزاحة وإحلال : (Displacement & Replacement):
المنطقة الغربية من ولاية النيل الأزرق هى الأكثر تأثراً بسياسة الإزاحة و الإحلال (إزاحة المجموعات السكانية بالقوة وتوطين مجموعات بديلة فى أراضيهم) بالإضافة إلى الدمازين على إمتداد النيل الأزرق حيث تم توطين الفلاتة من شمال الحدود مع سنار وحتى الحدود مع أثيوبيا, وسياسة توطين هذه المجموعات الهدف منها سهولة السيطرة على هذه الأراضى من قبل النُخب الحاكمة بإعتبار إنهم لا يملكونها أصلاً وبالتالى لا يعنيهم كثيراً فقدها أو إستثمارها بواسطة النخبة المركزية ولا يقاومون ذلك مثل المجموعات السكانية الأصلية , وكان المؤتمر الوطنى قد قام عبر الوالى عبد الرحمن أبو مدين وهو الوالى الذى سبق مالك عقار فى حكم الولاية , بإقتطاع جزءاً من مناطق محلية الدمازين وجزء آخر من المناطق التابعة لمحلية الباو (وهى أراضى تابعة لمجموعة الأنقسنا) وقام بإنشاء محلية جديدة فى هذه الأجزاء المقتطعة سُميت بمحلية (التضامن) وتم تخصيص هذه المنطقة للمجموعات الوافدة غرب السودان إلى النيل الأزرق ومعظمها مجموعات مُترحلة كانت فقط مستخدمة للأرض (رُعاة) ولكنهم أصبحوا الآن مُلاكاً للأرض ويتواجدون أيضاً فى مناطق ( ود أبوك – قُلى – رورو – المزموم – بوط – أقدى ) وهؤلاء تم توطينهم فى فترة ما يسمى بالديمقراطية الثالثة (86 – 1989م) بواسطة الشركة العربية وهى شركة زراعية تتبع لحزب الأمة , وهذه المجموعات هى مجموعات موالية للمؤتمر الوطنى ويسهل إستخدامها لتنفيذ مُخططات الحكومة المركزية خاصة فى فترات الحرب حيث يتم تكوين غالبية قوات الدفاع الشعبى والمجاهدين منها , بالإضافة إلى إعتبارها قوة إنتخابية تقليدية للمؤتمر الوطنى وموالية تاريخياً للحكومات المركزية والأحزاب التقليدية والنُخب الشمالية الحاكمة , فتم إعطائهم هذه المحلية وما يصاحبها من سلطات ونفوذ على الأرض وتمثيل فى حكومة الولاية , ومنذ أن إندلعت الحرب فى النيل الأزرق فى سبتمبر 2011م سارعت الحكومة بتكوين كتائب المُجاهدين ومليشيات الدفاع الشعبى من هذه المجموعات لقيادة الحرب ضد قبائل الفونج بإعتبارها موالية للحركة الشعبية وهى المُكوَّن الرئيسى لمقاتلى الجيش الشعبى لتحرير السودان فى النيل الأزرق , وقام المؤتمر الوطنى بإغرائهم ومكافأتهم بتمثيلهم بصورة لم تحصل من قبل فى حكومة الولاية بقيادة اللواء معاش / الهادى بشرى والذى هو نفسه من أبناء الشمال , حيث بلغ نسبة تمثيل المجموعات الوافدة إلى النيل الأزرق أكثر من 75 % فى حكومة الولاية ( 13 وزير ومعتمد من جملة 16) الأمر الذى أثار حفيظة السكان الأصليين وأبناء الفونج فى المؤتمر الوطنى , وكان الدكتور / ياسر محمد عامر وهو أستاذ بجامعة النيل الأزرق قد نظَّم مؤتمراً صحافياً هاجم فيها تشكيل الحكومة ووصفها بالحكومة (مجهولة الأبوين) ووصف الولاية بإنها قد (سُرقت بواسطة الغرباء) وتم تشكيلها بواسطة جهاز الأمن وبتجاوز للمؤسسات التنظيمية للمؤتمر الوطنى فى الولاية, و منذ إندلاع الحرب فى سبتمبر 2011 تم حرق العديد من القرى والمدن فى ولاية النيل الأزرق , ومن أهم المناطق المتأثرة : القرى جنوب وغرب الدمازين / جنوب وشمال الرصيرص / قرى ديوا – الكرورى شمال الرصيرص / مناطق الكماتير / قرية الرقيبة / السنجك نبك / كرما وأم درفا / معظم مناطق الهمج / مناطق الكدالو بكامل قراها / قرية بجاوى والديسا, وقد تم توطين قبائل الفلاتا والهوسا والأمبررو فى هذه المناطق قبل الحرب وحتى بدايتها ومن بعدها.

تابع فى المقال القادم :
- جبال النوبة – السكان.
- ملكية الأرض وإستخداماتها.
- الحروب – إستراتيجية مستمرة.
- المشاريع الزراعية : أرض لغير أهل الأرض.

- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :
ADIL.jpg


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1959

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#408583 [أب احمد الجسور]
5.00/5 (1 صوت)

06-27-2012 02:36 PM
نشكر الاخ عادل ابراهيم على السرد الطويل الا اننى ارى من هذاتاصيل للعنصرية البغيضة والافكار الهدامة التى لاتخدم المواطن المغلوب على امره. ان كنت ناظرا للعالم من حولك فلا تجد من يتكلم عن القبلية الا ذوى المفاهيم الضيقة ولا اجد فرق بينك وبين سياسة الانقاذ اذ انكم جمعا تكرسو سياسة فرق تسد.


عادل إبراهيم شالوكا
عادل إبراهيم شالوكا

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة