سوف نحضر و نجدكم
07-10-2012 11:17 PM


عمود : محور اللقيا


سوف نحضر و نجدكم

د. عمر بادي
[email protected]

اللهم أحمنا من السواهي و الدواهي .....و اللواهي , و هذه اللواهي التي أضفتها من عندي هي المحاولات الإنصرافية التي يتبعها النظام لإلهاء الشعب عن قضايا الساعة الأساسية في الإحتجاج و الإنتفاض على الوضع المعيشي المتردي و على التضييق السياسي و مصادرة الحريات . لقد إزداد التركيز على الرياضة بإقامة المهرجانات الرياضية و الدورات التنافسية و المباريات المحلية و الإقليمية و زاد الدعم و التنظيم لإقامة تلك المناشط الرياضية من جهات عدة كان من بينها جهاز الأمن و المخابرات . أما الإعلام الرياضي فقد تسيد القنوات الفضائية السودانية و كذلك الإذاعات و الصحف , رغم ضعفنا البائن في كرة القدم و كل الرياضات الأخرى ما عدا ألعاب القوى !
أما المحاولة الإنصرافية الثانية التي إزداد التركيز عليها فهي المهرجانات و الحفلات الغنائية , فمن حفلات ليالي الخرطوم في المتحف القومي إلى مهرجانات الولايات الغنائية في المسرح القومي و قاعة الصداقة و حفلات الوزارات و البنوك و الشركات المختلفة و حفلات الفنانين الكبار و الصغار و حفلات نجوم الغد و الحفلات في الصالات المغلقة و برامج أفراح أفراح و السهرات الغنائية التليفزيونية . نحن نعيش في ضائقات عدة , فلماذا هذا الإنفراج في الرياضة و الغناء ؟
قبل يومين شاهدت من خلال التلفاز الحفلة الإفتتاحية لمهرجان ليالي وردي الوطن الذي سوف يستمر لأيام عدة , و قد إستمتعت غاية الإستمتاع من أغاني محمد وردي القديمة بصوت مطربين مختلفين , حيث كان يتم تقديم المطرب مع ذكر إسم الأغنية التي سوف يؤديها , و قبيل نهاية الحفل تم تقديم الفنان طه سليمان ليقدم أغنية ( قالوا بتحبوا ) كلمات الشاعر أبو آمنة حامد , و قد طربت طربا لا يوصف و أنا أستمع إلى تلك الأغنية ذات النغم الهاديء الجميل :
قالوا بتحبوا قلنا ليهم مالو
إيدي على إيدو الهوى مشينالو
حققنا أحلامنا و كل عاشق عقبالو
لقد أعادتني تلك الأغنية إلى فترة السينات و أنا تلميذ في المرحلة الوسطى , في تلك الفترة التي تتوسع فيها مدارك الطفل . تعتبر هذه الأغنية عندي رائدة في فرحها و تفاؤلها و بعيدة كل البعد عن أغنيات الدموع و البكائيات و المناحات التي ملأت الساحات ! و أنا في تأملاتي تلك , أتى أحد الأشخاص لم أتبينه و أخذ الميكرفون من الفنان طه سليمان و شاركه في الغناء , ثم ( كسر ) بعد ذلك و دخل في الأغنية الوطنية ( يا شعب اللهبك ثوريتك ) بدون أي تقديم من مذيعي الحفل مما يؤكد أن الأمر كان عفويا , و تجاوب قائد الأوركسترا عبد الوهاب محمد وردي و قاد الأوركسترا الرائعة لأداء تلك الأغنية الوطنية لشاعر الشعب محجوب شريف :
يا شعب اللهبك ثوريتك
تلقى مرادك و الفي نيتك
لقد نهض كل جمهور الحاضرين من مقاعدهم و صاروا يرددون كلمات الأغنية الوطنية و هم يرفعون أيديهم في حماس بادٍ , ثم إنتهى نقل الحفل بعد ذلك . رحم الله فنان أفريقيا الأول محمد وردي , فطالما كان محركا للشعب في حياته , و ها هو يستمر في تحريك الشعب بعد مماته !
نظام الإنقاذ في السودان هو آخر الأنظمة العربية التي وصلت إلى السلطة عن طريق الإنقلابات العسكرية و تم إزالتها أو على وشك ذلك بواسطة الثورات الشعبية , و لذلك لا محالة من زيارة الربيع العربي للسودان . هذا الفهم لا بد أن تدركه السلطة الإنقاذية قبل فوات الأوان , فإن الشعب قد أدركه و خرج إلى الشارع يستهدي به في إنتفاضته السلمية , و لكي لا تلتبس علي الشعب الأمور لا بد من التنسيق ثم التنسيق بين مكونات الثورة . إن التوقيع على وثيقة البديل الديموقراطي من داخل تحالف قوى الإجماع الوطني لم يشمل المنظمات الشبابية ( قرفنا و كفاية و شرارة و أحرار السودان و الشباب الأحرار ) و طلاب الجامعات خاصة جامعة الخرطوم , و كذلك لم يشمل الحزب الإتحادي الديموقراطي الأصل و تجمع القوى الثورية و النقابات العائدة ( لا الإتحادات ) خاصة نقابة الأطباء , رغم أن الجميع قد أيد الخروج في التظاهرات لإسقاط النظام , مع وجود رغبة عارمة من كل الحادبين لتوسيع قيادة الإنتفاضة حتى تشمل جميع المشاركين فيها .
التحدي الكبير الذي يجابه كل أحزاب المعارضة و الحركات المسلحة و المنظمات الشبابية و منظمات المجتمع المدني يتمثل في مدى إظهار ثقلهم الجماهيري من خلال عدد المشاركين في التظاهرات التي يدعون إليها . قبل هذا قرر تحالف قوى الإجماع الوطني الإلتقاء في تظاهرة سلمية في ميدان أبي جنزير و لكن الحضور كان دون المرجو مما حدا بالزعيم الراحل محمد إبراهيم نقد أن يتناول كرتونة و يكتب عليها ما إعتاد أن يكتبه السودانيون على أبواب منازل من يزورونهم و لا يجدونهم : ( حضرنا و لم نجدكم ) . أتمنى أن يتغير الحال و يكون شعارنا في المرة القادمة : ( سوف نحضر و نجدكم ) !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1131

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة