المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تعثر خُطى الثورة السودانية .. قراءة أوّلية
تعثر خُطى الثورة السودانية .. قراءة أوّلية
07-23-2012 08:16 PM

تعثر خُطى الثورة السودانية.. قراءة أوّلية

معتصم الحارث الضوّي
[email protected]

منذ اندلاع الثورة السودانية المباركة في 16 يونيو 2012 ضد نظام العسكرتاريا الفاشي الجاثم على ظهر الوطن منذ 30 يونيو 1989، وقف العالم حابسا أنفاسه ينتظر ما إذا كانت التحركات الشعبية ستسفر عن نسخة صيفية للربيع العربي أم لا، ولكن سرعان ما انكشفت بعض الحقائق التي تسترعي دق ناقوس الخطر، وشكلت تلك العوامل كوابح لمسيرة العمل الثوري الشعبي.

أول تلك الحقائق هو أن الدور الإعلامي له الأثر الأكبر في تحريك ودعم وإثراء الحراك الشعبي، وفي الحالة السودانية كان الموقف غير المشرّف الذي اتخذته قناة الجزيرة بالتواطؤ لصالح النظام السوداني، ومحاولة إقناع العالم بأن ما يحدث هو مجرد احتجاجات محدودة للتذمر بسبب غلاء الأسعار والضائقة المعيشية- كان لذلك الدور من قناة الجزيرة العامل الأكبر في إضفاء صبغة تصغيريّة على حقيقة ما يحدث، وعلى عدم التفات العالم -جزئيا- إلى ما يحدث في السودان من انتفاضة شعبية تحمل كل عناصر المعادلة المعهودة. هنا سارعت القنوات المنافسة للجزيرة لعلها تملأ الفراغ، وهرعت كل من "العربية" و"سكاي أرابيك" لعلها تقتنص السبق الإعلامي وتصبح شريكا إعلاميا لنظام ما بعد الثورة.

ثاني العوامل هو قضية غياب القناة التلفازية الخاصة بالثورة. غياب هذه الوسيلة الإعلامية ما زال قضية محيّرة، ولكني أعتقد أن السبب الرئيس هو إحجام الرأسماليين السودانيين عن المشاركة في دعم الحراك الثوري؛ فالبعض ترتبط مصالحه المادية بالعمل مع النظام، والبعض الآخر يؤثر السلامة، والبعض الأخير يقتله البُخل الشيلوكي اللعين!

ثالثة الأثافي؛ على صعيد العمل الإعلامي الثوري، فقد اتسم في كثير من الأحيان بالغوغائية والنزوح نحو تحقيق مصالح حزبية أو شخصية، مع الضرب عرض الحائط بالمصلحة العليا للوطن والمواطن، والتي تحتّم ضرورة خلع النظام المتهالك، وإذن ظهرت علينا التحركات الإعلامية التي يبدو جليا عليها السعي المحموم لتحقيق المصلحة الضيقة، وهذا العامل أثرّ سلبا على جزئية ذات أهمية فائقة، ألا وهي تعريف العالم بعدالة الثورة السودانية وحتميتها التاريخية.

رابع العوامل هو ضعف مفهوم "المواطن الصحفي" في السودان لأن الكثيرين تغيب عنهم ثقافة استخدام الحاسوب وما يتبعها من إجادة الإبحار في عالم الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وما زالت هذه الأبجديات السايبرية غائبة عن السواد الأعظم من السكان، وذلك رغم الانتشار المذهل لاستخدام الحاسوب في السودان خلال السنوات العشر الأخيرة.
إذن؛ تأثير تلك الوسائل ما زال محدودا، وما انفك وصول الخبر إلى المواطن المسحوق "محمد أحمد بالمصطلح السوداني" مقصورا على وسائل الإعلام التقليدية ذات التأثير المحدود، وبذا فإنه ليس بوسع "محمد أحمد" التعبير مباشرة عن رأيه عبر تلك الوسائل المستحدثة، وليس في متناول يده الإمكانيات المادية/التقنية لخوض نقاشات أو تواصلات تفاعلية تفيد إثراء الحراك الثوري.

خامس الحقائق تمثل في بعض الأحزاب التقليدية المتحجرة التي التزمت جانب النظام منذ شهور، بعد أن تلقى القائمون عليها مهور زواج المتعة الباهظة من إحدى الدول الخليجية، ولذا آثروا السكون والتزموا الصمت، ولم تفلح جماهيرهم الأبيّة في تحريكهم باتجاه الحراك الشعبي. رأينا هذا الموقف المخزي جليا لدى حزبيّ الأمة والاتحادي، ولعمري فإن تلك المواقف وصمة عار أزلية في جبين الزعماء الذين آثروا ملء جيوبهم الآثمة في مقابل مصلحة وطنهم وشعبهم.

سادس العوامل هو أن الفِرقة في صفوف المعارضة، وتشرذمها شيعا وقبائل، وتشظيها إلى "الجبهة السودانية للتغيير" و "الجبهة الوطنية للتغيير" و "جبهة كاودا"، وغيرها من التنظيمات؛ هذا التشرذم ربما يكون السبب الرئيس في بقاء النظام الفاسد حتى الآن. كلٌ يغرّدُ كيفما شاء، بل كيفما اتفق، حسب ما تمليه الأهواء الحزبية والدوافع الشخصية، وما أضرَّ هذا الموقف بالوطن والمواطن!

سابع الحقائق التي طعنت في عضد الحراك الشعبي هو نجاح الآلة الإعلامية (جزئيا) للنظام في تثبيط المواطنين، وإقناعهم بأن المتظاهرين حفنة من طلبة الجامعات والمعاهد العليا، وبعض "المثقافتية" الذين يؤيدونهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل الإلكترونية.
النجاح الجزئي الذي حققه النظام في هذا الصعيد، ارتبط أيضا بتصاعد عمليات ما يُسمى ب "الجيش الإلكتروني للدفاع عن السودان" الذي يتجسس على حسابات البريد الإلكتروني والفيسبوك للمواطنين الشرفاء، ويحجب الدخول إلى بعض المواقع الإلكترونية المؤثرة مثال: سودانيز أونلاين، والراكوبة، وحريات، ويتصيد الناشطين إلكترونيا ليلقي القبض عليهم، ويلقي بهم في معتقلات النظام الرهيبة حيث يلقون من صنوف "الترحاب" ما يشيب له الولدان، ويحاول نشر الشائعات وإضعاف المعنويات وغيرها من وسائل الحرب النفسية المعهودة.

ثامن العوامل هو غياب الشخصية السياسية ذات الكاريزما الساحقة بما يحقق التفاف المعارضة السودانية كافة حولها، فرغم نشاط القيادات من الوطنيين الشرفاء، إلا أن غياب شخصية كاريزمية تلتف حولها كل قوى المعارضة لتطرح برنامجا متكاملا ومدروسا بعناية لإسقاط النظام كان له دور ملحوظ في تأخير مسيرة الثورة السودانية.

تاسع الحقائق هو الدعم الاقتصادي والسياسي والمعنوي الذي يقدمه النظام الإيراني وبعض الحكومات الخليجية والذي أطال من عمر النظام الذي "يتمتع" برفض جماهيري كاسح. محاولات تلك الحكومات لإحياء النظام المتهالك واستخراجه من حالة الموت الإكلينيكي التي يعيشها لم تُجدِ فتيلا، خاصة وأن النظام السوداني أدمنَ التخبط على كافة الأصعدة، وليس أقلها أهمية القطاع الاقتصادي، والنتيجة أن النظام السوداني مرّغ كرامة الوطن في الوحل، إذ يقضي كبار متنفذيه جزء معتبرا من أوقاتهم في رحلات متكررة إلى طهران وبعض العواصم الخليجية في حملات استجداء مزرية، رغم أن السودان يضم من الثروات الهائلة كما وتنوعا ما يمكن أن يجعله من أغنى دول العالم.
إن تعاطي مسألة استراتيجية كالسياسة الاقتصادية للبلاد بنهج "رزق اليوم باليوم"، والغياب المُشين لتصور استراتيجي متكامل وطويل المدى كان له عظيم الأثر في سقوط المستوى المعيشي للسواد الأعظم من المواطنين إلى دَرَكٍ غير مسبوق، وهذه حقيقة مؤلمة رغم ما رأيناه مؤخرا من تبجّح أحد أبواق النظام والمُسبّحين بحمد ثورة الانقاذ (ثورة بمعنى مؤنث ثور) بأن متوسط دخل الفرد يصل إلى 1800 دولار. ترى عن أي مواطن بالتحديد كان يتحدث الدكتور (ر. ع. ا)؟!

عاشر العوامل وآخرها، هو النجاح الجزئي الذي حققه النظام الفاشي في اختلاق قطيعة بين الناشطين من جهة، ومنظمات العمل المدني وحقوق الإنسان من جهة، بحيث أضحت فئات وأفراد وبنسبة مقدّرة تنظر إلى تلك المنظمات النبيلة بشكٍ ورِيبة تظنها مراكز للتجسس لصالح الأجنبي، وغير ذلك من الأفكار المسبّقة التي لا تستند إلى أي أدلة قطعية، بل هي في حقيقتها الدامغة محض أكاذيب ينشرها النظام بهدف زرع البلبلة ودق إسفين بين الجانبين. للأسف الشديد نجحت تلك المحاولات في بعض الأحيان في خلق حاجز للتواصل بين الناشطين ومنظمات العمل المدني وحقوق الإنسان، وأضحى خط الاتصال شبه مقطوع، وبالتالي كمُ ونوع المعلومات التي يطلع عليها العالم جد شحيح.

في إضاءة سريعة، تطرقتُ إلى بعض القضايا التي أعُدّها جوهرية بحيث تستدعي معالجات سريعة، وتتطلب الحصافة لإيجاد حلول عقلانية مستديمة تكفلُ انعتاقا عاجلا من أتون الفوضى الطانبة التي لا تُبقي ولا تذر.

وما زالَ الوطنُ يتجرّعُ كأسا مريرا حتى تسطعُ شمسُ الثورة ظافرةً... رغم أنف الانقاذ!

المقالة منشورة على صحيفة المتوسط أونلاين:
http://www.mutawassetonline.com/news...%D9%86%D8%9F.h tml


تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 1505

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#435522 [سيف الدين سليمان طه]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2012 02:54 PM
والله يامعتصم انت موهوم ساكت ....


#435269 [Yasin]
5.00/5 (1 صوت)

07-24-2012 10:43 AM
لا اعتقد ان الثورة تعثرت...لكنها مثل كل الطبخات تحتاج لزمن..ما انجز منذ 16 يونيو و حتى الآن لا ينكره الا مكابر...فى اخر ايام نميرى انفض عنه حتى كلاب امنه تحت وطاءة الازمة الاقتصادية...و ازمة اقتصاديةطاحنة اصعب و اخطر تنخر فى عضد مناصرى النظام...مناصرى النظام تجمعهم المصالح و كلما صغرت الكيكة قل نصيبهم و بالتالى يقل ولاءهم...سيتواصل الضغط الشعبى و حينها سينفضون عن البشكير و طغمته و يقلبون لهم ظهر المحن.
انصراف الجزيرة او غيرها لا يغير اى شئ...الثورة تطبخ على نار هادئة مثلها مثل ثورة ابريل التى لم تساعدنا الجزيرة فى انجاحها...سيتواصل التذمر و فى لحظة ما سينقلب النظام...اها ثورة جياع و ليسوا باحثين عن حرية او اى ترف سياسى...الجوع لا يعرف الخوف....لوكوا الصبر و سترون


#435228 [نزار يوسف]
5.00/5 (1 صوت)

07-24-2012 09:34 AM
السبب الاساسي هو هذا الشعب الذى لم يخرج بعد والله لو خرج لسقط النظام بسرعة البرق بدون الحوجة للاعلام الخارجى او المعارضة


#435116 [كتمت]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2012 03:34 AM
النقطة العاشرة دي حقيقة انو فعلا النظام استفادة من تجربة مصر وتجنيد الامريكان وتدريب عناصر شابة في امريكا للقيام بالثورات العربية وهذا ما يفسر اعتقال الصحفية شيماء وكذلك عدد من الناشطات السياسيات ..
ولكن الحقيقية الاهم انو الانقاذ قصصة الاحزاب قصصة من أموها افقدتها القدرة على الحشد والمواجهة والتظاهر .
أما كاريزما دي ما أظنها سبب في لانوا مافي انتفاضة قامت في السودان كان الناس عندهم زعيم .. لكن هي اسباب ومسببات كثيرة قد لا تكون اكتملت بدرجة التي تجعل الشعب يخرج .. مازال الامل يحدوا الناس في حل سحري يرفع عنهم كاهل المعيشة .. الناس يبدوا أنهم مرتاحين جداً مع الانقاذ وتألفوا معها ولا يريدون التغير ولكن كل ما يريدونه لقمة عيش تسد الرمق..
أما التزمر من الانقاذ لا يعدوا أن يكون عادة يومية لها سنين يطلقها الناس وفي احاديثهم الخاصة والعامة دون اكتراث من النظام لان النظام عرف سيكولوجيا الانسان السوداني جيداً ويتعامل معها .. خيبة امل كبيرة في صفوف الثوار ولكن كل شيء في السودان يمكن ان يحدث صدفة ..


#435107 [ابوبسملة الجعلى]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2012 03:26 AM
أحسنت الاخ معتصم تحليل موضوعى مية المية وكما تفضل الاخ مجدى نتمنى ان تلحقنا بموجبات نجاح الثورة التى لاشك انها ناجحة باذن الله , حفظك الله ورعاك


#435020 [سليمان]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2012 01:07 AM
اوافقك على كل الذي ذكرتة مع الاعتراض على ما جاء في الفقرة الثامنة وما ذكرتة فيها عن الكاريزما اذ انه ليس من الضروري ان تكون هنالك كاريزما ليلتف حولها الشارع . بل وانه من اسباب الازمة السودانية بداية من قبل البشير و في عهد البشير من تلك الاسباب وجود الكاريزما لان كل الكارزمات في السودان تراعي مصالحها الشخصية. اما اضافة الي مقالك اود ان اقول ان حكومة البشير كانت تعرف مسبقا ان الشغب سوف يتحرك عقب الازمة الاقتصادية واحتاطت لذلك بانها تكون هي المحركة لتلك التحركات بدايتا بالتصريحات ( لحس الكوع , شذاذ الافاق ) ومن بعدها السكوت عن التصريح . ومرورا باعتقال عدد كبير من الناشطين ونظام البشير يعرف ان الشعب سوف يطالب باطلاق سراح المعتقلين و يقوم النظام باطلاق سراح جزء منهم لاسكات الشعب وبهذا يكون قد صرفه عن المطلب الرائسي وهو اسقاط النظام .ان هذا النظام يلعب بطريقة مرنة ليكون هو المتحكم في خيوط اللعبة , ان جاز التعبير .


#434872 [زهرة]
4.00/5 (1 صوت)

07-23-2012 10:28 PM
يملك كل من المؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي وحزب البعث إرثا تاريخيا في عمليات تنظيم الجماهير في الأحياء، وتفرض حالة عدم وجود نقابات ديمقراطية في الوقت الحالي، ضرورة أن تستخدم هذه الأحزاب بالتحالف ديمقراطيا مع الأحزاب الأخرى والمنظمات النشطة مثل كفاية، أن تستخدم تجاربها وكفاءاتها في تنظيم العمل الثوري داخل الأحياء. فالعمل الجماهيري داخل الأحياء يرتبط عضويا وبشكل مباشر بتنظيم العمل الثوري في أماكن العمل، مما يقود في النهاية إلى الإضراب السياسي والعصيان المدني. هذا مجرد مقترح من واقع متابعتي ورؤيتي.


#434851 [الواسوق]
5.00/5 (2 صوت)

07-23-2012 09:54 PM
بالرغم من كل شيئ يا استاذ معتصم الثورة ستستمر وتكبر لأن الأوضاع ماشة في اتجاه النهايات نحنا حسا زي مصر قبل سنتين او تلاتة... مظاهرات واعتصامات وقضايا وسجن وتعذيب واعتقالات وعندك الغلاء والدولار والحروب الداخلية والجنائية والمناخ الدولي والمتغيرات كتيرة جداً فما تستغرب ظهور عامل مسرع (catalyst) يقلب الامور رأسا على عقب. ويمكرون ويمكر الله ولكل ظالم نهاية


#434819 [Magdi Sarkis]
0.00/5 (0 صوت)

07-23-2012 09:01 PM
مقال جيد وتحليل موضوعي رصين ؛ وفي المقابل نودُ معرفة عوامل إنجاح الثورة- الأساليب والوسائل والطرق التي تُؤدي إلى نجاح الثورة الشعبية - أو مايسمية البعض : دليل السوداني الحزين في الثورة والقضاء على نظام البشير اللعين.


معتصم الحارث الضوّي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة