المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. سلمان محمد أحمد سلمان
التدخّل الاقليمي والدولي ومسؤولية انفصال جنوب السودان (8 - 9) .
التدخّل الاقليمي والدولي ومسؤولية انفصال جنوب السودان (8 - 9) .
07-12-2012 11:12 AM

التدخّل الاقليمي والدولي ومسؤولية انفصال جنوب السودان (8 - 9) .

د. سلمان محمد أحمد سلمان
[email protected]
1
كنتُ قد قرّرتُ أن تتكوّن هذه السلسلة من ثماني مقالات تنتهي اليوم بالخاتمة بعنوان "القوى السياسية الشمالية ومسؤولية انفصال جنوب السودان." غيرّ أن مجموعة من القراء والأصدقاء على رأسهم الصحفي المخضرم الأستاذ محمد علي صالح والصحفي الحصيف الأستاذ صلاح شعيب رأيا ضرورة كتابة مقالٍ منفصلٍ عن تدخل دول الجوار والدول العظمى ودورهم في انفصال جنوب السودان. بل ذهب الأمر بالأستاذ محمد علي أن كتب لي رسالةً مطوّلة أوضح فيها الأسباب التي يعتقد أنها تستلزم كتابة هذا المقال. عليه فقد قبلت شاكراً هذا المقترح وقررت إضافة هذا المقال. وسوف نختتم هذه السلسلة بالمقال القادم والذي سيكون التاسع والأخير.
2
لا بدّ في البداية من تأكيد بعض الحقائق الأساسية التي تتعلق بتدخّل بعض الدول في شؤون الدول الأخرى:
أولاً: إن الدول سواءٌ كانت دولاً عظمى أو دول عالمٍ ثالث تتدخّل في مشاكل الدول الأخرى عند ما تفشل هذه الدول في حلِّ مشاكلها تلك، وتسمح لهذه المشاكل وهذا الفشل بالتسرّب عبر حدودها. فعندما ننظر من حولنا لا نجد أن الايقاد قد تدخّلت في شؤون أية دولةٍ من دول الايقاد السبع الأخرى (الصومال، اريتريا، اثيوبيا، جيبوتي، كينيا، يوغندا وجنوب السودان) لسببٍ بسيط هو أن هذه الدول لم تسمح لمشاكلها بالتعقيد وعبور الحدود حتى تضطر الدول الأخرى للتدخّل، أو تدعوها هي نفسها لذلك. أما في حالة السودان فإن مشكلة الجنوب كانت قد صارت مشكلةً مزمنة، وصار النزاع أطول نزاعٍ مسلّحٍ في أفريقيا، وتسرّب إلى دول الجوار، وقام السودان بدعوة هذه الدول للمساهمة في حل النزاع.
ثانياً: نتج عن مشكلة جنوب السودان مشاكل لعددٍ من دول الجوار. فقد نزح عددٌ كبيرٌمن السودانيين الجنوبيين إلى كينيا ويوغندا والكونغو الديمقراطية وتنزانيا، وأضافوا مشاكل اقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية لهذه الدول. وهذا بالطبع أعطى هذه الدول الحقّ في التدخل في شؤون السودان بسبب أن مشاكل لاجئيه أصبحت إضافةً جديدةً لمشاكلهم.
ثالثاً: تصبح مشكلة المدنيين في مناطق الحرب في كثيرٍ من الأحيان مشكلةً انسانيةً دولية. فالحرب الدائرة تؤثّر بالضرورة على المدنيين العزّل، وتضطرّهم أن يهربوا ويصبحوا لاجئين في دول الجوار والتي تجد صعوبةً في توفير الأساسيات لمواطنيها، دعك من لاجئين يزداد عددهم كل يوم. وهنا يتدخّل المجتمع الدولي والقوى العظمى، فتوفّر هذه القوى بعض الاحتياجات الأساسية لهؤلاء اللاجئين من طعامٍ وماءٍ ومأوى وعلاج. وتُقرّر هذه الدول أن هذا العون يعطيها الحق في التدخل في شؤون الدول التي خلقت ظروفها الداخلية هذا الوضع الانساني الكارثي. فإذا كانت القوى العظمى تصرف سنوياً ما يقرب من ثلاثة مليار دولار لإطعام وإيواء وأمن لاجئي دارفور، أفلا يعطي هذا الوضع هذه القوى حق التدخل في مشكلة دارفور؟
رابعاً: لم تعد حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنية شأناً داخلياً للدولة منذ أن صدر الإعلان الدولي لحقوق الانسان عام 1948. وقد تمّت ترجمة ذاك الإعلان عام 1976 إلى معاهدتين دوليتين هما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وفد فصّلت هاتان الوثيقتان معايير لهذه الحقوق قبلتها تقريباً كل دول العالم، وتمّ إنشاء عدّة هيئات دولية لمتابعة تنفيذ هذين العهدين ومناقشة التقارير الدورية التي التزمت هذه الدول بتقديمها عن وضع حقوق الانسان فيها. وتطوّر الأمر إلى إنشاء مجلس حقوق الانسان بصلاحيات واسعة، وكذلك المحكمة الجنائية الدولية التي تمتد صلاحياتها إلى رؤساء الدول، وتشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية. عليه فإن مسائل حقوق الانسان لم تعد أمراً داخلياً للدولة، بل أصبحت همّاً دولياً وصارت هناك تبِعاتٌ حادة للخروقات، خصوصاً إذا تداخلت هذه الخروقات مع النزاعات المسلّحة وحقوق الأقلّيات.
خامساً: ينتج التدخل الدولي في النزاعات الداخلية في حالات كثيرة من طلب الدولة نفسها لهذا التدخل، بصورةً أو أخرى، أو بالترحيب بالتدخل عندما تعرضه دولةٌ أو مجموعة دولٍ. ويبدأ هذا التدخل في شكل طلب وساطة دول الجوار أو الدول الكبرى للمساعدة في حلّ النزاع، ثم يتعقّد ويأخذ أشكالاً أخرى من بينها الضغوط السياسية والاقتصادية بهدف إرغام الدولة على قبول نتائج الوساطة التي طلبتها هي في المقام الأول.
وهذا هو بالضبط ما حدث في حالة السودان كما سنناقش في الأجزاء التالية من هذا المقال.
3
بدأت حكوماتُ السودان المتعاقبة الاستعانةَ بدول الجوار والمنظّمات الاقليمية والدولية للوصول إلى اتفاقٍ مع الحركات المسلحة والأحزاب الجنوبية منذ عام 1965. فبعد أسابيع قلائل من انتصار ثورة أكتوبر إقترح السيد ويليام دينق في رسالةٍ بعث بها إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء الحكومة الانتقالية عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة مشكلة جنوب السودان. رحّبت الحكومة بالمقترح وبدأ النقاش بين الطرفين في التفاصيل. أصرّت الأحزاب الجنوبية على أن يُعقد المؤتمر خارج السودان وأن يحضره مراقبون دوليون. رأت الحكومة عقد المؤتمر بالخرطوم مُشيرةً إلى التغييرات السياسية الإيجابية في البلاد، ورفضت حضور مراقبين على أساس أن هذا مؤتمرٌ سودانيٌ بحت. بعد نقاشٍ ومكاتباتٍ مطوّلة تراجعت الحكومة عن رفض حضور المراقبين مقابل موافقة الأحزاب الجنوبية عقد المؤتمر في الخرطوم. وهكذا توصّل الطرفان إلى هذا الحل الوسط، وتمّت دعوة كلٍ من كينيا ويوغندا وتنزانيا ونيجيريا ومصر وغانا والجزائر لإرسال مراقبين إلى مؤتمر المائدة المستديرة. وقد حضر المراقبون من هذه البلدان، وتفاوت مستوى تمثيلهم بين وزراء وسفراء. وكان ذلك بالطبع انعكاساً لمدى الأهمية التي أولتها كلٌ من هذه الدول لذلك المؤتمر ولمشكلة النزاع السوداني.
4
وهكذا انفتح باب استعانة السودان بالدول الأخرى لحل مشكلة الجنوب، وبدأت هذه الاستعانة بطلبٍ من الحكومة نفسها. عليه لم تكن هناك صعوبة أن تنعقد المفاوضات بين حكومة السيد جعفر نميري وحركة تحرير جنوب السودان بقيادة السيد جوزيف لاقو في أديس أبابا في فبراير عام 1972، وسُميت الاتفاقية التي وقّعها الطرفان في مارس من ذاك العام "اتفاقية أديس أبابا." وقد وقّع على اتفاقية أديس أبابا (بجانب الحكومة وحركة تحرير جنوب السودان) ممثلون لامبراطور اثيوبيا، ومجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس الأفريقي ومجلس الكنائس السوداني. وهكذا امتد دور دول الجوار من مراقبين إلى شهودٍ على الاتفاقية، ودخلت الكنيسة العالمية والأفريقية حلبة النزاع السوداني بموافقة، إن لم نقل بدعوة، الحكومة السودانية.
بدأ الدور الاثيوبي ينمو ويتعاظم بعد انهيار اتفاقية أديس أبابا وقيام الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983.فقد أنشأت الحركة الشعبية منذ قيامها في مايو من ذاك العام تحالفاً وطيداً مع نظام منقستو هايلي مريم، وأصبحت أديس أبابا مصدراً رئيسياً للعون العسكري والمادي للحركة، وصارت أراضي اثيوبيا المتاخمة للحدود مع ولاية أعالي النيل في جنوب السودان ميداناً للتدريب والاجتماعات للحركة الشعبية ومعسكراتٍ للاجئين.
ولكن علينا أن نتذكر أن ذاك العون الاثيوبي المهول للحركة الشعبية كان محاولةً من الحكومة الاثيوبية لرد الصاع صاعين للسودان. فالسودان كان منذ قيام الثورة الاريترية في ستينيات القرن الماضي هو المصدر الأول للعون العسكري والمادي والسياسي والمعنوي للثوار الاريتريين. وقد أصبح السودان البلد الثاني للاريتريين بعد موطنهم الأصلي. الملاحظ أن كل المثقفين والسياسيين والشعب السوداني كانوا يرون أنهم بوقوفهم مع الثورة الاريترية إنما يقفون مع الحق والإنصاف، وضد الظلم والقمع، وهذا بالطبع موقفٌ صحيحٌ وسليم وتقدّمي. ولكن الغريب في الأمر أن معظم، إن لم نقل كل هؤلاء، المثقفين والسياسيين كانوا يرون أن ما يحدث في جنوب السودان هو تمرّدٌ على القانون والنظام، تغذّيه وتموله الصهيونية والامبريالية العالمية. قليلون جداً الذين رأوا في الأثنين معاً ثورتين متشابهتين ضد الظلم والقمع والإقصاء والاستعلاء.
بعد سقوط نظام نميري في السودان التقى مندوبون للأحزاب والتنظيمات السودانية التي قادت انتفاضة أبريل مع قيادات الحركة الشعبية. تمّ هذا اللقاء في كوكا دام في اثيوبيا وسُميّ الإعلان الذي صدر في 24 مارس عام 1986 بـ "إعلان كوكا دام." تبع هذا اللقاء ورشة عمل شارك فيها مجموعة من المثقفين الشماليين وعددٌ من مثقفي وقادة الحركة الشعبية، وعُقدت هذه الورشة في شهر فبراير عام 1989 في مدينة أمبو الاثيوبية أيضاً. وكان رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي قد التقى رئيس الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق في أديس أبابا أيضاً في 30 يونيوعام 1988. ثم التقى السيد محمد عثمان الميرغني مع الدكتور قرنق ووقعا على مبادرة السلام السودانية في أديس أبابا في 16 نوفمبر عام 1988. وهكذا أصبحت اثيوبيا هي نقطة اللقاء والتفاوض بين الشمال، حكومةً وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني، وبين الجنوب مُمثلاً في الحركة الشعبية. تمّ ذلك مع علم الحكومة السودانية التام بالعون غير المحدود الذي تقدمه اثيوبيا للحركة الشعبية. ولا بدّ بالطبع أن يفضي هذا الوضع إلى تقوية قناعة اثيوبيا بدورها المتعاظم في المشكلة السودانية.
5
انفتح الباب على مصراعيه أمام الاجتماعات والمفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية خارج السودان مباشرةً بعد انقلاب 30 يونيو عام 1989، وتوالت المبادرات الواحدة بعد الأخرى وفي حالات كثيرة الواحدة مع الأخرى في نفس الوقت. وأصبحت مشاكل السودان مسألةً مفتوحةً للتدخل ليس فقط لدول الجوار وإنما لكل دولةٍ ترغب في تعيين مبعوثٍ خاص أو تكليف أحد دبلوماسييها للقيام بهذه المهمّة. وكان ذلك بترحابٍ تام من الحكومة، إن لم نقل بطلبٍ منها في كثيرٍ من الحالات.
سافر أول وفدٍ من الحكومة الجديدة في أغسطس من عام 1989 لمقابلة أعضاء الحركة الشعبية في أديس أبابا، ولكن اللقاء لم ينتج عنه أي اتفاق. تبع هذا وساطة الرئيس السابق جيمي كارتر التي رحّبت بها الحكومة السودانية واجتمع الطرفان في نيروبي في أواخر نوفمبر وأوائل ديسمبر عام 1989، لكن الوساطة وفشلت. توالت الاجتماعات السرّية والعلنية في هاتين المدينتين وفي عنتبي خلال عامي 1990 و1991. وفي أكتوبر عام 1991 التقى في مدينة نيروبي الدكتور علي الحاج مُمثلاً للحكومة بالسيد جون لوك مُمثلاً لفصيل الناصر الذي كان يقوده الدكتور لام أكول والدكتور رياك ماشار. وفي يناير عام 1992 انتقلت اللقاءات والاجتماعات إلى أوروبا حيث التقى ذاك الشهر الدكتور علي الحاج مع الدكتور لام أكول في المانيا وأصدرا معاً إعلان فرانكفورت الذي أخرج مارد تقرير المصير من القمقم. ورغم أن حكومة المانيا لم تقترح أوتقُدْ أية وساطة، إلاّ انها سهّلت لقاء الطرفين هناك. وقد عبّد ذلك اللقاء الطريق لالمانيا لتلعب دورأ كبيراً فيما بعد في صياغة الدستور الانتقالي للسودان لعام 2005.
خلال عامي 1992 و1993 انتقلت الاجتماعات والتفاوض إلى غرب أفريقيا واستلمت نيجيريا ملف السودان بطلبٍ من الحكومة السودانية. كانت الحكومة السودانية تعتقد أن نيجيريا التي واجهت مشكلة انفصال بيافرا وهزمتها سوف تنحاز إليها وتعينها. كان هناك أيضاّ التشابه بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي/غير المسلم في كلا الدولتين. ولكن الحماس النيجيري سرعان ما خمد بعد سلسلةٍ من الاجتماعات التي لم ينتج عنها اتفاق. قرّرت نيجيريا بعد مغادرة السيد ابراهيم بابنجيدا كرسي الرئاسة أن المشكلة السودانية معقّدة وأن الإرادة السياسية غائبة، فغسلت يديها وتمنت للطرفين التوفيق.
6
في هذا الأثناء قفزت الولايات المتحدة إلى حلبة الصراع السودانية. وإذا كان الرئيس السابق السيد جيمي كارتر قد قدّم وساطته عام 1989 تحت مظلّة مركزه، فإن مبادرة السيد هاري جونسون ولقاء واشنطن في أكتوبر عام 1993 حملت الصبغة الأمريكية الرسمية. ورغم فشل المبادرة في توحيد فصائل الحركة الشعبية المتنازعة، إلاّ أنها جمعت تلك الفصائل في الاتفاق على مبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد حضر لقاء واشنطن وفدٌ كبيرٌ من التجمّع، ومثّلت الحكومة نفسها بمندوبٍ من مركز الدراسات الاستراتيجية. ولكن إعلان واشنطن لم يخرج عن دائرة إعلان فرانكفورت في تأكيده لمبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وأخذت الحكومة والمعارضة علماً بأن حق تقرير المصير قد اصبح حقيقةً معروفةً ومقبولةً على مستوى العالم وليست سراً مدفوناً في غرفةٍ ما في أحد فنادق مدينة فرانكفورت الالمانية.
7
في 4 سبتمبر عام 1993 قامت الحكومة السودانية بطلب وساطة منظمة الايقاد لحل مشكلة جنوب السودان، ووافقت المنظمة على الوساطة بين الطرفين. كانت الحكومة السودانية تعتقد أنه بإمكانها أن توجِّه وتتحكّم في دور المنظمة بحكم علاقة الحكومة الوطيدة وقتها بالنظامين الجديدين في أديس أبابا وأسمرا. ولا بُدّ من التذكير أن الخرطوم كانت قد أعلنت أنها ساعدت الثوار في البلدين في الوصول إلى السلطة.
الايقاد منظمة تم إنشاؤها عام 1986 بواسطة دول شرق افريقيا (اثيوبيا وجيبوتي وكينيا ويوغندا والسودان والصومال) لمواجهة التصحر والجفاف في الاقليم. وقد عدّلت هذه المنظمة أهدافها لِتُركّز على التنمية، وقد انضمّت لها اريتريا عام 1993، ثم دولة جنوب السودان في العام الماضي. وليس لهذه المنظمة دورٌ أو إنجازٌ يُذكر منذ قيامها سوى اتفاقية السلام الشامل السودانية والتي جرّها للعمل فيها ما سُمّي بمجموعة شركاء الايقاد من الدول الغربية والتي دفعت جلّ تكاليف المفاوضات من فنادق وطعام وشراب وسفر ومطبوعات. وأصبحت الايقاد هي الواجهة التي عملت من خلالها هذه الدول بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا والنرويج (المجموعة الثلاثية أو الترويكا).
أعدّت المنظمة ما عُرف بـ "مبادئ مبادرة الايقاد" في مارس عام 1994 وتمت مناقشتها في مايو وإصدارها رسمياً في يوليو عام 1994. وتضمّنت تلك المبادئ مبدأ تقرير المصير وأشارت الديباجة إلى إعلان فرانكفورت عام 1992 الذي تضمّن حق تقرير المصير أيضاً. ورغم أن حكومة السودان هي التي كانت قد طلبت وساطة الايقاد وهي التي وافقت على تقرير المصير في إعلان فرانكفورت، فقد رفضت الحكومة في سبتمبر عام 1994 مبادئ الايقاد.
ولكن بعد أن وقّعت الحكومة على الميثاق السياسي مع الفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية في أبريل عام 1996، ثم اتفاقية الخرطوم في أبريل عام 1997 ووافقت بمقتضاها على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، لم يعدهناك سبب لرفض.مبادئ الايقاد. وعليه فقد عادت الحكومة وقبلت تلك المبادئ في عام 1997. ولكنّ المفاوضات بين الجانبين تعثّرت ثم توقفت عام 1999 بسبب المشاكل والانقسامات الداخلية التي كان حزب المؤتمر الوطني الحاكم يواجهها.
8
في يناير عام 2002 اجتمعت دول منظمة الايقاد في الخرطوم، وتمّت مناقشة فكرة إحياء مبادرة الايقاد بعد أن وافق السودان عليها وبعد أن هدأت النزاعات بعض الشيئ داخل البيت الحاكم. رحّب السودان بالفكرة ووافق عليها، ووافقت عليها أيضاً الحركة الشعبية. بدأت المفاوضات في ناكورا في كينيا في مايو عام 2002، ثم انتقلت إلى مشاكوس في 17 يونيو عام 2002. وشارك في المفاوضات شركاء الايقاد ممثلين بالولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج (مجموعة الثلاثة أو الترويكا) مع مجموعة كبيرة من الفنيين والقانونيين من عدّة دول من بينها جنوب افريقيا وسويسرا. وقد لعب الجنرال الكيني لازاروس سومبييو والوزيرة النرويجية السيدة هيلدي جونسون دوراً فاعلاً خلال المفاوضات كوسيطين.
انتقلت المفاوضات من فكرة "دولة واحدة بنظامين" إلى مسألة الدين والدولة ونظام الحكم في السودان وتعثّرت كثيراً في هذين الأمرين. وضعت الحركة الشعبية على مائدة التفاوض مبدأ تقرير المصير وأصرّت على الاتفاق عليه قبل معالجة الأمور الأخرى. رفض الوفد السوداني في بداية الأمر مسألة تقرير المصير ولكنّ الوسطاء الأوربيين والأمريكيين والأفارقة ذكّروا الوفد السوداني بإعلان فرانكفورت والميثاق السياسي واتفاق الخرطوم ودستور السودان لعام 1998 والتي تضمنت كلها مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وحذّروا الوفد أنه لايمكن النكوص عن تلك الالتزامات.
لم يجد الوفد الحكومي إثر هذا وسيلةً للتراجع عن مبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، فاضطر للموافقة عليه. ولكنّ الوفدين اختلفا في مدة الفترة الانتقالية التي تسبق إجراء الاستفتاء. فقد أصرّ الوفد الحكومي على أن تكون الفترة عشر سنوات بينما أصرّت الحركة على مدة عامين فقط. قام الوسطاء (مثلما يفعل كل الوسطاء في هذه الحالات) بجمع الرقمين واستخراج المتوسط وهو الرقم ست سنوات التي تضمّنها بروتوكول مشاكوس.
صاغ الوسطاء في 19 يوليو 2002 ما أسموه بـ "الوثيقة الإطارية للتفاوض" والتي تضمّنت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بما في ذلك حق الانفصال بعد فترةٍ انتقالية مدتها ست سنوات، مع الإبقاء على تطبيق الشريعة في شمال السودان. وقد أوضح الوسطاء أن الوثيقة هي مختصر لاتفاقية الخرطوم للسلام. ومنحَ الوسطاءُ الوفدين مدة ساعةٍ لقبول أو رفض الوثيقة، مع التهديد بإنهاء الوساطة إذا رفض الطرفان أو أحدهما الوثيقة. قبِل الطرفان هذا الإجراء. وبعد أربع ساعاتٍ من النقاش خرج الطرفان باتفاقٍ تمّت صياغته النهائية والتوقيع عليه في 20 يوليو عام 2002 تحت مُسمّى "بروتوكول مشاكوس."
وقد قام الدكتور غازي العتباني والسيد سلفا كير بالتوقيع على بروتوكول مشاكوس في مساء يوم 20 يوليو 2002 بالقصر الرئاسي في نيروبي بحضور الرئيس الكيني السيد دانيال أراب موي وعددٍ من أعضاء السلك الدبلوماسي والوسطاء. وقد أصدر مجلس الأمن بياناً رحّب فيه بالاتفاق، وفعلت ذات الشئ مجموعةٌ من الحكومات من بينها الامريكية والبريطانية والنرويجية والايطالية.
9
لقد قنّن وأطّر بروتوكول مشاكوس مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وأنهى حقبةً من الارتباك والاضطراب والتناقض داخل الحكومة الحالية. وقد قاد بروتوكول مشاكوس لعام 2002 إلى اتفاقية السلام الشامل، والتي قادت بدورها إلى انفصال جنوب السودان عام 2011.
تُرى هل كانت هناك حقاً أيادى خفية ومؤامرة على وحدة السودان قادتها قوى اقليمية ودولية؟
لقد أوضح هذا العرض الموجز والمقالات السابقة أن حق تقرير المصير الذي تمّ تضمينه لأول مرة في إعلان فرانكفورت نبع من داخل مبادرة الحزب الحاكم في الخرطوم، بلا تدخلٍ أو ضغوطٍ من قوى اقليمية أو دولية. كل ما فعلته هذه الدول هو التمسّك والإصرار على إعلان فرانكفورت والمطالبة بتطبيقه. وقد جاءت وساطة الايقاد بناءاً على طلب السودان كما أكّد الدكتور علي الحاج لجريدة الانتباهة: "أقول إن دخول الإيقاد لم يكن تآمراً من جهة خارجية أو قوى دولية، كان دخولها برغبتنا وتقديراتنا وحساباتنا نحن وليس غيرنا " كما ذكر أيضاً "دخول الإيقاد في ملف السلام صنعناه نحن وتورطنا فيه بأيدينا منذ بداية تأسيس هذه الهيئة مطلع التسعينيات" (مع علي الحاج في مهجره، الجزء الثاني، جريدة الانتباهة، الثلاثاء 05 حزيران/يونيو 2012).
لقد تراكمت الأخطاء والتجاوزات التي ارتكبتها الحكومات السودانية المتعاقبة في الجنوب منذ عام 1954 وأدّت في نهاية الأمر إلى مطالبة الجنوبيين بحق تقرير المصير، والذي قبلته حكومة الانقاذ بإعلان فرانكفورت وأكّدته في مبادرة السلام من الداخل، وأدّى ذلك إلى انفصال جنوب السودان. لقد رفضت تلك الحكومات بإصرارٍ وصل حد الغطرسة طلب الأحزاب والحركات الجنوبية منذ عام 1954 بالنظام الفيدرالي. ولكن عادت نفس الأحزاب ونفس القيادات لتوافق على تقرير المصير في تسعينيات القرن الماضي، وتشارك في احتفالات انفصال الجنوب في يوليو عام 2011.
سنتعرّض لهذه الأخطاء وتراكماتها في المقال القادم "القوى السياسية الشمالية ومسؤولية انفصال جنوب السودان"، والذي سيكون خاتمة هذه المقالات.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2373

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. سلمان محمد أحمد سلمان
د. سلمان محمد أحمد سلمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة