المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
إنتبهوا : بيع الحكومة للأملاك العامة, مقدمة لإستعمار جديد
إنتبهوا : بيع الحكومة للأملاك العامة, مقدمة لإستعمار جديد
06-29-2012 10:58 PM


إنتبهوا : بيع الحكومة للأملاك العامة, مقدمة لإستعمار جديد

رشيد خالد إدريس موسي
[email protected]

قرأت خبراً في صحيفة الراكوبة, بتاريخ الخميس 28/06/2012م, و عنوانه ( وزير النقل ينعي سودانير و يعترف ببيع 15 باخرة و سفينتين معروضتين للبيع ). يعني هذا التصرف, أن الحكومة الحالية مقبلة علي عملية بيع للأملاك العامة Domains و ذلك بهدف تمويل الخزينة العامة التي أصبحت خاوية. ليس لدي تفسير غير هذا.الحجج التي قيلت أن المؤسسات التي بيعت خاسرة. لكن لا يعني خسران هذه المؤسسات التي بيعت, أن تفرط الحكومة في المؤسسات , ذات الطبيعة الإستيراتيجية, مثلما حدث لسودانير, الناقل الوطني, الذي نعاه وزير النقل, مثلما نعي وزير آخر, مشروع الجزيرة. و عندما ينعي هذا الوزير أو ذاك , قطاع إستيراتيجي, مثل الناقل الوطني,فإنه ينعي بلد بدأ يتآكل من أطرافه و من داخله. و يعني هذا , أن بلدنا سيكون مهدداً في سيادته يوم ما, حين يأتي الأجنبي و يقول , هذا حقي إشتريته بحر مالي و هذا ما يثبت ملكيتي لهذا الشئي. و يعني هذا التصرف, أن حكومتنا السنية وقعت في كماشة العولمة, و التي تهدف إلي خلخلة مفهوم الدولة القطرية و فقدانها لسيادتها.
الأمر خطير و شواهد التاريخ تشير إلي هذا. كان سعيد باشا, والي مصر ( 54 - 1863م ) و من بعده, الخديوي إسماعيل باشا ( 63- 1879م ), قد عقدا قروضاً بمبالغ مالية ضخمة و بفوائد عالية, مع بعض البنوك الأوربية, و ذلك بهدف إنجاز بعض مشروعات التنمية في مصر, في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي و ذلك بسبب إنخفاض أسعار القطن في السوق العالمي. كان أن تراكمت الديون و فوائدها. عجزت الحكومة المصرية عن تسديد هذه الديون للبنوك الأوربية, الأمر الذي دفع الحكومة المصرية إلي بيع أسهم مصر, في قناة السويس و رهن بعض الأصول العامة. و لما تأزمت الأمور, وقعت مصر, تحت الوصاية الأجنبية, و منح الأجانب المقيمين في مصر, ما سموه الإمتيازات الأجنبية Capitulations , و هي إمتيازات تمنح الأجنبي المقيم في مصر حقوقاً, أكثر من الوطنيين. من ذلك عدم مثول الأجنبي أمام المحاكم الوطنية. و عندما تأزمت الأمور, وقعت مصر تحت الإحتلال الأجنبي في عام 1881م.
و شاهد آخر من فلسطين, التي وقعت تحت الإحتلال اليهودي, في عام 1948م. كان صدر وعد بلفور في عام 1917م, و هو وعد بإنشاء كيان لليهود في فلسطين. و قبل صدور هذا الوعد, وفد اليهود إلي فلسطين و أخذوا في شراء الأراضي من أهل البلد و بأسعار عالية, أغرت السكان علي البيع. و عندما حانت ساعة الصفر, ذبح اليهود الفلسطينيين في دير ياسين في عام 1948م, و أجبروهم علي مغادرة بلدهم , حيث تشتتوا في الآفاق و هم يلعقون جراحهم. الفلسطينيون الذين لجأوا إلي لبنان في عام 1948م, حملوا معهم مبلغ خمسة عشر مليون جنيه إسترليني, و هو عائد بيع أراضيهم لليهود. عمل الفلسطينيون علي إعمار هذا البلد الذي كان عبارة عن قري و منتجعات سياحية. و بعد سنين قليلة, صارت بيروت تعرف بباريس الشرق. لكن ما هو حال الفلسطينيون في لبنان اليوم ؟ هم يقيمون في مخيمات اللاجئين و يترصدهم اليهود, أينما حلوا. أسس سعيد بيدس, و هو شاب مسيحي من القدس, بنك إنترا و شركة طيران الشرق الأوسط. نجح هذا البنك نجاحاً منقطع النظير. و في سنين قليلة إستحوذ علي أصول ضخمة, داخل لبنان. لكن تآمر عليه اليهود و بعض المسيحيين وورطوه في قروض مع البنك الدولي, فكان أن إنهار هذا البنك في عام 1967م , و هي أغرب عملية إنهيار مالي في التاريخ الحديث , إذ إندفع المودعون و سحبوا أرصدتهم, عندما سمعوا نبأ إفلاس البنك. أما شركة طيران الشرق الأوس, فقد إشترتها الحكومة اللبنانية. أما الفلسطينيون الذين لجأوا إلي الأردن, كانوا أحسن حالاً من غيرهم, إذ منح عرب 1948م, الجنسية الأردنية و أصبحوا مواطنين و عملوا علي إعمار هذا البلد. لكن رغم هذا, يشعر الفلسطيني, أنه مجروح في كرامته, لضياع أرضه و طرده من بلده.
هل سيصبح المواطن السوداني غداً, مثل هؤلاء و أولئك ؟ كيف سيكون شعور المواطن, عندما يذهب إلي شارع النيل, في الخرطوم , ليستنشق هواءً عليلاً, و يجد أن الأرض التي يجلس عليها قد بيعت و هي مملوكة لأجنبي؟ و لماذا تنقل الوزارات و المصالح الحكومية إلي الصحراء, شمال أم درمان, و يباع وسط البلد للأجنبي؟ و بأي حق تباع الأصول العامة للبلد؟ و لماذا تفرط الحكومة في المرافق الإستيراتيجية, مثل سودانير و الخطوط البحرية السودانية , و هي تعلم أن هذه المرافق من رموز السيادة الوطنية ؟.
إن سياسة الخصخصة و رفع يد الحكومة عن إدارة المرافق العامة Deregulation , هي من إفرازات العولمة. نعم هي سياسة تهدف إلي رفع كفاءة الأداء, لكن أين الجانب الأخلاقي في المسألة؟ لم تمض غير عشرة سنين, حتي بانت عيوب هذه السياسة و مفاسدها, و التي تمثلت في إفقار الشعوب و هي أصلاً فقيرة. هذا هو الهدف من هذه السياسة, أي إفقار هذه الشعوب و تهميشها و إبقاؤها في حالة تبعية للأجنبي.
إن الإتجاه الذي يرمي إلي بيع الأملاك العامة للبلد, هو إتجاه خطير. و يعني هذا أننا سنصبح غداً, غرباء في بلدنا. نعمل أجيرين تحت رحمة الأجنبي, و لاحق لنا إلا في دراهم معدودة يرميها لنا هذا الأجنبي. هذه جريمة في حق هذا البلد و هذا الشعب السوداني, و لابد من أن يخضع مرتكبوها للمساءلة. و لا يظنن أحد, أن المسألة مجرد عملية بيع, بغرض الإستثمار, حيث المكاتب الأنيقة و المظاهر الشكلية. هي عملية تهدف إلي الإستحواذ علي مقدرات البلد في الأجل الطويل. سيقول لك هذا المستثمر الأجنبي غداً, إني جئت إلي بلدكم ووجدت أرضاً قفراً و إستصلحتها و إستعمرتها, فهي ملكي, ماذا بك؟. من الإستيراتيجيات الخطيرة, في مجال الإدارة الدولية, ما يسمونه, إستيراتيجية الأرض اليباب Greenfield strategy. و تعني أن يأتي المستثمر الأجنبي و يحصل علي الأرض و يعمل علي إعمارها. و قد يوظف أهل البلد بإجور متدنية, و قد يستقدم عمالة أجنبية, في حين أن أهل البلد يعانون من التعطل. هذا هو الإتجاه الذي يعمل به في الإستثمارات الأجنبية, في هذه الأيام. هي عملية إستنزاف لموارد البلد و هي إستثمار سالب.
مرحباً بالتعاون الدولي , الذي يراعي المصالح العليا للدولة و يحفظ حقوق الأطراف المتعاقدة , مثل المشروعات المشتركة Joint venture و منح تراخيص الإستثمار Licensing و غيره من الإستيراتيجيات التي تهدف إلي تعظيم العائد الإقتصادي في إطار المصلحة المشتركة, و لا لبيع الأملاك العامة.
نأمل أن ينتبه أولي الأمر قبل فوات الأوان و يعيدوا النظر في هذه السياسة, التي لن تجلب لنا غير الوبال.


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2646

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#411614 [كشندكي]
0.00/5 (0 صوت)

06-30-2012 07:38 AM
فعلا مشكلة تؤرق كل الاحرار في هذا البلد وليس هنالك من حل الا مواجهة المشترين عبر الاعلام الدولي وتحذيرهم من مغبة ذلك


#411591 [سودانى شديد]
0.00/5 (0 صوت)

06-30-2012 05:59 AM
السيد رشيد المحترم جدا
و نحن نستنشق نسيم الحرية و نستشرف عصرا جديدا أشكر لك إثارتك لهذه القضية القديمة الجديدة و هى ضياع الموارد الرهيبة التى تذخر بها بلادنا و عدم القدرة على إستثمارها بالصورة المثلى التى تكفل الرفاهية لهذا الشعب العظيم المالك الحقيقى لتلك الثروات.
لعلك طرقت بابا أصر الجميع منذ الاستقلال على تركه مغلقا و لكن اليوم سنقول كل شئ و نخرج كل ما فى جوفنا ، هذه البلد تتعرض لمؤامرة ضخمة لشيئين فقط هما (المياه و الأراضى الخصبة) فهم لا يهتمون ببترول و معادن و خلافه و لكن يصدرون العقوبات و يضعون الحواجز أمامها حتى لا تذهب عوائدها للزراعة و التأمين الغذائى للمنطقة بأثرها ، لا يتحقق ذلك إلا بإمتلاك تلك المشاريع و المناطق المهمة فى البلد ذات البعد الإقتصادى و الإستثمارى فالبترول مملوك بالكامل للشركات الأجنبية و كذلك المنشآت المصاحبة له كما حدث أخيرا فى بيع مصفاة الجيلى ، مربعات الذهب مملوك لأفراد يصرون بغرابة على عدم الإنتاج التجارى ، أغلب الأراضى الزراعية مملوكة لأجانب ، شركات الإتصالات مملوكة لأجانب ناهيك عما يحدث فى سودانير و سودانايل و غيرهما.
كل ذلك ورائه أشخاص فى الداخل يؤدون عملهم بكل دقة حتى لا نستفيد من ثرواتنا و هؤلاء الكيزان هم شر من يقومون بتلك المهمة لذلك تجد التعامل الفاتر مع الثورة السودانية من كل الأطراف الخارجية و كل المناشدات لا تتعدى نطاق حقوق الإنسان المهدرة تماما منذ 23 عاما هنا.
هذه الثورة ليست بالبساطة التى نتصورها فنحن نواجه عصابات كبرى و حتى لو ذهبت الإنقاذ غير مأسوف عليها فهم لديهم البديل لها و هم مجهزين لذلك فقد إحتضنوهم و ربوها و أعطوهم جوازاتهم بجنسيات جديدة تسهل حمايتهم ، يجب علينا الإنتباه جيدا حتى لا تسرق الثورة و أن لا نركن للسياسيين السودانيين الفاشلين رغما عن أننا نحتاجهم فقط لإعطاء الدعم السياسى اللازم لثورتنا المباركة و التى نكرر أنها ليست لإقتلاع شرزمة المؤتمر اللاوطنى فقط بل من أجل تغيير كل المزيفين - تذكروا جميعاالدخول المريب لأبناء الصادق المهدى و الميرغنى لحكومة الكيزان و هى آيلة للسقوط!!! (حتما أن الصفقة تمت تحت الترابيزة)


#411517 [ابوخالد]
0.00/5 (0 صوت)

06-30-2012 02:14 AM
Very thoughtful article


#411404 [ALIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIIII]
0.00/5 (0 صوت)

06-30-2012 12:28 AM
الكيزان يااخي الكاتب هم شرذمة وشذاذ افاق...هم والله شذاذ الافاق الحقيقين ...هؤلاء العصبة الفاشلة لاتهمها الا مصالحها الانية والوقتية ولاتهمهم البلاد اصلا عمرت او خربت يجب استرجاع الاراضي من الاجانب كلها...ووضع شروط وقوانين لاتبيح للاجنبي مهما كان ان يتملك ولا سنتمتر واحد.....صاحب الارض والوطني الحقيقي لايبيع ارضه للاجانب....لكن حكومة الدوخة والكرور ديل يبيعو امهاتهم خليك من الارض


رشيد خالد إدريس موسي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة