المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. سلمان محمد أحمد سلمان
القوى السياسيّة الشماليّة ومسؤوليّة انفصال جنوب السودان (9 - 9) - خاتمة
القوى السياسيّة الشماليّة ومسؤوليّة انفصال جنوب السودان (9 - 9) - خاتمة
07-17-2012 12:21 AM

القوى السياسيّة الشماليّة ومسؤوليّة انفصال جنوب السودان (9 - 9) - خاتمة
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
أوضحت المقالات الثماني الماضية أن الحركة الشعبية لتحرير السودان استخدمت قدراً كبيراً من الذكاء والحنكة في تعاملها مع الحكومة وأحزاب المعارضة، وانتزعت بجدارةٍ بالغة حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان من الاثنين معاً من خلال نهجٍ تدريجي. وسوف يسجّل التاريخ أن عقد التسعينيات من القرن الماضي كان بحقٍ وحقيقة هوعقد كسر حواجز حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
بدأ ذاك الجهد بعد أربعة أشهر من سقوط نظام منقستو هايلى مريم في مايو عام 1991. اجتمعت الحركة في توريت في سبتمبر من ذاك العام وأقرّت مبدأ حق تقرير المصير لجنوب السودان. كان ذلك تعديلاً جوهريا لمبدأ السودان الموحّد الذي كان الركيزة الأساسية لمانيفستو الحركة الصادر في يوليو عام 1983.
لسببٍ أو آخر قرّرت الحكومة السير في ذاك الطريق الوعر، فوافق الدكتور علي الحاج على مبدأ تقرير المصير لجنوب السودان ووقّع في يناير عام 1992 على إعلان فرانكفورت مع الدكتور لام أكول. كان الدكتور أكول قد انشقّ عن الحركة الشعبية وكوّن فصيل الناصر في أغسطس عام 1991. اعتقدت الحكومة أنها بهذا الإعلان ستوسّع شقة الخلافات بين هذه الفصائل وتقوّي الأجنحة المنشقّة، ولم تكن تتوقّع أن يخرج مارد تقرير المصير من القمقم، وأنه لن يستطيع أحدٌ إعادته إلى مكانه .
التقطت منظّمة الايقاد حق تقرير المصير الذي أقرّته اتفاقية فرانكفورت، وعكسته في إعلان مبادئ الإيقاد في عام 1994. وعندما رفضت الحكومة إعلان مبادئ الايقاد ذكّرتها المنظّمة بإعلان فرانكفورت. لا بدّ أن الحكومة قد أحسّت وقتها بالوضع الحرج الذي وضعت فيه نفسها. بالإضافة إلى ذلك فقد اضطرها الوضع العسكري الحرج في جنوب السودان إلى تبنّي مبادرة السلام من الداخل. وقد قادت تلك المبادرة إلى التوافق مع الفصائل المنشقّة بقيادة الدكتور رياك مشار على الميثاق السياسي في 10 أبريل عام 1996، ثم اتفاقية الخرطوم في 21 أبريل عام 1997. وانضم الدكتور لام أكول إلى اتفاقية الخرطوم من خلال اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر عام 1997. وقد أكّدت كل هذه الاتفاقيات مبدأ تقرير المصير، وتمّ تأطير وتقنين هذا المبدأ في دستور السودان لعام 1998 والذي تمّ إصداره في 30 يونيو من ذاك العام.
من الجانب الآخر فقد التقطت الحركةالشعبية الأم مبادئ مبادرة الايقاد واستخدمتها في مفاوضاتها مع أحزاب التجمّع الوطني الديمقراطي لانتزاع حق تقرير المصير. وقّعت الحركة مع الحزب الاتحادي الديمقراطي اتفاقية القاهرة في 13 يوليو 1994، ومع حزب الأمة اتفاقية شقدوم في 12 ديسمبر 1994، ثم اتفاق قوى المعارضة السودانية الرئيسية في 27 ديسمبر 1994 مع هذين الحزبين وقوات التحالف السودانية. وقد مهّدت هذه الاتفاقيات لإعلان أسمرا الذي وقّع عليه كلُّ قادة التجمّع الوطني الديمقراطي بما فيهم الحركة الشعبية في 23 يونيو عام 1995 (مؤتمر القضايا المصيرية – قرار حول قضيّة تقرير المصير). وقد صبّت كل تلك الروافد من الحكومة والمعارضة في بروتوكول مشاكوس الذي عكس وأكّد مبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
2
بعد انهيار مبادرة السلام من الداخل ورجوع الدكتور رياك مشار إلى قواته في الجنوب تبيّن للحكومة أن إمكانية السلام الحقيقي تكمن فقط في التفاوض مع الحركة الشعبية الأم، فهي التي تملك الجيش والعتاد والسند من مواطني الجنوب والاعتراف من الكثير من دول الجوار والدول الكبرى، وهي التي تسيطر على جزءٍ كبيرٍ من أراضي الجنوب. وقد قادت هذه القناعة الحكومة إلى العودة إلى وساطة الايقاد التي تمّ إعادة الحيوية لها تحت رعاية السيد دانيل اراب موي رئيس جمهورية كينيا.
التقى الطرفان تحت رعاية مجموعة من الوسطاء الذين عُرِفوا بأصدقاء أو شركاء الايقاد (الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج – المجموعة الثلاثية أو الترويكا) في ناكورا في كينيا في شهر مايو عام 2002، ثم انتقلا إلى مشاكوس في شهر يونيو من ذاك العام. وبعد مفاوضاتٍ دامت شهراً وقّع الطرفان على بروتوكول مشاكوس في 20 يوليو عام 2002.
يتكوّن بروتوكول مشاكوس من ديباجة وخمسة أجزاء:
تُقِرُّ الديباجة أن النزاع فى السودان هو أطول نزاع مستمرٍ فى إفريقيا، وأنه قد سبّب خسائر مريعة فى الأرواح ودمّر البنى التحتية للبلاد، وأهدر الموارد الاقتصادية، وتسبّب فى معاناةٍ لم يسبق لها مثيل، ولا سيما فيما يتعلق بشعب جنوب السودان، وتؤكّد أيضاً أوجه الظلم والتباين التاريخية فى التنمية بين مختلف المناطق فى السودان التى تحتاج إلى الإصلاح. وتُقِر الديباجة أيضاً بأن عملية السلام التي تقوم بها الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية "ايقاد" والتي أُعيدت لها الحيوية تحت رعاية الرئيس الكينى دانيال اراب موى، تتيح السبل لتسوية النزاع والتوصّل إلى سلامٍ عادل ومستدام.
يتناول الجزء الأول مبادئ عامة تؤكّد أن وحدة السودان، التى تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه والحكم الديمقراطي، والمساءلة، والمساواة، والاحترام، والعدالة لجميع مواطنى السودان، ستظل هي الأولوية بالنسبة للطرفين، وأنه من الممكن ردّ مظالم شعب جنوب السودان وتلبية طموحاته ضمن هذا الإطار. ويُقِر هذا الجزء مبدأين هامين:
أولهما أن شعب جنوب السودان له الحق فى رقابة وحكم شؤون اقليمه والمشاركة بصورة عادلـة فى الحكومة القومية،
وثانيهما، وهو الأهم، أن شعب جنوب السودان له الحق فى تقرير المصير وذلك، ضمن أمور أخرى، عن طريق استفتاء لتحديد وضعهم مستقبلاً. وهكذا تحقّق بعد أحد عشر عامٍ حلم مؤتمر توريت عام 1991.
يحدّد الجزء الثاني مهام الفترة قبل الانتقالية والتي سيتم فيها إنشاء المؤسسات والآليات المنصوص عليها فى اتفاقية السلام، ووضع إطارٍ دستورى لاتفاقية السلام. وتبدأ الفترة الانتقالية بعد نهاية تلك الفترة وتمتد إلى ست سنوات، تعمل خلالها المؤسسات والآليات التى أُنشئت خلال فترة ما قبل الفترة الانتقالية طبقا للترتيبات والمبادىء المحدّدة فى اتفاقية السلام. وتُشكّل خلال الفترة الانتقالية مفوضية التقويم والتقدير لمتابعة تنفيذ اتفاقية السلام. وتتكون المفوضية من تمثيلٍ متساوٍ لحكومة السودان والحركة الشعبية وما لا يزيد عن ممثلين اثنين لكلٍ من الدول الأعضاء فى اللجنة الفرعية للايقاد بشأن السودان (جيبوتى، اريتريا، اثيوبيا، كينيا وأوغندا)، والدول المراقبة (ايطاليا، النرويج، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الامريكية). ويتضمّن هذا الجزء الترتيبات الخاصة بالاستفتاء والتي تقرأ: "
"عند نهاية الفترة الانتقالية التى مدتها ستة (6) سنوات، يكون هناك استفتاء لشعب جنوب السودان تحت رقابة دولية، يتم تنظيمه بصورة مشتركة بواسطة حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبى لتحرير السودان لكى: يؤكد وحدة السودان عن طريق التصويت لاعتماد نظام الحكم الذى تمّ وضعه بموجب اتفاقية السلام، أو التصويت للانفصال."
يتناول الجزء الثالث مسألة الدين والدولة، ويُقر بأن السودان بلدٌ متعدّد الثقافات والجنسيات والأعراق والديانات واللغات، ويطالب بألا تُستخدم الديانة كعامل للفرقة، وأن الأهلية للمناصب العامة، بما فى ذلك رئاسة الجمهورية، والخدمة العامة والتمتع بجميع الحقوق والواجبات، تكون على أساس المواطنة وليس على أساس الدين أو المعتقدات أو العادات.
يضع الجزء الرابع الخطوط العريضة لهيكل الحكم وصلاحيات الحكومة القومية وأسس وضع الدستور. ويتضمن هذا الجزء مبدأ قبول تطبيق الشريعة الاسلامية في شمال السودان حيث تنصُّ الفقرة الثانية من المادة الثالثة على الآتي:
أولاً: "التشريعات التي تُسنُّ على الصعيد القومي والتي تتأثر بها الولايات خارج جنوب السودان مصدرها الشريعة والتوافق الشعبي."
ثانياً: "التشريعات التى تُسنُّ على الصعيد القومى، المطبّقة على الولايات الجنوبية و/ أو الاقليم الجنوبى يكون مصدرها التوافق الشعبى، وقيم وعــادات شعب السودان ( بما فى ذلك تقاليدهم ومعتقداتهم الدينية، احتراماً للتنوع فى السودان)."
وهكذا وافقت الحركة الشعبية على تطبيق الشريعة الاسلامية في الشمال، وهو ما كانت ترفضه منذ عام 1983، تحت شعار السودان الجديد. وعليه فقد دقّ بروتوكول مشاكوس آخر مسمارٍ على نعش السودان الجديد العلماني الموحّد. ومن الواضح أن هذا التنازل كان المقابل لحق تقرير المصير للجنوب لتصبح المعادلة: الشريعة في الشمال مقابل تقرير المصير في الجنوب.
عنوان الجزء الخامس من البروتوكول هو "حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان." ويكرّر هذا الجزء المواد الخاصة بحقّ تقرير المصير التي وردت في الأجزاء السابقة من البروتوكول نفسه. وهذا إجراءٌ غريب لأن هذا التكرار لا يضيف أيّةَ قيمةٍ قانونية، ولكن يبدو أنه يعكس عدم ثقة الحركة في الجانب الحكومي.
3
وهكذا توّجت الحركة الشعبية نجاحاتها في انتزاع حق تقرير المصير من الحكومة والمعارضة من خلال بروتوكول مشاكوس. وقد قام الدكتور غازي العتباني والسيد سلفا كير بالتوقيع على بروتوكول مشاكوس في مساء يوم 20 يوليو 2002 بالقصر الرئاسي في نيروبي بحضور الرئيس الكيني السيد دانيال اراب موي وعددٍ من أعضاء السلك الدبلوماسي والوسطاء. وقد أصدر مجلس الأمن بياناً رحّب فيه بالاتفاق، وفعلت ذات الشئ مجموعةٌ من الحكومات من بينها الامريكية والبريطانية والنرويجية والايطالية. كما تناولت الصحف ووكالات الأنباء العالمية خبر الاتفاق وأشادت بإنجاز الوفدين. وكانت هناك إشادة خاصة بالدكتور غازي والسيد سلفا كير وتمّ وصفهما بواسطة القادة الغربيين والصحف الغربية بأنهما رجلا دولة يتميزان بالحكمة والمسؤولية. عليه فقد شهد العالم، كل العالم، على بروتوكول مشاكوس، كما شهد بعد عامين ونصف بعد ذلك على اتفاقية السلام الشامل.
4
مع توقيع بروتوكول مشاكوس بدأت المرحلة الأولى من طي حقبةٍ طويلةٍ من الحرب بين الشمال والجنوب، ملأى بالمرارات والموت والدمار ونقض العهود وإهدار فرص السلام، تعود بدايتها إلى عام 1955. ففي أغسطس من ذاك العام تمرّدت كتيبة الاستوائية بمدينة توريت إثر قرار نقل أفرادها إلى الشمال، وقُتل حوالي 370 شمالياً و75 جنوبياً في تلك الاضطرابات، وانطلقت شرارة الحرب الأهلية الأولى التي استمرت سبعة عشر عاماً حتى عام 1972. غذّت هذه الحرب إخفاقاتٌ كبيرة من الشمال تمثّلت في نتائج السودنة التي أعطت الجنوبيين ست وظائف فقط من ثمانمائة وظيفة، وفي تمثيل الجنوبيين في حكومة السيد اسماعيل الأزهري الأولى بثلاثة وزراء دولة جنوبيين بلا أعباء. غذّت هذه الحربَ أيضاً ردةُ الفعل غير المسؤولة وغير المناسبة لتمرد توريت حيث تمّت محاكمات ميدانية عاجلة حكمت بالإعدام والسجن لفتراتٍ طويلة على عددٍ كبير من الجنوبيين، مما ساهم في هروب الآلاف منهم ليكوّنوا نواة حركة التمرد.
ولكن الفشل الأكبر لقيادات الشمال السياسية كان الرفض القاطع لمطلب النظام الفيدرالي الذي اتفق عليه الجنوبيون عام 1954. وقد أجاز البرلمان في الخرطوم في 19 ديسمبر عام 1955 قراراً تضمّن إعطاء مطلب النظام الفيدرالي الاعتبار الكافي. وكان ذاك جزءاً من اتفاقٍ صوّت بموجبه الجنوبيون في البرلمان على استقلال السودان. تراجع السياسيون الشماليون عن وعدهم ورفضوا قبول النظام الفيدرالي وكانت الهتافات تتعالى "لا نظام فيدرالي لأمةٍ واحدة (نو فيدريشن فور ون نيشن)" هل كنا فعلاً أمةً واحدة؟ وكأن ذلك لم يكفِ فقد بدأ قادة الأحزاب في الإعداد عام 1958 للدستور الاسلامي.
استلم عبود ولواءاته السلطة بناءاً على أوامر رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل في 17 نوفمبر عام 1958، وقاموا بشن حربٍ قاسية على الجنوب قضوا فيها على الأخضر واليابس. لم يكن هناك جنوبيٌ واحد في المجلس العسكري الحاكم، وظل السيد سانتينو دينق الوزير الجنوبي الوحيد في حكومة عبود على مدى ستة أعوام، ولوزارة الثروة الحيوانية.
5
رغم أن من أوائل أهداف ثورة أكتوبر عام 1964 كان حلَّ مشكلة الجنوب، إلاّ أن الساسة الشماليين سرعان ما عادوا إلى صراعاتهم ولا مبالاتهم تجاه مشكلة الجنوب التي درجوا عليها في فترة الحكم المدني الأول. وفشل مؤتمر المائدة المستديرة رغم جهود السيد ويليام دينق لأن السياسيين الشماليين رفضوا رفضاً قاطعاً مرةً ثانية نظام الحكم الفيدرالي الذي واصل الجنوبيون المطالبة به. الغريب في الأمر أن بعضاً من الساسة الشماليين الذين رفضوا النظام الفيدرالي عام 1965 عادوا ووافقوا على حق تقرير المصير لجنوب السودان في التسعينيات، وشاركوا في احتفالات الاستقلال في جوبا في 9 يوليو عام 2011.
صعّدت الحكومة المدنيّة الثانية الحرب في الجنوب، ووافقت الجمعية التأسيسية بالإجماع في يونيو عام 1965 على مقترح الحكومة باعتبار الحرب في الجنوب تمرداً على القانون والنظام، وأعطت الجمعيةُ الحكومةَ كل الصلاحيات والميزانية لدحر التمرد. يجب التنويه هنا إلى أنه لم تتم الانتخابات في الجنوب حتى ذاك الوقت بسبب الحرب، وبالتالي لم يكن هناك جنوبيون بالجمعية، وعليه فقد كان التصويت على طلب الحكومة بالإجماع (لم يكن بالطبع ممكناً أو مقبولاً أن يترشّح جنوبيٌ في الشمال، دعك من أن يفوز).
شهدت هذه الفترة المجزرتين المشهورتين في جوبا وواو والتي قُتل فيهما مئات المدنيين الجنوبيين، كما شهدت أيضاً اغتيال السيد ويليام دينق أثناء زيارته الجنوب. وبدأ العمل مرةً ثانية عام 1986 في إعداد الدستور الاسلامي للسودان.
انهارت حقبة الحكم المدني الثانية تحت وطأة أخطائها وفشلها، وقفز العسكر على السلطة مرةً ثانية في 25 مايو عام 1969. جاءت اتفاقية أديس أبابا بفرصةٍ ذهبية عام 1972، فقد قبل الجنوبيون الحكم الذاتي والذي هو أقل من النظام الفيدرالي، ولكن عاد نميري وحلفاؤه الجدد في بداية الثمانينيات لينسفوا ذاك الاتفاق عبر التدخل في أعمال حكومة الجنوب وحلها هي ومؤسساتها، وعبر تقسيم الجنوب وفرض قوانين سبتمبر عام 1983، وتحويل مياه الجنوب عبر قناة جونقلي، وكذلك بتروله إلى الشمال. أهدر نظام نميري وحلفاؤه الجدد تلك الفرصة الذهبية، وضاع معها قدرٌ كبيرٌ من حسن النية والثقة بين الشمال والجنوب.
جاءت انتفاضة ابريل عام 1985 وبدّد الساسة الشماليون مرةً أخرى، وبقدرٍ كبيرٍ من عدم المبالاة، فرصة إعلان كوكا دام، ثم فرصة مبادرة السلام السودانية التي وقّعها السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق في 16 نوفمبر عام 1988، والتي نادت فقط بتجميدٍ لقوانين سبتمبر (وليس بإلغائها) وعقدِ مؤتمرٍ دستوري قبل 31 ديسمبر 1988.
وجاء انقلاب يونيو عام 1989 بعد الفشل الذريع لفترة الحكم المدني الثالثة، وتحوّل الصراع في الجنوب إلى حربٍ جهادية تتغذّى من عرس الشهيد والوعود بدخول قتلى الحرب من الجيش ومليشياته الجنّة. وتنبّه العالم إلى فظاعاتها وظلمها، وتدخّلت دول الجوار بناءاً على طلب الحكومة، ثم جاءت أمريكا ودول غرب أوروبا ومجلس الأمن الدولي لتضغط الحكومة لقبول ما وافقت عليه الحكومة نفسها، وتمّ تدريجياً تدويل القضية السودانية.
لقد أضاع الساسة الشماليون فرصاً عديدة لإنهاء الحرب الأهلية، وأهدروا كل فرص السلام، ونكثوا عن كل وعودهم للجنوب، فكانت النتيجة لتلك الأفعال غير المسؤولة هي نهاية الثقة. رفع الجنوبيون سقف مطالبهم ودفعوا بشعار حق تقرير المصير ونجحوا في انتزاعه بذكاءٍ وحنكةٍ وجدارة، وأدّى ذلك بدوره إلى انشطار البلاد وبروز دولتين محمّلتين بكل أثقال الحرب من بؤسٍ وفقرٍ وتخلّفٍ وانقسامات.
6
كان التجمّع الوطني الديمقراطي وأحزابه وتنظيماته تراقب مفاوضات مشاكوس من أسمرا والقاهرة مثلهم مثل بقية المراقبين الآخرين بلا حولةٍ أو قوّة. عندما طلب أعضاء التجمّع تمثيلهم في المفاوضات اعترضت الحكومة السودانية بشدّة، ولم تتحمس الحركة الشعبية للاقتراح. وخلال المفاوضات كنا نسمع تصريحاتٍ غريبة عن أن الحركة تُفاوض باسم التجمّع، وأن التجمّع أو أحد أحزابه هو في حقيقة الأمر "الشريك الخفي" في تلك المفاوضات.
في 7 أغسطس عام 2002، أي بعد أسبوعين من التوقيع على بروتوكول مشاكوس، اجتمعت هيئة التجمّع الوطني الديمقراطي في أسمرا وأعلنت تأييدها لبروتوكول مشاكوس. بما أن هذه الأحزاب والتنظيمات كانت جميعها قد وافقت على مبدأ حق تقرير المصير لجنوب السودان فقد كان واضحاً أن هذه الأحزاب لا خيار لها غير التأييد. لا بد أن ممثلي هذه الأحزاب قد أحسّوا بالأسى والإحباط والخيبة وهم يرون حليفهم القديم والذي كانوا يؤمّلون أن تُسْقِطَ قواتُه النظامَ في الخرطوم وتعيدَ لهم الحكم في السودان على طبقٍ من ذهب قد أصبح شريكاً للنظام في الخرطوم، وأصبحت له مصلحةٌ كبرى في بقاء حزب المؤتمر الوطني في السلطة لمدة ستة أعوام كاملةٍ أخرى حتى يتم الانفصال بسلاسةٍ عبر بوابة تقرير المصير التي ساهم التجمّع نفسه في بنائها. بالنسبة للتجمع فقد انتهت سنوات الأمل وحلّ محلها حصاد الخيبة، وأصبح الصديق القديم شريكاً لمن كان عدواً مشتركاً.
لا بد أن قادة الأحزاب الشمالية قد أحسوا أيضاً بالأسى وهم يراجعون مواقفهم وأوراقهم القديمة عندما رفضوا بعنادٍ وغطرسةٍ نظام الحكم الفيدرالي الذي كان الجنوبيون يُطالبون به، وكان غاية ما يتطلعون إليه منذ عام 1955، وأكّدوه عام 1965. وهاهم قادة هذه الأحزاب أنفسهم يوافقون على تقرير المصير ويشاهدون بأعينهم كيف خرجت الكرة من ملعبهم وأصبحوا متفرجين لا أكثر في عملية انشطار السودان.
كما أن الحقيقة المريرة الخاصة بانشطار السودان لا بدّ أن تكون قد تراءت للحكومة السودانية والحزب الحاكم إثر التوقيع على بروتوكول مشاكوس، ولا بد أنهم تساءلوا في حسرةٍ وأسى كيف تدحرجت كرة إعلان فرانكفورت لتقود بعد عشرة أعوام إلى بروتوكول مشاكوس ثم الانفصال؟
من ياتُرى في الحزب الحاكم والحكومة أعطى الدكتور علي الحاج الضوء الأخضر ليوافقَ ويُوقّعَ على تقرير المصير في فرانكفورت عام 1992، ويُخرِج الماردَ من قمقمه؟ وهل هو قرارٌ فردي أم لمجموعة أفراد، أم قرار احدى مؤسسات الحزب أو الحكومة؟
7
تحدّث الأب سترنينو لاهوري العضو عن دائرة توريت بجنوب السودان أمام البرلمان السوداني في 23 يونيو عام 1958، وذكر في تلك الكلمة:
"إن الجنوب لا يكنُّ أبداً نوايا سيئة نحو الشمال. إن الجنوب يطالب فقط بإدارة شؤونه المحلية في إطار السودان الموحّد. كما أنه ليست لدى الجنوب نيّة للانفصال عن الشمال لإنه لو كان ذلك هو الحال فليس هناك قوة على الأرض تستطيع منع الجنوب من المطالبة بالانفصال. فالجنوب يطالب بإقامة علاقة فيدرالية مع الشمال، وهذا بلا ريب حقٌ يستحقه الجنوب بمقتضى حق تقرير المصير الذي يمنحه المنطق والديمقراطية للشعب الحر. وسينفصل الجنوب في أي وقتٍ بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة متى أراد الشمال ذلك من خلال سيطرة الشمال على الجنوب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً."
لم تكنْ تلك كلمات متمردٍ مدسوسٍ كما كان السيد اسماعيل الأزهري يُسمّي المحاربين الجنوبيين، أو كلمات إرهابيٍ انفصالي كما كان يسميهيم السيد محمد أحمد محجوب، أو كلمات أحد الخارجين على القانون والنظام كما أطلقت عليهم الجمعية التأسيسية بالإجماع عام 1965. كانت تلك نبوءة مثقفٍ وسياسيٍ ورجل دينٍ جنوبيٍ يؤمن بوحدة السودان، لكنه كان يملك أيضاً قدراً كبيراً من بعد النظر.
بعد ثلاثةٍ وخمسين عاماً تحقّقت تلك النبوءة.
يالها من نبوءة !!!

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3166

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#429793 [sari]
0.00/5 (0 صوت)

07-17-2012 01:52 PM
يا ناس المعارضة عليكم الله ما تعملو لينا وجع وش,
الشعب يريد فعل و الفعل فى إرسال رسائل شخصية لقوى المعارضة للإجتماع و تنسيق المواقف أو إرسال مندوبين للإجتماع حتى تتباين الرؤى و المواقف على حسنين عليه السفر لكاودا او جوبا لمقابلة مالك عقار قيادات الجبهة فى الداخل عليهم ألإجتماع بالقوى الاخرى ده التنسيق المفروض يتم لكن بيان هنا و بيان هناك ما بيخدم غرض .ومنو العندو أنترنيت فى الغابة عشان يقرأ بيانات وده لو بيعرف الكتابة و القراءة؟؟ ما تضيعوا لينا زمنا ساكت.على محمود حسنين راجل صادق و شجاع و عاوز يخدم السودان لكن وجد بقية المعارضة مسلحة و غير مسلحة عبارة عن مجموعة كسالى طيب يسوى شنو؟


#429663 [د ز محمد علي خيرالله ( رئيس جبهة السودان الجديد المتحد )]
0.00/5 (0 صوت)

07-17-2012 12:05 PM
أولاً أبعث بإعجابي الشديد لمقالات الدكتور سلمان محمد احمد سلمان التسعة فهي بحق توثيق لما تم خلال كل الفترة من توقيع علي الحاج في فراكفورت في ألمانيا وحتى نيفاشا 2005م ولكن من الواضح أن كل من حكومة الإنقاذ والتجمع وكل من عشر نفسه مفاوضاً عن شمال السودان لا يحق له ذلك فحكومة الانقاذ جاءت بإنقلاب عسكري والتجمع يمثل الأحزاب التي سحب منها حكم السودان ولذلك للأسف نجد أن شعب السودان لا يوجد من يمثله في كل ما سيؤثر تاريخياً على مستقبله فبالرغم أن الجنوبيين قد تم عمل إستفتاء لهم لم يهتم أحد برأي الشعب الشمالي أو شعب السودان قاطبة فعلي الحاج من الذي أعطاه سلطة الكلام بإسم الشعب السوداني وكذلك ناس التجمع وللأسف حتى الأمم المتحدة ومنظمة الإيقاد لم تستشير رأي الشمال والآن الشعب السوداني لم يجرى له إستفتاء لمعرفة رأي الشعب السوداني في فصل الجنوب ولذلك كا من الأفضل لحكومة الإنقاذ حتى لا تتحمل وزر ما سيتحقق بعد الإنفصال كان لا بد من وضع إشتراطات مهمة قبل الإنفصال ومنها تحديد ماهية الحدود وحل الفرقتين قبل موافقة الحكومة على نتيجة الاستفتاء ومنح الجنوب إستقلاله وأن يكون هناك شرط في نيفاشا بأنه لو كانت نتيجة الاستفتاء لتقرير المصير الإنفصال يجب أن تحدد الحدود وتلغى المواد الخاصة بالفرقتين التاسعة والعاشرة ووضع الجيش الشعبي في الشمال حيث أن التفاقية لم تتطرق لإحتمال الإنفصال وإنما بنيت في كل موادها على فرضية الوحدة الجاذبة وهذا ما أدى للمشاكل الحالية وإندلاع الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق لم يضع منفذوا نيفاشا إحتمال التصويت للإنفصال وحتى ناس الوحدة الأفريقية ولذلك وافقت الحكومة على منح الجنوب إستقلاله في تسرع عجيب دون أن تضع إزالة لما وضع مسبقاً على أن الوحدة هي رغبة قادة الحركة كما ذكروا ذلك كثيراً ومراراً ولذلك فإن الجنوبيين راعوا مصالحهم جيداً وكل من ذهب لنيفاشا ممثلاً لشعب السودان كان كاذباً وكان هم قادة الإنقاذ أن يظهروا بأنهم هم من حقق السلام بدون أن يهتموا بما قد يعود على الشمال من أضرار نتيجة العبث بمقدرات البلاد كما أن هنالك قصور من الشعب السوداني ومثقفيه لأنه ساير ناس الإنقاذ وخدع من قبلهم بشعارات السلام ونهاية الحرب وحرام أن يصحا السودانيين من نومهم على الحلم المزعج والذي هو إتفاقية نيفاشا والتي قام بها من لم يمثلوهم لأنهم أعطوا الجنوبيين ما ليس بحق لهم ولا شرعية في تمثيلهم للسودان والشيء الآخر أن قادة الإنقاذ كانوا يسرعون في إنهاء الإتفاقية حسب رغبة الأمريكان ظناً منهم أن بوش سيحضر للسودان وأن الحلم الأمريكي سيظلل السودان تحت سمائه ولكن كان الأمريكان يستلمون بيد نيفاشا ويخططون باليد الأخرى لدارفور والمحكمة الجنائية فعلينا أن نتعلم علم قراءة المستقبل والإستراتيجية الدبلوماسية والإستخباراتية للحكومات الغربية .


#429542 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

07-17-2012 10:27 AM
في النهاية نشكر للدكتور سلمان هذا الجهد المقدر في سرد

وتحليل الوقائع وإن إختلفنا معه في الكثير من النقاط .

وأقول له في راي بأن المقال كان من الممكن أن يكون أكثر فائدة لو أنه

لم ينطلق من فرضية واحدة اسس عليها كل تحليلاته اللأحقة ألا وهي فرضية

أن الحركة حركة إنفصالية وليس لها هدف منذ تأسيسها سوى الإنفصال . وأن كل الدعايات عن

السودان الجديد ليست هي من صميم مبادئ الحركة بل كان القصد منها الخداع ( ويا

للغرابة خداع منقستو هيلي مريام فقط) . من هنا أضقت الحلقة التحليلية

على نفسك وجاءت أجزاء كبيرة من الأقسام ال(9) مكرورة تصب في نفس الهدف الضيق.

هل نحن ننكر بأن للحركة توجهات إنفصالية ؟ لا طبعا من يقول ذلك فهو يكابر في الواقع الحاضر

لكن أن ندعي بأن مبدأ الحركة الأساسي هو الإنفصال وكل الكلام عن السودان الجديد ما هو

إلا فبركات فهذا هو الخطأ بعينه .

ملس زناوي الرئيس الأثيوبي الحالي كان يقود حركة تسمى وبدون مواربة " حركة تحرير

شعب التقراي " لكن تغير الوضع 180 درجة حينما عرف بأن الشعب الأثيوبي

تحت الحكم الديمقراطي يمكن أن يقبل بأن تحكمه غير الطبقة الحاكمة التي كانت تتسيدها

الأمهرة. وأنا أعتقد شخصيا بأن جون قرنق كانت له رؤية واضحة بأنه تحت أي حكم ديمقراطي

يمكن أن تقود الحركة الشعبية تجمعا لكل المهمشين ويصعدوا للحكم بتأييد كبير . هذه

قناعة ربما تبدو غريبة للتفكير الشمالي لكن من هم خارج هذه المنظومة يرونها ممكنة.

وإتضح فعلا مدى تأييد جماهير المهمشين لجون قرنق في الإستقبال التاريخي له في الخرطوم

وفي دلالة الأحداث الدامية التي حصلت عند وفاته. ومعنى ذلك تأييد لصدق تنبؤاته وهي أكثر

صدقية مما كان يتنبأ به ملس زناوي. أما كيف إتجهت الحركة بعد ذلك بكلياتها نحو الإنفصال

فهو يحتاج للكثير من العمق والأمانة في تحليل الأحداث . وأنت طبعا لم تتطرق بتفاصيل الى

هذا الوضع لأنك تعلم (أو ربما تتجاهل) بأن الخوض فيه ربما ينسف تماما فرضيتك الأساسية .

نشكر لك أن أتحت لنا وللقراء الكرام هذه النافذة الهامة.


د. سلمان محمد أحمد سلمان
د. سلمان محمد أحمد سلمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة