المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مرافعة ضد ثلاثة وعشرين عاماً .. مُنع من النشر بقلم: عمر الدقي
مرافعة ضد ثلاثة وعشرين عاماً .. مُنع من النشر بقلم: عمر الدقي
06-27-2012 08:30 PM

مرافعة ضد ثلاثة وعشرين عاماً .. مُنع من النشر

عمر الدقير
[email protected]

بحلول ليل الثلاثين من يونيو الحالي تكون ثلاثةٌ وعشرون عاماً حسوماً قد انسلخت من أعمار السودانيين وهم يرزخون تحت حكم نظام "الإنقاذ" العضود.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً، اندفع فيها قطار الحكم "الإنقاذي" بقوة القهر حاملاً معه أختام الأحزان المديدة وجالباً معه سيلاً من الدمار والخراب، يجرف الفرح ويجتاح الأمل ويأسر الأشواق ويصادر الحرية ويغتال الكرامة ويعاند بيض الأيام وحلوها، يزرع البؤس والغمة والكمد وينشر الفقر والخوف والعناء والشقاء.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً، تمددت فيها خيوط الدِّماء والدموع .. بدأت بمجدي محجوب ذلك الفتى الذي "ترامى قُبيلَ احتدامِ الشّفقْ .. إلى سجنِ كوبرَ حيث شُنِقْ"، كما يقول محمد الواثق في رثاء صديقه جوزيف قرنق، اهتزَّت لموته أعواد المشنقة واهتزَّ معها كلُّ ضميرٍ حيّ، لكنّه لم يكن كافياً لأن يهزَّ شعرةً في أجسام الجلادين، فعلقوا من بعده جرجس وأركانجلو على أعواد ذات المشنقة بذات الفعل الذي أباحوه بعد أمدٍ قصير، مثلما أباحوا فعل الإنقلاب لأنفسهم ثم عادوا وأزهقوا بمجرد محاولته أرواح ثمانية وعشرين ضابطاً "عدِموا القبرَ والنائحه .. وأُلْحِدوا في التُرْبِ كيف اتفقْ"، بعد أن ثقَّبت زخَّات الرصاص صدورهم في خواتيم شهر رمضان المبارك وعلى بعد خطواتٍ من فرحة ذويهم بالعيد .. ولم تنقطع تلك الخيوط بآخرين سقطوا مضرجين بدمائهم في ساحات التظاهر وهم عزَّلٌ إلّا من هتافٍ يخرج من حناجرهم طلباً لحقٍ سليب أو احتجاجاً على واقعٍ كئيب.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً، تحول فيها الناي إلى عصا وجذع النخلة إلى كعب بندقية وخسر الورد لونه ورائحته لمصلحة الدَّمِ والبارود، والحرب لا تهدأ في رقعةٍ من الوطن إلّا لتستعر في رقعةٍ أخرى، لأن الحكمة غادرت العقول ومياه الحياة تسربت من بين الأصابع وأصبحت قعقعة السلاح هي لغة الحوار والتفاهم، حتى لو كان القاتل هو توأم المقتول والمنتصر شقيق المهزوم.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً، تقاصرت فيها الدولة عن مسؤولياتها في الرعاية الاجتماعية وأطلقت العنان لمؤسسة الفساد وسياسة التحرير الاقتصادي غير الرشيدة لتطحن الفقراء بلا رحمة وتعصف بالطبقة الوسطى بلا هوادة .. وإن ينسَ السودانيون فإنهم لن ينسوا حيناً من الدهر أتى عليهم تم فيه منع الأمهات من دخول غرف عمليات الولادة في المشافي العامة بحجة عدم دفع الرسوم وطُرد التلاميذ من قاعات الدرس بالحجة ذاتها، وشهق مرضى الحالات الطارئة شهقتهم الأخيرة لأنهم لم يستطيعوا سبيلاً إلى تلك الرسوم ولم يملكوا شَرْوَى نقير لشراء الأدوية المنقذة للحياة بعد أن خلت منها المشافي العامة.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً، سيق فيها ملايين السودانيين زمراً إلى شتات المنافي يتيهون في دروب العالم، لا موسى لهم ولا هارون، بحثاً عن ملاذٍ آمن وعيشٍ كريم بعد أن سُدَّت في وجوههم أبواب الكسب الشريف بسبب التدهور الاقتصادي وسياسة التمكين وانعدام فرص المنافسة العادلة وتفضيل الولاء على الكفاءة .. والأمهات هناك في صقيع المنافي يدفعن للحياة بمواليدَ جدد لم ينعموا بدفء أحضان الأجداد ولم يسمعوا حكاوي الجدات ولم تهدهد مهودهم الخالات والعمَّات، ولا يدرون ما المنفى وما الوطن.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً، أقْحَلَت وطناً كان مرتعاً خصيباً للفضائل والمكرُمات، وأصابت نسيجه القيميّ بقَحْطٍ شديد لمصلحة نوازع الاحتكار والذرائعية والانتهازية وشحِّ الكوابح الأخلاقية، ونقضت نسيجه الاجتماعي أنكاثاً وأسلمته لمُمكنات التحلل والتذرر واللواذ البغيض بالقبلية والجهوية وسائر الهويات الصغرى.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً، أوصلتنا إلى قمة الفشل التاريخي وذروة الوجع الوطني بفقدان الجنوب إنساناً وأرضاً وموارد .. وما زال سيف التقسيم مشهراً يتهدد ما تبقى لنا من أرض، حتى لم نعد نمشي في مناكبها واثقي الخطى ولا ندري هل ما نتعثر به حبالٌ أم ثعابين.

ثلاثةٌ وعشرون عاماً من مهرجانات الحشد والخطابة والكلام الكذوب باسم الدِّين والوطن والصالح العام، والشعارات التي وعدت بمدينة فاضلة كذَّبها الواقع .. فلا الفقر لملم أطرافه ورحل، ولا السلام تحقق، ولا التماسيح عن المال العام عفَّتْ، ولا ملجأ المايقوما للأطفال أُغْلِق، ولا غرفة التوقيف هُدمتْ، ولا كمُّ الأفواه توقف، ولا الحرية ألقت عصاها واستقر بها النوى.

القائمة طويلة وموجعة، لكنَّ ذلك كله لا يعني هزيمةَ الإرادة الشعبية أمام تحدي التغيير .. فما تاريخ الشعوب إلاّ جدلٌ محتدمٌ بين التحدي والاستجابة، وما مِن شعبٍ ظلّ مقهوراً للأبد .. والليل مهما تطاول فهو زائل والطغيان مهما تعاظم فهو عابر، وإرادة الشعوب مهما عصفت بها موازين القوة العمياء فهي باقية وقادرة على شقِّ الدروب نحو المستقبل المحمَّل بالحرية والعدالة والعيش الكريم.


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2108

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#409895 [السناري]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2012 05:06 PM
باشمهندس عمر لك التحية على التسلسل الرائع لا كسر اللة قلمك


#409470 [ابوبكر]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2012 11:08 AM
"والأمهات هناك في صقيع المنافي يدفعن للحياة بمواليدَ جدد لم ينعموا بدفء أحضان الأجداد ولم يسمعوا حكاوي الجدات ولم تهدهد مهودهم الخالات والعمَّات، ولا يدرون ما المنفى وما الوطن"

من أروع ما جاء في مقالك فما أعمقه من تعبير وبعد نظر


#409345 [راجى الفرج]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2012 09:32 AM
اللهم انصر هذا الشعب الصابر على هؤلاء الظلمة الافاكين مصصاصى الدماء واى دماء هى انها دماء الفقراء والمساكين اللهم عجل لنا بيوم الفرج اللهم ارنا فيهم يوم اسود عبوس قمطريرا اللهم افقرهم طما افقرونا اللهم احسيهم عددا واقتلهم بددا ولاتغادر منهم احدا


#409168 [الزهجان ..وجاهز..]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2012 02:01 AM
والله انها حقا معزوفة على وتر الحرف ، تصدح بصوت الواقع سردا عبر نوتة المراحل في تسلسل مدوزن، لله درك من عازف بالفكرة ..والصورة استاذ عمر ..


#409046 [سوداني متقاعد]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2012 10:52 PM
لقد سمعت الجيد عن صاحب هذا المقال عمر الدقير والذي هو اخ لجلال الدقير ولكنه على النقيض مازال قابضا على جمر القضية رافضا التلوث بمال الشعب وان اتى عبر قرابة. التحية له.


#408996 [محمد أحمد الريح]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2012 10:15 PM
كفيت وأوفيت بمقالك الجميل.جزيت خيراً. دولة الظلم ساعةوستذهب الإنقاذ بإذن الله إلى مزبلة التاريخ.


عمر الدقير
عمر الدقير

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة