المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. سلمان محمد أحمد سلمان
جمهورية جنوب السودان وعضويّة مبادرة حوض النيل
جمهورية جنوب السودان وعضويّة مبادرة حوض النيل
07-10-2012 09:49 AM

جمهورية جنوب السودان وعضويّة مبادرة حوض النيل

د. سلمان محمد أحمد سلمان

1
التأم في مدينة كيغالي عاصمة دولة رواندا يوم الخميس الخامس من يوليو الجاري الاجتماع العشرون العادي لوزراء مياه دول حوض النيل تحت شعار "الاستدامة المؤسّسية لتحقيق المنافع على مستوى حوض النيل." ومهام هذا الاجتماع السنوي هو مناقشة التقارير الخاصة بتنفيذ برنامج العمل للعام الماضي وخطط العمل للعام المقبل، إضافةً إلى إجازة التقارير المالية والميزانية الإدارية.
ويُعقد الاجتماع كل عام في احدى دول مبادرة حوض النيل التسع (اثيوبيا ومصر والسودان وبوروندي ورواندا وكينيا وتنزانيا ويوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية) حسب الترتيب الأبجدي باللغة الانجليزية. وتتولى الدولة المضيفة رئاسة المجلس الوزاري لدول حوض النيل خلال العام الذي يبدأ بالاجتماع. عليه فقد قامت السيدة شاريتي انقيلو وزيرة الموارد المائية والري بجمهورية كينيا ورئيسة المجلس الوزاري لدول حوض النيل حتى الخامس من يوليو 2012 بتسليم مهام هذا المنصب للسيدة ايما فرانسوا ايسومبينغابو وزيرة المياه والكهرباء بدولة رواندا المُضيفة للاجتماع هذا العام.
كما ستقوم اثيوبيا باختيار المدير التنفيذي الجديد لسكرتارية مبادرة حوض النيل والتي تتمّ كل ثلاثة أعوام حسب الترتيب الأبجدي باللغة الانجليزية أيضاً. وتخلف اثيوبيا مصر في هذا المنصب. عليه سيكون كلٌ من رئيس المجلس الوزاري وكذلك المدير التنفيذي من دول المنبع.
تجدر الإشارة هنا إلى أن دولة اريتريا هي أيضاً من دول حوض النيل حيث أن نهر سيتيت، وهو أحد روافد نهر عطبرة، يشكّل جزءٌ منه الفاصل الحدودي بين اثيوبيا واريتريا، ويعبر جزءٌ منه الأراضي الاريترية. ونهر عطبرة هو أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل. غير أن اريتريا ليست عضواً في مبادرة حوض النيل وتحضر هذه الاجتماعات بصفة مراقبٍ في المبادرة فقط.
أجاز اجتماع كيغالي الطلب الذي تقدمت به جمهورية جنوب السودان لعضوية مبادرة حوض النيل. وهكذا صار جنوب السودان الدولة العاشرة في المبادرة. وكان جنوب السودان قد أصبح الدولة النيلية الحادية عشر عند بروزه جمهوريةً مستقلّة في التاسع من يوليو عام 2011. وقد تأخّرتْ إجازة عضوية جنوب السودان بسبب إلغاء الاجتماع الاستثنائي الذي كان من المُتوّقع أن ينظر في طلب جنوب السودان. وقد تمّت الدعوة لهذا الاجتماع في أكتوبر الماضي بناءاً على طلب مصر والسودان لمناقشة التداعيات القانونية لاتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، ولكن تأجّل الاجتماع مرتين بطلبٍ من مصر والسودان نفسيها، ولم يتم عقده في نهاية المطاف بسبب تغيّب مصر والسودان.
سوف نتناول في هذا المقال وصفاً موجزاً لنهر النيل ومبادرة حوض النيل ونناقش الدور الذي يُتوقّع أن يلعبه جنوب السودان في المبادرة وفي علاقات دول حوض النيل.
2
نهر النيل هو أطول نهرٍ في العالم. يجري النهر لمسافة 6650 كيلومتر من بداية منابعه في دولتي بورندي ورواندا حتّى مصبه في البحر الأبيض المتوسط. أحد روافده –النيل الأبيض- ينبع من ثاني أكبر بحيرة في العالم (بحيرة فكتوريا 68500 ك م). تقع على بعض روافد النهر أكبر المستنقعات في العالم (السٌدّ بجنوب السودان 30000 ك م)، وأقدم وأكبر السدود في العالم (أسوان والسد العالي بمصر، وسنار وجبل اولياء والروصيرص ومروي بالسودان، بالإضافة إلى سد النهضة أو الألفية الذي بدأت اثيوبيا في بنائه العام الماضي). اتفاقيات نهر النيل هي أقدم الاتفاقيات وأكثرها إثارةً للجدل بين القبول الكامل والرفض الكامل. قامت على ضفاف النيل أقدم وأعرق الحضارات الانسانية في مصر والسودان واثيوبيا ويوغندا.
تأتي حوالي 86% من مياه نهر النيل من الهضبة الاثيوبية (59% من النيل الأزرق و14%من نهر السوباط و13% من نهر عطبرة) بينما تساهم البحيرات الاستوائية بحوالي 14% فقط من مياه نهر النيل. وتٌقدّر كميات مياه نهر النيل التي تصل أسوان سنوياً بحوالي 84 مليار مترمكعب وهذا يجعل نهر النيل من أضعف وأقل الأنهار مياهاً في العالم مقارنةً بمساحة حوضه وطوله وعدد دوله المشاطئة. وتساوي هذه المياه 2% من نهر الأمزون، 6% من نهر الكونغو، 12% من نهر اليانغستي، 17% من نهر النيجر، و26% من نهر الزمبيزي. إنّ هذا الضُعف الحاد في وارد المياه السنوي يمثّل المشكلة الكبرى لنهر النيل ودوله وشعوبه خصوصاً مع الزيادة المضطردة للسكان والاحتياجات المائية المتنامية لهم، ومع التغييرات المناخية والتدهور البيئي في دول الحوض.
غير أنه لابدّ من إضافة أن المشكلة الأساسية في حوض النيل هي انّ مصر والسودان هما المستعملان الرئيسيان لمجمل مياه النيل الواردة إلى أسوان والبالغة 84 مليار متر مكعب. فبمقتضى اتفاقية مياه النيل التي وقّعتها مصر والسودان عام 1959 فإنّ نصيب مصر هو 55,5 مليار متر مكعب، ويبلغ نصيب السودان 18,5 مليار متر مكعب، بينما تتبخّر العشر مليارات المتبقية في بحيرة السد العالي. تصرّ مصر والسودان على أنّ هذه الكميات هو حقها المكتسب وأنه غير قابلٍ للتفاوض. على الجانب الآخر تطالب بقية دول الحوض وعلى رأسها اثيوبيا بحقوقٍ لها من مياه النهر تحت نظرية الانتفاع المنصف والمعقول.
3
تشكّلت أولى ملامح التعاون بين دول حوض النيل في منتصف الستينيات من القرن الماضي إثر الارتفاع المفاجئ والكبير في بحيرة فكتوريا والذي نتجت عنه عدّة مشاكل في تنزانيا ويوغندا وكينيا. كانت هناك عدّة إرهاصات لهذا الارتفاع في بحيرة فكتوريا وأن من ضمن أسبابه قد يكون وقوف مستنقعات جنوب السودان كعقبةٍ في طريق انسياب النيل، أو قد يكون حجز السدّ العالي لمياه النيل. لهذه الأسباب فقد دعت دول البحيرات الاستوائية مصر والسودان واثيوبيا لمناقشة هذه المسألة تحت مظلة برنامج المسح المائي للبحيرات الاستوائية والذي ساهمت الأمم المتحدة في تمويله وتسهيل إجراءاته. تواصلت لقاءات واجتماعات دول الحوض تحت عدّة مظلات لاحقة من بينها النيل الفنّي، والأخوّة، والنيل لعام 2000.
وفي عام 1997 برزت فكرة مبادرة حوض النيل والتي أخذت شكلها الرسمي في 22 فبراير عام 1999 في مدينة أروشا في تنزانيا إثر توقيع وزراء المياه لدول الحوض بالأحرف الأولى على وقائع الاجتماع الذي أسّس لقيام مبادرة حوض النيل. وقد اتفق الوزراء على أن الهدف من المبادرة هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة من خلال الانتفاع المنصف والمنافع من موارد النيل المشتركة. وقد قام البنك الدولي وعددٌ من منظمات الأمم المتحدة والمانحين بدورٍ تسهيليٍ للمبادرة، وقد نجحت المبادرة في عدّة مجالات من بينها إنشاء سكرتارية بمدينة عنتبي في يوغندا ومكتب للنيل الشرقي بأديس أبابا ومكتب لنيل البحيرات الاستوائية بمدينة كيغالي بدولة رواندا وتمويل عددٍ من المشاريع المشتركة. وبدأ العمل قبل عدّة أعوام في اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل.
4
منذ بداية المناقشات واجهت مفاوضات اتفاقية الإطار التعاوني نفس نقاط الخلاف التي تواجهها اليوم. فمصر والسودان يصران على استعمالاتهما وحقوقها القائمة، وعلى أن الاتفاقيات التي عُقدت في الماضى ملزمةٌ لدول الحوض الأخرى، و تحديداً اتفاقية 1929 التي أبرمتها بريطانيا نيابةً عن السودان وكينيا ويوغندا وتنجانيقا، والتي كانت ضمن مستعمراتها في ذلك الحين، مع مصر. هذه الاتفاقية أعطت مصر حق النقض لأي مشاريع تقام علي النيل يمكن أن تؤثر سلباً على كميات المياه التي تصل مصر أو تعدّل وقت وصولها. وبينما تصرُّ مصر على إلزامية هذه الاتفاقية تحت نظرية توارث الاتفاقيات، ترفضها دول البحيرات الاستوائية باعتبار أنها وُقّعت أثناء الحقبة الاستعمارية ولا إلزامية لهذه الاتفاقية بعد نهاية هذه الحقبة.
تُصرُّ مصر والسودان أيضاً على مبدأ الإخطار المسبّق لأية مشروعات تنوي الدول النيلية الأخرى القيام بها، بينما ترفض تلك الدول هذا الطلب وتدّعي أن مصر والسودان لم يقوما بإخطارهم بأية مشاريع أقاماها على نهر النيل. وتطالب مصر والسودان أن يتم أي تعديلٍ لاتفاقية الإطار التعاوني بالإجماع أو الأغلبية التي تشمل مصر والسودان، بينما تصر الدول الأخرى على التعديل بالأغلبية العادية، شملت أم لم تشمل مصر والسودان. مما هو واضح فهذه خلافاتٌ عميقة، زادت النزاعات القائمة أصلاً مزيداً من التعقيد والتأزم.
وقّعت خمس دول على اتفاقية الإطار التعاوني (تنزانيا وكينيا ويوغندا واثيوبيا ورواندا) في شهر مايو عام 2010. وقد انضمت إليهم بوروندي في فبراير عام 2011. وتحتاج الاتفاقية إلى تصديق ست دول للدخول حيز التنفيذ. وحال تصديق هذه الدول الست على الاتفاقية (والذي لم يتم حتى الآن) فإن الاتفاقية ستدخل حيّز التنفيذ.
عليه فإن جنوب السودان ينضم إلى مبادرة حوض النيل في وقتٍ حرجٍ في تاريخ حوض نهر النيل.
5
يقع حوالي 20% من حوض النيل في جمهورية جنوب السودان، وهي الدولة الثانية مساحةً في الحوض بعد جمهورية السودان التي يقع فيها حوالي 40% من الحوض. كما أن حوالي 90% من جنوب السودان يقع داخل حوض النيل. وتقع المدن الرئيسية الثلاث في جنوب السودان – جوبا وملكال وواو – على النيل الأبيض أو أحد روافده. وتلتقي معظم روافد النيل الأبيض فى دولة جنول السودان. وهناك أيضاً يلتقي النيل الأبيض الذي تأتي معظم مياهه من البحيرات الاستوائية بنهر السوباط الذي يأتي من الهضبة الاثيوبية. تجدر الإشارة إلى أن قدراً كبيراً من المياه يُقدّر بحوالي 40 إلى 50 مليار متر مكعب يتبخّر ويتسرّب في مستنقعات جنوب السودان سنوياً.
عليه فإنه يمكن تصنيف دولة جنوب السودان كدولةٍ نيلية ذات اهتماماتٍ ودورٍ كبيرين في نهر النيل، أُسوةً بمصر والسودان واثيوبيا. ويُتوقع أن يلعب جنوب السودان دوراُ كبيراُ (إن قُدِّر له الاستقرار السياسي والأمني) في مجريات الأمور في نهر النيل خصوصاً بعد انضمامه إلى مبادرة حوض النيل. ويمكن تلخيص هذا الدور في الآتي:
أولاً: رغم التصريحات التي صدرت من عددٍ من القادة في دولة جنوب السودان لتطمين مصر أن جنوب السودان سيحترم حقوق مصر التاريخية ولن يقوم بالإضرار بها تحت أي ظرف، إلاّ أن كل المراقبين يتوقعون أن تنضمَّ جمهورية جنوب السودان إلى تحالف دول المنبع، وذلك بسبب العلاقات العرقية والجغرافية والتاريخية والثقافية والاقتصادية الوطيدة التي تربطها بدول البحيرات الاستوائية. بل يتوقع هؤلاء المراقبون أن تقف جمهورية جنوب السودان مع هذه الدول في نزاعاتها النيلية مع مصر والسودان.
ثانياً: يُتوقّع كذلك أن تنضم جمهورية جنوب السودان إلى اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل. ويجدر الذكر في هذا المجال أن انضمام دولة بوروندي إلى اتفاقية الإطار التعاوني في شهر فبراير عام 2011 كان عملاً استباقياً تمّ بعد أيام قلائل من إعلان نتيجة الاستفتاء التي أوضحت أن حوالي 99% من شعب جنوب السودان صوتوا للإنفصال. وسوف يقوّي هذا التوقّع من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ حيث ستفقد الدول المتردّدة مثل بوروندي أية حقوق نقض حول الاتفاقية كانت في حوزتها قبل بروز دولة جنوب السودان وانضمامها للمبادرة.
ثالثاً: تشير الدراسات إلى إمكانية إضافة حوالي 20 مليار متر مكعب إلى النيل الأبيض من مستنقعات جنوب السودان من خلال القنوات المقترحة والتي تشمل قناة جونقلي. وهذا يعطي جنوب السودان أهمية ووضعيّة خاصة لأن المستنقعات هي المصدر الوحيد لزيادة مياه النيل. يبقى السؤال عن الحوافز التي يمكن تقديمها لجنوب السودان لتوافق على إكمال قناة جونقلي أو على شق أيةٍ من هذه القنوات. هذا بالطبع إذا سمحت الظروف الأمنية المتدهورة باستمرار في ولاية جونقلي بذلك، واذا تمّ إقناع المجموعات القبلية المحلية التي ستتأثر بالقناة، ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالبيئة والتي تعارض القناة.
رابعاً: على الرغم من أن مسألة اقتسام مياه النيل بين السودان وجنوب السودان ليست من القضايا العاجلة، مقارنةً بقضايا النفط والحدود، إلاّ ان هذه المسألة ستنال اهتماماً بمرور الزمن. فاحتياجات جنوب السودان الحالية من مياه النيل محدودة بسبب عدم وجود مشاريع ريٍّ أو كهرباء تأخذ من مياه النيل. لكن هذا الوضع سوف يتغير بمرور الزمن والبدء في مشاريع السدود مثل سد بيدين (على بحر الجبل جنوب جوبا)، وإعادة تأهيل المشاريع المتعطّلة حالياً مثل واو لتعليب الفاكهة وأنزارا الزراعي. من المؤكّد أن الاتفاق على اقتسام مياه النيل أثناء مفاوضات نيفاشا أو خلال الفترة الانتقالية كان سيكون أقل تعقيداً منه الآن فالتفاوض بين دولتين أصعب كثيراً من التفاوض بين وحدتين داخل الدولة الواحدة. بالطبع سيزيد الوضعَ تعقيداً التحالفاتُ والتكتلات داخل دول حوض النيل والتوقّعات أن ينضم جنوب السودان إلى دول المنبع في نزاعاتها الحادة مع مصر والسودان.
عليه فإن ميلاد جمهورية جنوب السودان في يوليوعام 2011، وانضمامها إلى مبادرة حوض النيل في يوليو عام 2012 سوف تضيف تعقيداتٍ جديدة للوضع المتأزّم أصلاً في حوض النيل. ويستطيع جنوب السودان بسبب وضعية حوض النيل فيه، ووضعيته في حوض النيل، أن يلعب دوراً مُعتبراً، إن قُدر له الاستقرار الأمني والسياسي.
Salmanmasalman@gmail.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1240

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. سلمان محمد أحمد سلمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة