لنتحدث لغة الأرقام
09-30-2010 07:34 PM

لنتحدث لغة الأرقام

رشيد خالد إدريس موسي
[email protected]

يبدو أن العادة التي ورثها الناس في بلادنا , عن أسلافهم, جعلتهم لا يلقون بالاً , لتسجيل و تدوين الحوادث التي تقع في حياتهم. كان الناس قديما, يؤرخون هذه الحوادث بنسبتها إلي أحداث هامة , مثلت علامة فارقة في حياتهم. كانوا يقولون ( سنة البحر ) أي سنة 1946م , التي فاض فيها النيل فيضاناً عالياً, لم يشهدوا له مثيلاً في تاريخهم الحديث. و ( سنة الكرنتينة) , أي سنة 1934م , التي وقع فيها وباء الطاعون , الذي أصاب الماشية, فحجزوها في المحجر البيطري ( الكرنتينة). و ( سنة ستة ) و هي سنة 1306 هـ , الموافق لسنة 1889م و التي حدثت فيها المجاعة الشهيرة, في عهد المهدية. و يروي أن البعض إضطروا لأكل ما لم يألفوا أكله, و بعضهم أغلقوا منازلهم و ماتوا في الداخل, تعففاً من سؤال الناس!
و يبدو أن الجهل الذي كان يسود في الماضي, بسبب عدم توفر فرص التعليم, ساعد علي ألا يسجل الناس, هذه الحوادث التي وقعت في حياتهم, و من ثم إندثر جزء كبير من التراث, و دفنت حقائق مع من ماتوا و دفنوا تحت التراب, و أدي هذا الوضع إلي أن نخسر جزءاً كبيراً من تراثنا القومي , و سادت ثقافة المشافهة, بدل من التسجيل.
الناس في المجتمعات المتقدمة, يتحدثون لغة الأرقام, و يسجلون الحوادث التي تقع في حياتهم, مهما كانت صغيرة و قل شأنها, و لكن هي عادتهم التي إعتادوها . لقد أصبحت لغة الأرقام, جزءاً من حياة الناس في هذه المجتمعات. عن طريق هذه الأرقام, يقفون علي إتجاهات السياسة و الحكم في بلادهم, و يتشكل الرأي العام وفقاً لهذه القراءة . و مثال لهذا , التقارير المالية التي تعدها إدارة الشركات التجارية. تعد هذه التقارير بمثابة حلقة الوصل , بين الشركة و أصحاب المصالح Stakeholders من عمال و موظفين و عملاء و موردين و مجتمع محلي و بيئة طبيعية. بالتالي تعمل هذه الشركات , علي توخي الدقة , في إعداد هذه التقارير, التي صارت متاحة للجميع بفضل الشفافية التي تتمتع بها هذه المجتمعات المتقدمة و بالذات , النشاطات التي تتعلق بحماية المستهلك و البيئة . و معلوم , أن الشفافية Transparency هي من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ما يسمونه حوكمة الشركات Corporate governance, بل أكثر من هذا, صارت الشركات التجارية, تنشط في العقود الأخيرة , في مجال ما يسمونه , المسئولية الإجتماعية للشركات Corporate Social Responsibilty ( CSR), و ذلك عن طريق تقديم خدماتها للمجتمع المحلي و الأجنبي , حتي تحصل علي لقب ما يسمونه, مواطنة الشركة Corporate citizenship , أي لكي تكتسب صفة مواطن صالح. بل أكثر من هذا, فإن المواطن في هذه المجتمعات يتمتع بوعي عالي و قوة في رأيه تجاه ما تقوم به الحكومة من عمل. و يستند المواطن لتكوين رأيه تجاه ما يدور من أحداث علي التقارير التي تعدها و تنشرها الحكومة عن نشاطها, أي ما تنتوي عمله في خلال العام و في المستقبل , و ماذا أنجزت و لم أخفقت في إنجاز ما إختطته , أي أنه توجد مسئولية و مساءلة للنظام الحاكم Accountability. و بالتالي يكون المواطن علي علم بما يدور من أحداث, تدفعه , إما إلي مؤازرة الحكومة أو مناهضتها.
أما في المجتمعات المتخلفة, مثل بلادنا, فالناس لا يلقون بالاً إلي الأرقام و لغتها, بل يتحدثون بلغة الإنشاء , التي تغلب عليها العاطفة. و مثال لهذا , الإنتخابات التي تمت أخيراً في بلادنا. لم اقرأ لأي من الأحزاب المعارضة لسياسة الحكومة, أنها أوردت رقماً , ضمن ما أصدرته من منشورات و دعاية إنتخابية. لم يتم قراءة نشاط الحكومة في الفترة الماضية, بل ميزانية العام السابق لهذه الإنتخابات , بل كان حديث إنشائي عاطفي, دغدغ مشاعر الأهلين. ليس هذا حديث سياسة. السياسة , هي ما تعكسه الأرقام , التي تعبر عن الأداء سواء كان إنتاج أو خدمات . بل حتي الحزب الحاكم , عمد إلي دغدغة المشاعر هذه, و كأن الناس في بلادنا يفكرون ببطونهم و ليس بعقولهم. لقد إنتهي الزمن , الذي كان يقول فيه المرشح للناخب ( سوف نعمل).
و الآن , و قد إتسعت قاعدة التعليم, و أنشئت كليات عدة للتجارة و للإقتصاد , في بلدنا, إذن فلنعمل علي نشر الوعي بثقافة الأرقام, و ذلك من أجل خلق وعي لمجري الأحداث في بلدنا, و التعود علي قراءة الأحداث مدعومة بلغة الأرقام, و العمل علي بلورة الرأي العام, لخير الوطن و المواطن.
يقول تعالي في محكم تنزيله ( و جعلنا الليل و النهار آيتين فمحونا آية الليل و جعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم و لتعلموا عدد السنين و الحساب ).
و يقول أبوعثمان الجاحظ في كتابه , البيان و التبيين : و الحساب يشتمل علي معان كثيرة, و منافع جليلة. و لولا معرفة العباد بمعني الحساب في الدنيا, لما فهموا عن الله عز و جل معني الحساب في الآخرة. و في عدم اللفظ و فساد الخط و الجهل بالعقد, فساد جل النعم و فقدان جمهور المنافع , و إختلال كل ما جعله الله عز و جل لنا قواماً, و مصلحة و نظاماً.

الرياض / السعودية


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1246

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#29070 [دابي الخشه]
0.00/5 (0 صوت)

10-01-2010 03:00 AM
كلامك دا كويس بس بعد ما تسقط حيكومة الدجل والنفاق واكلي اموال الشعب تعال قوله لينا (ما تشتت انتباهنا) !!!!!!!


رشيد خالد إدريس موسي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة