صحافتنا الحبيسة.. مالها .. وما عليها !
07-19-2012 01:06 AM

صحافتنا الحبيسة.. مالها .. وما عليها !

محمد عبد الله برقاوي..
[email protected]

تكمن أهمية الصحافة كوسيلة تعبير في المجتمعات الحرة ولو في الحد المعقول من تلك الحرية في انها ليست ترفا مزاجيا يتكرم به الحاكم وفق ما يشتهي أو يمنعه حينما يضيق صدره بما تقول وفي غياب كامل للقانون !
وبالمقابل فان القلم لا ينبغي أن يكون سوطا فالتا عن معايير تحكيم الضمير واعمال الأخلاق الوطنية قبل المهنية !
صحافتنا السودانية ومنذ ان وعينا على شكلها المتميز ورقا وتصميما وحجما في عهد حكومة نوفمبر 58حيث كان مشهد عمنا بائع الصحف الشهير لا فتا للغادي والرائح عابرا مساحة طيب الذكر ميدان الأمم المتحدة ، فيعانعق مسمعه نداء مايكرفون الخزين
( البرش بقرش )
كناية على الحجم الكبير وليس بالضرورة ما تحتويه مساحاته من حروف !
من ذلك الزمان الذي نسترجع جانبا منه خلف ضباب الذاكرة مع تفتح نوافذ الوعى فينا ونحن على مشارف المدرسة الوسطى في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، بدأت العلاقة مع الصحف قراءة لا كتابة طبعا !
بعد ثورة أكتوبر 64 بدأت العناونين العديدة للصحف تفرض نفسها على واجهات أكشاك البيع بعد عودتها للصدور بعد احتجاب لمدة ست سنوات كانت الساحة خالية للصحف الرسمية التي تمجد الثورة البيضاء ويتقدمها شعار الفريق عبود الشهير
( أحكموا علينا بأعمالنا )
عادت تلك العناوين ، وتربع كتاب الافتتاحيات الكبار عند صباحات الناس لأربع سنوات أمثال العمالقة بشير محمد سعيد والعتباني ومحجوب محمد صالح ومحجوب عثمان وعبد الرحمن مختار و عبد الله رجب ورحمي سليمان وغيرهم ممن لن يتسع المجال لذكرهم جميعا ، وكان ادمان الناس على كاريكاتير الراحل الفنان عزالدين مؤشرا على عمق الوعي في المواطن السوداني الذي يقرأ مؤشرات المناخ السياسي مختزلا في ذلك الرسم المعبر والتعليق المختصر المفيد !
لم تغب عن صحافتنا في تلك الفترة القصيرة لا المهنية ولا الأخلاق ولم يغب القانون الحاكم للعلاقة ما بين المجتمع والحكومة والصحف ، بيد أن التجربة السياسية كانت فطيرة بالقدر الذي عجّل باحتراق المرحلة الديمقراطية كلها وقد شابتها تداعيات وتغول على الحرية السياسية في عمومياتها بما انعكس بالتالي على مسيرة وحرية الصحافة التي انزوت خلف العتمة مرة أخرى بعد انقلاب مايو 69 وصدور قرارات التاميم والمصادرة التي طوت الصحف تحت جناحها وصارت ايلولتها للأتحاد الاشتراكي التنظيم الحاكم الأوحد ، وانحصرت صحافة النظام في دارين كبريين للاستفادة من اسميهما العريقين وهما الصحافة والأيام وتتولد عنهما اصدارات اسبوعية كالسودان الجديد والرأي العام وصحف انجليزية وأخرى للمراة والشباب ، فضلا عن صحف التوجيه المعنوي التي كانت تابعة للقوات المسلحة !
ولعله في تلك الفترة وقد سعى النظام المايوي لاستقطاب الكثير من الأقلام النيرة لخدمته
في شتى مراحل تقلباته ، فلم يكن تأثيرهم خافيا في تقديم تلك الخدمة سواء في التأطير للمنهج الفكري للنظام وفقا لكل مرحلة من تذبذبه السياسي وتخبطه الاقتصادي ، الا انها بحق فترة اتسمت برمادية الدور المنوط بالصحافة في مجملها كموجه للمجتمع ، اذ تراجع دورها رغم مصارعة بعض الاقلام الحرة لتلك الانتكاسة التي تحولت الى مذبحة كبرى ، تشرد فيها العشرات من الكتاب ، ممن أجبروا على هجر المهنة أو الهجرة خارج البلاد ، وهي جراحات باتت ندوبها بائنة على سطح جسد صحافتنا المعاصرة ردحا من الزمان !
بيد أن أسوأ فترات الصحافة من ناحية التردي الأخلاقي الذي كان غريبا على القيم الانسانية والاجتماعية السودانية وهنا لاينبغي أن يكون الحكم تعميما وانما انتقاءا محددا، هي فترة الأربع سنوات التي أعقبت ثورة ابريل85، اذ جنح بعض ممن تملكوا القلم والسند والمال الى تحويل صحفهم على خلاف نهجنا المتعارف بالتسامح والاعتدال ، فابتدعوا ما يشبه الصحافة الصفراء في الغرب المتخصصة في الفضائح ونبش الأعراض وتحقير الخصوم ، بل تفوقت عليها بمراحل ، فجنحت الى مد لسانها متوعدة لهم بان ( الانقلاب ) قادم وهى تلّمح وتصرح في جرأة من منطلق العارف ببواطن الأمور ويتندر بذلك علانية بالقدر الذي أفسد ود الحريات وأضر كثيرا بالمثل التي تعاقبت الأجيال الرصينة من الروادعلى صياناتها!
وهاهم الان الأكثر تباكيا على ما يلاقونه من اضطهاد كأنهم يدفعون ثمن ما فعلوه في الأخرين ، رغم ان الوقت ليس للشماتة أو التشفي ، اذ نحن أمام معضلة عامة ، انعكس خلالها بالضبط مأزق الدولة بذات القدر الذي أظهر ورطة صناعة الصحافة والتحدي الذي يواجه دورها في هذا المنعطف المفصلي من تاريخنا الوطني والسياسي ، ونحن نتخبط في نفق الأزمات التي أو صلتنا اليه حكومة الانقاذ التي باتت تقشعر وترتجف من كلمة الحقيقة والصوت الهاتف لها في الشارع صائحا كفى !
بالطبع لاأحد يمكن ان يكابر وينكرعدم نجاة الصحافة كصناعة من مصيدة الأزمة الاقتصادية ، لكن في ذات الوقت لا يمكن أن يفوت على عاقل استتنتاج الا تستفيد السلطة من زنقة الصحف هذه و تساعد على تفاقمها بالتضييق على حرية التعبير الممنوحة والمتبوعة برقيب الأمن الذي يعلو مقصه على ميزان العدالة !
والهدف بالطبع أجبار الحلقات الضعيفة ماديا والمحاربة اصلا في سوق الاعلان المحتكر للموالين ، وبالتالي اضطرارها للخروج من الساحة التي تعتبرها السلطة مجرد سوق للكلام الذي ينبغي أن يصب فقط في قنوات راحتها ، ولا يسبب لها قلقا في صيف الململة الساخن الذي قد يضع زبدة بقائها الزائبة اصلا في محك اللا وجود !
الان الصحافة وبشهادة كل الأطراف المعنية في أزمة تهدد بقاء الكثير من مؤسساتها وبالتالي ضياع أهل القلم وأسرهم ومستقبل ابنائهم !
ربما الاندماج في بعضها ، خاصة المتقاربة في التوجه الفكري يكون حلا !
لكن ذلك بالطبع سيخلق فائضا في الأقلام والأيد العاملة من الصحف اذا ما تم استيعابها كلها أو حتى جلها ضمن سياسة ضغط المنشات في بعضها ، حتى لو تحولت تلك المؤسسات الى تجارية فذلك لن يجدي مع ضيق مواعين الانتاج الثقافي المحلي الذي يسد الفجوة الحاصلة في قطاع الطباعة والنشر !
بيد ان عامل الصبر على المحنة حتى يقول الشعب كلمته في هذا النظام المستبد والضائق والنادم على فسحة الديمقراطية و حرية الصحافة على قيودها و التي يعتبرها من منظوره منحة للتنفيس بما لا يزعجه وليست حقا يقف بينه وبين المجتمع على مسافة واحدة !
وبالتالي وقتها يمكن أن تتدخل الدولة لرفع التبعات الضرائيبة وكافة معيقات صناعة الصحافة ، وبالتوافق مع أجهزة حقيقية وليست صورية تمثل قطاع الصحافة كصناعة وجمهور الصحفيين من الوجهة المهنية ، وقبل ذلك كله أن تصبح المهنية مساحة من الضو ء تمتد بين القانون والضمير وليست كما هي الأن ظلالا تتقطع بمقص الرقيب الأمني الذي لا يفرّق كثيرا بين شارع الصحافة و التقاطع المؤدي الى جبرة !
ونقول لزملاء مهنة المتاعب الأحرار وليسوا الامعة التبّع .. شدة وتزول عنكم وعن كاهل الوطن بأكمله فهو حبيس خلف اسوار الظلم مثل حروفكم السجينة في ضيق مزاجية من أرادكم مطبلين فقط وليسوا مصلحين ناقدين أو حتى موجهين !
ولنا في صمود صحافة لبنان وصحفييها خلال خمسة عشر عاما من الحرب أسوة وقدوة ، فقد ظلت مؤسساتهم تقف على أرجلها ، رغم غياب الدولة ضمنا ، ولكن بقيت تستند الى حائط الضمير والاصرار الذاتي ، ولم تزد تلك المحنة مهنية رجال ونساء القلم الا ثقة في الذات وتطويرا للمقدرات واتساعا في الدور !
والصبر مفتاح الفرج باذنه تعالى ..
والله من وراء القصد..


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1066

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#431488 [الأغبش]
0.00/5 (0 صوت)

07-19-2012 10:41 AM
لاستاذ برقاوى
تحية طيبة
اراك قد اصبت كبد الحقيقة حينما ا وردت " بالطبع لاأحد يمكن ان يكابر وينكرعدم نجاة الصحافة كصناعة من مصيدة الأزمة الاقتصادية ، لكن في ذات الوقت لا يمكن أن يفوت على عاقل استتنتاج الا تستفيد السلطة من زنقة الصحف هذه و تساعد على تفاقمها بالتضييق على حرية التعبير الممنوحة والمتبوعة برقيب الأمن الذي يعلو مقصه على ميزان العدالة !
والهدف بالطبع أجبار الحلقات الضعيفة ماديا والمحاربة اصلا في سوق الاعلان المحتكر للموالين ، وبالتالي اضطرارها للخروج من الساحة التي تعتبرها السلطة مجرد سوق للكلام الذي ينبغي أن يصب فقط في قنوات راحتها ، ولا يسبب لها قلقا في صيف الململة الساخن الذي قد يضع زبدة بقائها الزائبة اصلا في محك اللا وجود !"


وعليه ارجو ان تتفق معى على مخاطبة الصحفيين الاجلاء بتفويت الفرصة على النظام بدفعهم للاضراب او الاغلاق . وقد سبق ان نشر هذا التعليق فى صحيفة الراكوبة الاليكترونية الغراء و اعيده مرة اخرى :
:



يا أيهاالصحفيوون الكرام، أرجو ان لا يدفعكم عسف النظام لاتتخاذ ما يعده لكم من سناريوهات اعدت بدرجة عالية من الخبث لقتل الحريات و تخريب المؤسسة التى تضخ الاكسجين فى رئة الحقيقة فتموت اختناقا .
فالاضراب بالنسبة للصحافة يخدم اغراض النظام و يغلق لها بابا عاصف الريح ، اماتوقف الصحافة فسوف ينزل عليها بردا و سلاما و ترحب به وسوف تذبح الذبائح ابتهاجا بحدوثه كما فعل الاستاذ الكبير الطيب مصطفى عند فصل الجنوب.
ولكم فى اتفاقية السلام اسوة حسنة . الم يدفع النظام الجنوبيين للتصويت للانفصال بنسبة تقارب 100% حين طرح معادلته السحرية : سوف تكونون مواطنون من الدرجة الاولى اذا صوتم للانفصال ، و من الدرجة الثانية اذا ما صوتم للوحدة، وسوف تنالون 100% فى من ايرادات البترول إذا ما صوتم للإنفصال ، و 50% اذا صوتم للوحدة ، و سوف نطبق الشريعة الاسلامية بقطعها و رجمها و جلدها و سوف نغض الطرف عن سماحتهابالنسبة لغير المسلمين إذا ما صوتم للوحدة .
و لكم ايها العاملون فى الصحافة اسوة حسنة فى مقاطعة الاحزاب للانتخابات فخلت الساحة للمؤتمر الوطنى باغلبيته الكاسحة فاحتكر التشريع و احتكر التنفيذ و احتكر العدالة و الخدمة المدنية و القوات النظامية ، و كان مع قليل من التنسيق بين الاحزاب تغيير الاحوال180 درجة و كان من الممكن حينهاالتحدث عن حرية العقيدة التى يطرحها السيد الصادق المهدى . اما فى ظل هذا النظام العقائدى الذى جاء على اسنة الرماح احادى التوجه فانه سوف يستميت فى تطبيق نظرته الاحادية او يهلك دون ذلك .
الصحافةاصبحت الامل الوحيد لاحداث نوع من الشفافية وإضاءة الانفاق المظلمة و بدونهاسيسود الظلام
فإذا اراد لنا اخواننا الصحفيون السير فى الظلام فليغلقوا هذه الصحف .
و على اخواننا الصحفيين الحادبين على الحرية خدمة للمواطنين و الو طن تطهير صفوفهم و انفسهم بالتناصح و المكاشفة و الدعوة للحق لعل الله يحدث بعد ذلك امرا كان مفعولا.


محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة