المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
اللاجئون الجنوبيون في مصر في "تغريدة البجعة"
اللاجئون الجنوبيون في مصر في "تغريدة البجعة"
08-09-2012 09:58 PM

اللاجئون الجنوبيون في مصر في "تغريدة البجعة"

أسامة الخوّاض
[email protected]

تطرح رواية "تغريدة البجعة""1" للروائي المصري "مكاوي سعيد" "2"- من ضمن ما تطرحه- موضوعة هجرة اللاجئين الجنوبيين السودانيين في مصر.وذلك يتم من خلال قصة عملها مع الأمريكية "مارشا" "3".عملت جوليا من جنوب السودان واللاجئة في مصر مع الأمريكية مارشا كخادمة في بيتها المترف.وهناك روايتان عن كيف عملت جوليا كخادمة مع مارشا.الرواية الأولى هي رواية مارشا التي ترى أن بولس القبطي صاحب الصيدلية التي تقع أسفل المبنى الذي تقيم فيه مارشا هو الذي أحضر جوليا إليها.وقالت أيضا أن سبت لوكا مواطن جنوب سوداني يعمل في صيدلية بولس هو ضحية أخرى من ضحايا تلك الحرب.وقد أوكلته به كنيسة الانجيليين بقصر الدوبارة كي يتمرن عنده ويتكسب لحين موعد هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو كندا كما وعدته مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وقد اتخذت من مصر موطنا مؤقتا لمواطني جنوب السودان الفارين من الحرب الأهلية،ص 70 .ويواصل الراوي"أخبرتني مارشا أيضا أن هناك مشروع زواج بين جوليا وابن عمها سبت لوكا لكنهما يصران على اتمامه داخل الأراضي الأمريكية أو الكندية.و أخبرتني أيضا أنها لم تطلب جوليا بالذات.بل طلبت من الصيدلي بولس أن يبحث لها عن شخص أمين ليخدمها في المنزل.فعاد إليها بعد يومين وفي يده جوليا ابنة عم سبت وانها أول ما رأتها تأثرت لضعفها وهزالها وتذكرت مذابح رواندا والصومال وقررت أن تحمي هذه البنت حتى لا تلاقي هذا المصير"ص 70. أما الرواية الثانية فهي رواية الراوي مصطفي حين يقول"ما لم تقله مارشا وعرفته بعد ذلك من بولس الصيدلي بغير قصد مني هو أن مارشا ارتاحت في معاملاتها في الصيدلية لأمانة سبت لوكا وأعجبت بلغته الانجليزية المقبولة قسألت عنه بولس الذي عرّفها بتفاصيل حكايته وعندما رأى تأثرها ورغبتها في المساعدة طلب منها أن تعاون سبت لوكا في الحصول على هجرة لأمريكا.قالت مارشا له بحيادية أن هذا الأمر ليس في يدها لكنها من الممكن أن تساعده بطريقة أخرى.تشجع الصيدلي فأخبرها عن جوليا المقيمة داخل الكنيسة الانجيلية بقصر الدوبارة في انتظار الأمل و التي يحبها ابن عمها سبت لوكا جدا بصرف النظر عن قرابته لها.تحمست مارشا جدا لاستضافتها وتكرمت بمنحها عملا بخدمتها وتحمست و ذهبت مع الصيدلي بولس إلى الكنيسة الانجيلية وقدمت طلبا رسميا قبلته الكنيسة وسمحت لها باصطحاب جوليا موال دينق" ص ص 70-71.

ولكن كيف كان الراوي ينظر إلى جوليا أثناء خدمتها لمارشا؟يقول الراوي عن جوليا"جوليا نشيطة ودءوب أمام زوار مارشا الأجانب.و قلقة بليدة متوجسة عابسة أمام المصريين والعرب.استشعرت عداءها بعد يومين من قدومها فقد كانت لا تنفذ ما أطلبه مدعية النسيان أو عدم فهم لكنتي الانجليزية أو تأتي بعكس ما أطلبه أو تتعمد أن تدخل علينا أثناء لحظتنا الحميمة.عاملتها بحدة وغلظة في غياب مارشا فلم ترتدع.نهرتها وعنّفتها أمام مارشا.تسمّرت وتمسكنت ونظراتها تستجدي مارشا.أهملتها مارشا تماما وجذبتني من يدي واحتضنتني لتهدئني.لم أستمتع بقبلات مارشا بقدر استمتاعي بصدى صوت بكاء جوليا الآتي من المطبخ.تغير الموقف تماما بعدها.أدركت ما أمثله في هذا البيت وقوتي الحقيقية واصبحت تنفذ ما أقوله أو ما أهم بطلبه قبل أن تخرج من فمي الكلمات"ص 71.من رواية الراوي نشعر أن جوليا تمارس عنصرية مضادة ضد العرب والمصريين.و ذلك راجع من ترسبات العقل الجماعي الجنوبي في خبرته المريرة في تعامله مع العرب،من خلال الحروب الاهلية التي كانت أطول الحروب الأهلية على الإطلاق في القرن العشرين.وتلك الخبرة كما يرى كمال الجزولي في مقاله "يا واحداَ في كل حال -1-" "نتاج خمسة قرون من التهميش المنهجي،ماديا ومعنويا،لأقاليم ومناطق شاسعة من الوطن،وبالأخص ضمن أجندة نخب المستعربين الطبقية التي تعاقبت،منذ الإستقلال،على الحكم"-"4"- إن ذاكرة "جوليا هي جزء من الذاكرة الجمعية الكريهة للجنوبيين التي راكموها عبر الرق والحروب الأهلية والمجاعات والتشريد القسري من ديارهم في علاقتهم مع العرب السودانيين الذين تم ادراجهم ضمن الاسم المشهور على العربي القادم من الشمال والذين اصطلح الجنوبيون على تسميتهم ب "مندوكورو".وقد حاولت أن أبحث عن مصدر كلمة مندوكورو لكنني لم أجد ما يسعفني في فهم دلالة الكلمة واذا ما كانت تحمل شحنة عدائية تجاه العربي عموما أو عنصرية مضادة.لكن الدكتور عبد السلام نورالدين في مقاله الذي نشره في "الشرق الأوسط" بعنوان"السودان:حين تصبح البنادق خيارا حضاريا..غرب السودان كحالة"،يرى الدكتور ان مندوكورو هي نتاج العلاقة السيئة الاستغلالية التي كان يقوم بها التاجر في علاقته بمالمزارع.و يصف ذلك التاجر بأنه "الذي تفنن لا تبارى شراهته في أكل لحم أخيه المزارع حياً إلى حد التلاشي-يطلق عليه الكردفانيون الجلابي، والدارفوريون الجلخاسي،والجنوبيون منداكورو،والهدندوة اسما آخر،وينحت له الكاتب عبدالله على ابراهيم وصفا-الشمالي القبيح-أما خبراء علم الاجتماع الريفي في العالم الأول فيعدونه مسخا شائها للرأسمالية في العالم الثالث"(5).وفي المقابل لا يرى الاستاذ كمال الجزولي في مقاله"يا واحدا في كل حال"2"،لا يرى في كلمة "مندوكورو" دلالات سالبة.يقول "ثمة،أيضا،ملاحظة سر أناي لكون معظم اللغات الجنوبية تستخدم مفردة (جور) بمعنى الغريب،في الإشارة إلى أهل الجوار الأفريقي،بينما تستخدم مفردة (مندوكور) في الإشارة إلى المستعرب المسلم الشمالي"(6).

و العنصرية المضادة التي مارستها مع الراوي كمصري ،ربما كانت لتجارب عنصرية مريرة مرّت بها في علاقتها مع بعض المصريين.و نجد أن المصريين عامة يميزون بين الجنوبيين الذين يعتبرونهم لاجئين،بينما ينظرون الى السودانيين المستعربيين المسلمين باعتبارهم إخوة وأشقاء تجمعهم رابطة العروبة والدين ونهر النيل.تقول إحدى الباحثات عن التفرقة التي يمارسها المصريون بين الجنوبيين والمستعربين السودانيين المسلمين" لكني كنت قد لاحظت أيضا أنه رغم أن الجنوبيين السودانيين كانوا يتكدسون في مراكز المساعدات الكنسية أملا في التقدم لبرامج إعادة التوطين التي تنظمها السفارات الغربية، فلقد كان السودانيون الشماليون يصرون علي أنهم ليسوا بلاجئين، ولن يقدموا لمثل تلك البرامج. إضافة إلي ذلك، فلقد كان المصريون يعدون السودانيين الجنوبيين "لاجئين" في مصر، بينما يقولون أن الشماليين السودانيين "هم مثلنا نحن". كان كثير من زملائي المصريين يقولون لي أن الشماليين السودانيين هم أخوة مسلمون وعرب و"أشقاء" من وادي النيل.(7 ).ويقول مركز القاهرة لحقوق الانسان تعليقا على ما سمي مجزرة ميدان مصطفى محمود والتي قام بها الأمن المصري"لم تكن هراوات الأمن التي أسقطت عشرات الضحايا هى أقسى ما واجهه اللاجئون السودانيون عند فض اعتصامهم السلمي بالقوة في ميدان مصطفى محمود بوسط القاهرة، فقد كانت ردود أفعال بعض المثقفين والتعليقات العدائية المتحاملة من بعض المواطنين أقسى وأشد. وأظهرت نوعا من الاستعلاء على الآخر على الرغم مما تعارف عليه من أن المصريين يتسمون بالتسامح وقبول الآخر، وهو ما فرض على بساط البحث تساؤلا طرحه مركز القاهرة في إطار صالون بن رشد عما إذا كان المصريون لديهم مشكلة عنصرية بالفعل، أم أنها سلوكيات فردية منعزلة؟
كانت هذه هى المقدمة التي حملتها بطاقة دعوة لندوة نظمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في إطار صالون ابن رشد وحملت عنوان "على هامش مأساة اللاجئين السودانيين:هل من علاج لعنصرية المصريين؟" وحملت معها كثيرا من الجدل والمناقشات الساخنة في الندوة التي أدارها بهي الدين حسن مدير المركز.

وقد أشار بهي الدين في استهلاله لمداولات الصالون إلى انه في أعقاب الهجوم غير المبرر واستخدام العنف المفرط في فض الاعتصام السلمي للاجئين السودانيين أمام مفوضية اللاجئين بميدان مصطفى محمود توالت ردود الأفعال المستنكرة لذلك الأمر والراصدة لما أحاط به من ردود أفعال المواطنين الذين كانوا موجودين وقت وقوع الأحداث مستشهدا في ذلك بمقال للدكتورة شيرين أبو النجا ذكرت فيه أنها صدمت لتصفيق الشباب في الشوارع لقوات الأمن وظهور خطاب عنصري في أوساط هؤلاء الشباب ظهرت تجلياته في وصفهم لهؤلاء اللاجئين بالكفرة والمجوس وأصحاب الرائحة الكريهة.-التسويد والخط من عندنا-الكاتب-(8)

وفي الفترة الأخيرة كانت علاقة جوليا مع مارشا متوترة وفي ذلك يقول الراوي "و كان أول بيت زرته بعد عزلتي في مرسى مطروح وشقتي،كان منزل مارشا التي تألق وجهها بمجرد أن رأتني وقالت لي بعد ذلك أن مزاجها اعتدل و الذي كان قد تكدر كثيرا من خادمتها جوليا التي دأبت في الفترة الأخيرة على تجاهل أوامرها وعدم تنفيذها بحجة السهو و النسيان.قلت لها بالانجليزية وبصوت عال حتى تسمعه جوليا وهي بالمطبخ بأن تعيدها إلى الكنيسة وترتاح منها أو تعيرها لإحدى صديقاتها أو تتركني أتصرف معها.داعبت مارشا ركبتي بأصابعها وهي تبتسم ثم همست لي بأسى بأن أعدادهم تكاثرت في الآونة الأخيرة و الأمم المتحدة لم تعد في خططها مسألة إعادة توطينهم بكندا أو أمريكا أو البلاد الأوروبية كالسابق و تغيرت أجندتها بعد اتفاق السلام"9" وتنوي إعادتهم جنوب السودان وهذا ما يوتِّر جوليا و ابن عمها"ص ص 254-255. ونشهد أكثر كراهية الراوي لجوليا عندما يقول"فتحت لنا جوليا الباب بدهشة المتخلف عقليا"ص 155. كما نرى ازدراءه لجوليا حين يقول"قادني التعب إلى الأوفيس عند جوليا الخادمة...فطردتها بقسوة و أنا في حالة من السكر البيِّن"ص 20.و يلخِّص الراوي علاقته بجوليا حين يحكي"صرفت جوليا التي كانت تخافني وترهبني معتقدة بأنني سيد هذا البيت طالما اني أنام مع سيدته(كان بيننا عدم احترام متبادل) فقد كان يربكني خوفها مني و توجسها الدائمين ولم ترتح لي هي لمائة سبب أهونها خوف فقدانها الوظيفة"ص 70.

هاتفت "مارشا" الراوي لتخبره في صياح وغضب وغيظ بحسب وصفه بأن شقتها قد سرقت.فرد عليها أن اخبري الشرطة.ردت عليه بحدة وهي تقول "لن أبلغ أحدا.فأنا أعرف السارق.هل ستتركني أواجهه بمفردي أم ستأتي معي؟ثم أغلقت الهاتف بعنف"ص 272.ثم بعد ذلك قال الراوي "ارتديت ملابسي التي تصادف وجودها أمامي و انطلقت إليها "ن ص. ولما فتح الراوي الباب في الهول –كما يقول"كانت الخادمة جوليا جالسة على الكرسي مقيدة ووجهها منتفخ من أثر الصفعات التي كالتها لها مارشا.تنفست الصعداء وأنا أرى جوليا بينما ماتت البنت رعبا وهي تراني.كانت عيناها حمراوين تماما بلون الدم لكن لا أثر للدموع.لكنها تنفي بشدة أنها السارقة.سحبت كرسيا وجلست في مواجهتها كالمحقق في الأفلام الأمريكية.ظللت أتفرس في وجهها دون كلام.كان لون بشرتها الغامق يكاد يضيئ وشعرها المجدول جعل فروة رأسها تبدو كالكرة الأرضية.وكانت شفتاها الغليظتان ترتعشان وأنفها الرقيق متورم بعض الشيئ من عنف مارشا.كلما اقتربت خطوة بالكرسي إلى الأمام كانت البنت تصرخ وتزداد رعدتها كأنني الشيطان.ويبدو أن هذا انطباعها عني منذ زمن ضخمته مارشا بعد أن هددتها بي وصورتني لها متوحشا.لم أمد عليها يدي.فقط سألتها أين خبأت المسروقات؟وكانت تنفي بجنون.تركتها وسحبت مارشا إلى المطبخ لأعرف ماهية المسروقات.أبلغتني مارشا أن المبلغ المسروق يبلغ عشرة آلاف دولار قيمة الدفعة الأولى من منحة هولندا وأن السرقة تمت بعد أن سحبتهم من البنك تمهيدا لدفع عربون لشركة كوداكتحت حساب شراء الأفلام الخام بالإضافة الى بعض الخدمات الإنتاجية الأخرى.لم أعلق على سبب استبقاء هذا المبلغ الكبير بالمنزل ولا تبريرها الضعيف."ص ص 272-273 .ورلكي تؤكد مارشا للراوي أن جوليا هي السارقة "أشارت إلى حقيبة كبيرة بجوار موقد الغاز وقالت:دي شنطة جوليا.حطت فيها كل هدومها وأغراضها تمهيدا للفرار".ص 273 .

لم يبرئ الراوي ذمة جوليا من السرقة بل حاول أن يجد مبررا لذلك قال "كان من الواضح أن جوليا وابن عمها بعد أن فقدا الأمل في الهجرة عقب أن رفعت الأمم المتحدة يدها عن دعم المهاجرين وإعادة توطينهم بحجة أن اتفاقية للسلام قد أبرمت بين شمال وجنوبه واستقرت الأوضاع،أنهما قد قررا الاعتماد على أنفسهم وقررا الهجرة بعيدا عن اتفاقيات الأمم المتحدة. ولذلك فكر في طريقة لكي تعترف جوليا بالسرقة.يقول الراوي في ذلك حاسبا حساباته"لو اتصلت مارشا بالشرطة لفسد الأمر ولن تعود النقود.وقد يشم سبت ابن عمها الخبر ويهرب بمفرده متخليا عن جولياغير مهتم بمصيرها.كان لا بد من اجبارها على الكلام حتى تعترف هل أعطتهم لسبت فعلا أم خبأتهم بمكان ما ولم تسلمه أي شيئ بعد"ص 273 ولذلك طلب من مارشا عدم التدخل في ما أسماه أسلوب إدارته لحل الأزمة.يقول"فابتسمت لأول مرة ولم تعلق.فككت قيود جوليا ورحت أحايلها بالعفو عنها وبأنني سأجبر مارشا على التغاضي عن موضوع السرقة وسأجعلها تساعدهم في الهجرة إلى أمريكا".ن ص.ماذا كانت ردة فعل جوليا على أسلوب الراوي في إدارة الأزمة؟يقول الراوي عن جوليا"كانت فقط تشهق كالذي يشرف على الموت وتغيب في إغماءات متتالية قصيرة الأمد وصدرها يرتفع ويهبط بعنف كأنها مصرة على أن تدفع مقابل هذه النقود إهانات وضربا و سجنا.ولما وجدتني لا أمد يدي عليها كما كانت تتصور،بدأ صوتها يرتفع بالنفي واتهامنا بالظلم و الإفتراء.وأننا نمارس ضدها تمييزا عنصريا لأننا اتهمناها ولم تتهم صديقة مارشا التي كانت تسهر معها ليلة أمس."ن ص.وعقب الراوي على الكلام الأخير لجوليا"فاجأني كلام جوليا فالتفتُّ إلى مارشا التي قالت بمنتهي الهدوء:تقصد ديانا.المتخلفة عايزاني أشك في ديانا"ص ص 273-274 .أعادت جوليا ذكر ديانا،فاستفزت مارشا"واقتربت منها قاصدة التدخل،فأبعدها الراوي عنها،ثم أكمل الحكاية"و خلعت حزام بنطلوني الجلدي وجذبتها من الكرسي على الأرض وطاردتها في كافة أنحاء الشقة وكلما وقع الحزام على جدار أو منضدة أحدث صوتا مدويا.شاركتني مارشا في مطاردتها وظلت الفتاة تتغلب علينا بقفزاتها البهلوانية على الأرائك والكراسي حتى خرجت إلى الشرفة.كانت منزوية في ركن الشرفة وقد أغلقت مارشا الباب خلفي حتى لا تهرب من تحت ذراعي وأغلقت الباب الآخر للغرفة المشتركة و كنت أسند ظهري إلى زجاج باب الشرفة وأكابد حتى لا تبين ملامح خوفي من الأماكن العالية.وكانت تنظر كقط محاصر.وأنا أحاول تهدئتها وعندما أوهمتها بالاقتراب منها والإمساك بها،امتلكها رعب لا حد له وقفزت من الشرفة البالغ ارتفاعها أربعة عشر طابقا"ص 274 .

كيف كانت ردة فعل مارشا والراوي على سقوط جوليا من الطابق الرابع عشر؟ردة فعل مارشا يمكن ان نجدها في كلام الراوي عنها في "أنها فتحت باب شقتها بثبات قاتل محترف وطلبت مني أن أختبئ في الأسفل في شقة ديانا"ص 275.ولاخفاء دورها في موت مارشا سمت ما قامت به جوليا انتحارا،حين قالت للراوي "إن الأمور تمت بخير وأن الشرطة تفهمت دواعي انتحار جوليا "ص 276.ولم يهمها في الموضوع كله إلا استرداد أموالها وفي ذلك يقول الراوي ان مارشا أخبرته أن الشرطة "يبحثون عن سبت لإعادة أموالها إليها"ص 276.وحين سألها الراوي عن جوليا قالت "باستغراب:جوليا ماتت يا مصطفى..عايزها ترمي نفسها من العلو دا كلو وماتمتش..انت فاكرها الرجل الوطواط"ثم ابتسمت.وعلّق الراوي على ابتسامة مارشا"مارشا ابتسمت بعد أن شاركنا في قتل الفتاة المسكينة واعتبرت ما أقوله مزاحا يدعو للابتسام"ص 276. ماذا كان رأي الخواجيتين ديانا وصوفي في موت جوليا؟يقول الراوي عنهما"ما سمعته منهما وهما بالخارج لا يخرج عن وصف انضباط رجال الشرطة و أخلاق رجال أمن المبنى الذين دعموا كلام مارشا"ص 276 .و يحتج الراوي الذي استيقظ ضميره على كلامهما حين يقول "لم تتحدثا عن الدم القاني الذي اندفع من جوليا..أو عن مخها الذي تناثر على الأرض.ولا حتى عن التلفيات التي أحدثها سقوطها بالسيارات الواقفة أمام المبنى.لم يتحدثا عن أحلام جوليا بالهجرة إلى الغرب..إلى الجنة الموعودة كما كانت مارشا تملأ بها رأسها من قبل.لم يتكلما عن الإنسان والآدمية"ص 276. ويوجز رأي مارشا في موت جوليا،حين يقول"لم تؤكد مارشا على شيئ مثلما أكدت أن نقودها ستعود قريبا لنبدأ بها إنتاج الفيلم"ص 276.ثم ينمو عند الراوي حس بأنه مجرم حين يقول عن بعض الناس المتجمعين"ولم تسعف أحدهم بصيرته كي يشير إليّ بأنني القاتل فيقتصون مني"ص 277. ويتنامى الإحساس بالجرم عند الراوي الذي كان يضطهد جوليا فيدخل في مونولوج طويل"لقد هاجرت جوليا إلى الآخرة وسيهاجر ابن عمها سبت إلى السجن.و أنا لا أدري هل طوقت مارشا عنقي بجميل أم أحكمت عليه حبل المشنقة.صرت مسئولا عن موت فتاة لم تبلغ العشرين من عمرها.ساقها قدرها من بلادها البعيدة وهي تنوء بأحلامها التي تكاد تقصم ظهرها ولأولادها من بعدها ولكل سلالتها.حلم التحرر و العيش بآدمية.و لم يتغير بالنسبة لها شيئ.صارت خادمة ثم سارقة ثم منتحرة.و ماتت الأحلام موءودة.ما الثمن الذي تنتظره مارشا مقابل تسترها علىّ؟وما هي الصفقة السرية التي تبادلناها دون أن نتحدث؟هل ستجني من ورائي مالا أم ترقية أم لوما وتوبيخا من الجهاز الأعلى الذي يتحكم في مقدراتها...هل سآبه وأكترث أم أصير مثل جحا الذي اقتربت المضاجعة من مؤخرته وظل متباهيا بأمنه الشخصي؟"ص 277.

موقف الأمريكية "مارشا" وصاحبتيها يعكس موقفا يحمل في داخله العاملين العرقي والطبقي معا.فهنا نجد أنفسنا أمام ثنائية أبيض-أسود وثنائية غني-فقير وهما ثنائيتان ضدّيتان.فالبنسبة لمارشا تساقط شعورها عن تعاطفها مع مذابح رواندا والصومال،وظهر جليا لاشعورها العرقي المتثل في اضطهاد الأسود كما في تجربة المجتمع الأمريكي مع العبودية وتجارة الرق ثم بعد ذلك سياسة الفصل العنصري بين البيض والسود.كما ظهر لاشعورها المتمثل في احتقار الأعمال الهامشية والفقراء بشكل عام.و ذلك ينطبق بدرجة كبيرة على صاحبتيها الذين لم توضح الرواية جنسيتهما.

و قد بدّلت حادثة موت جوليا من علاقة الراوي التي كانت حميمة بمارشا.يقول عن ذلك التبدّل"تغيرت الاتصالات بيني وبين مارشا بعد هذه الحادثة.قلّ ما أتلقاه منها و صارت ترد عليّ بايجاز.لم أعد أطيق منزلها وصرت أتطيّر منه خوفا"ص 277.

تبقت نقطة أخيرة لا بد من الإشارة اليها وهي التناقض الحاد بين موقف "الراوي" الإنساني المتعاطف مع جوليا ،وبين موقف "الروائي" مكاوي سعيد من مسألة إعادة توطين اللاجئين في بلده،مصر،مما يدل على قصور في ثقافته المتعلقة باجراءات اللجوء.ويمكن أن نجد مثلا لذلك في الحوار الذي أجراه معه موقع "حريتنا"-"10".فالمبدع مكاوي سعيد هو ضد أن تكون مصرا " هي مجرد محطة للاجئين للهروب إلى أحد الدول الأخري طمعا في مستوي معيشي أفضل". ولكنه لا يعرف أن عملية إعادة التوطين تتم ضمن شروط معينة، تقول شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)-مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتش)"ويشكل خيار إعادة التوطين في بلد ثالث، حسب المنظمات العاملة في مجال اللجوء، خيارا جيدا بالنسبة للاجئين الذين لا يستطيعون العودة إلى بلدانهم أو الاندماج في مجتمعات البلدان المضيفة لهم. وعادة ما يتم التفكير في خيار إعادة التوطين عندما يفشل خيار العودة الطوعية وتكون حياة اللاجئ أو حريته أو أمنه أو صحته أو حقوقه الأساسية مهددة في بلده الأصلي أو في البلد المضيف له، حسب فانسنت كوشتيل، نائب مدير وحدة خدمات الحماية الدولية بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين". "11".و ربما بني خيار إعادة توطين الجنوبيين لعدم قدرتهم على الاندماج في المجتمع المصري.

هوامش:
1-استندنا في مقاربتنا هذي على الطبعة السابعة لرواية "تغريدة البجعة" لمكاوي سعيد،الصادرة عن دار "الدار" للنشر و التوزيع بدون تاريخ.و هذه الرواية كانت مرشّحة لجائزة بوكر العربية 2008 short list.
2-مكاوي سعيد كاتب وسيناريست مصري في مجال الأفلام التسجيلية و الروائية القصيرة، كما يكتب لمجلات الأطفال.صدر له:
الركض وراء الضوء-مجموعة قصصية.
حالة رومانسية-مجموعة قصصية.
فئران السفينة-رواية-أربع طبعات.و قد فازت بالجائزة كأحسن رواية في مسابقة سعاد الصبّاح للقصة.
راكبة المقعد الخلفي-مجموعة قصصية.
في عام 2008 فاز بجائزة الدولة التشجيعية في الأدب المصري.
3-مارشا كما يعرفها الروائي"بولندية الأصل أمريكية الجنسية.هاجرأجدادها إلى أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية.تمتلك مارشك كل مقومات الجمال الذي يتوق إليه أي شرقي.العيون الخضراء والشعر الأصفر والقامة النحيفة و الطول المعتدل.و تمتاز بتفكير مرتب وذكاء ومعرفة ثقافية متميزة.لم تنه مارشا أياً من رسائل الدكتوراة التي انهمكت فيها.كما أن غيرت مواضيع رسالتها أكثر من مرة.من "خلايا التيار اليساري بمصر" إلى "التنظيمات الهامشية وتأثيراته في مجرى السياسة المصرية" إلى "التيار الديني الأصولي وعلاقته بالأنظمة العربية.وبدّلت أكثر من جامعة أمريكية للإشراف على رسالته كما أقنعتي..رسالته الأخيرة التي استقرت عليها عن "وسطية الإسلام وتطرفه من خلال تشريح الطبقة الدنيا المصرية".و آمل أن تتمها و أنا على قيد الحياة".مارشا مكثت بالأردن عاما تعلمت فيه بعض مبادئ اللغة العربية.ثم استقرت بمصر منذ سنوات.أجادت فيها اللغة العربية و أتقنت العامية وتعلمت اللهجة النوبية فهما لا نطقا.وكل هذا كي يخدم رسالتها كما تدّعي.والدتها مدربة جمباز إيقاعي بواشنطن d.c و منفصلة منذ سنوات.تعيش بعيدا عن أبيها الذي يعمل استاذا في مركز أبحاث تابع لجامعة كولمبيا.مارشا وحيدة لا أخ لها و لا أخت.لكن لها أقارب عديدين من جهة الأم و الأب.لم تزر مارشا بولندا أبداً ولا فكرت في زيارتها.و من أمنياتها أن تزور السعودية و العراق وقطر والكويت.ولم أعرف لماذا؟"ص ص 147-148. وفي الفترة الأخيرة كانت تعدّ مع الروائي كسيناريست فيلما تسجيليا عن أطفال الشوارع في مصر.
4- http://www.d-a.org.uk/opinion/kgizouli/essays.htm
5-http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=383508&issueno=10157
6-http://www.d-a.org.uk/opinion/kgizouli/essays.htm
7-أشقاء وادي النيل: شماليو السودان في مصر... هل هم لاجئين؟ بقلم: انيتا فابوس .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي.انظر الرابط http://www.sudanile.com/index.php?op...2-42&Itemid=55
ما قالت به الباحثة ربما كان في اوائل ايام قدوم الشماليين الى مصر هروبا من نظام الانقاذ في بدايته الفظة،لكنهم بعد ذلك أصبحوا لاجئين و قسم كبير منهم تم ادراجه في برنامج إعادة التوطين.
8-http://www.cihrs.org/Arabic/NewsSystem/Articles/110.aspx
كان عنوان الندوة التي نظمها المركز في صالون ابن رشد بعنوان:على هامش مأساة اللاجئين السودانيين:هل من علاج لعنصرية المصريين؟ومما يحمد لمثل هذا النوع من الندوات، هو ان شريحة من المثقفين المصريين تمارس نقدا ذاتيا لبعض الممارسات العنصرية.
ويمكن أن نجد تفاصيل ما حدث في ميدان مصطفى محمود في بيان من المنظمة المصرية لحقوق الانسان عن حادثة "مجزر-ة-هذا رأي الكاتب" ميدان مصطفى محمود:
http://www.mafhoum.com/press9/264S24.htm
9-يبدو من الواضح ان مارشا تشير هنا الى ما سمي باتفاقية السلام الشاملة التي انعقدت بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة السودان بقيادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في نبيفاشا في عام 2005.
10--تدور الرواية بين عدة أحداث مختلفة في المضمون والأسباب كأطفال الشوارع ، مشكلات اللاجئين في مصر ، التمييز المقنع ، أزمة الثقافة ، وغيرها ، ألم تفكر في فصل تلك المشكلات كلا في قصة؟
- أنا في البداية لم أقصد التعبير عن تلك المشكلات بهذه الطريقة ، و إنما كنت أتتبع مصائر أشخاص هؤلاء الأشخاص تفاعلوا مع تلك الأحداث المحيطة بهم كما تفاعلوا مع الأحداث العامة في مصر مما عكس تلك المشكلات بالطريقة التي ظهرت فيها في الرواية ، و ذلك لأنني أري أن الكتابة الأدبية هي التاريخ الحقيقي لأى أمة وعلى من يريد معرفة الحالة الحقيقة للمجتمع في عصر فليقرأ أدب ذلك العصر ، لأن التاريخ الذي نراه هو ما يكتبه المنتصرون.
* وما الذي ميز تلك القضايا بالذات عن غيرها ؟
- مثلا مشكلة أطفال الشوارع فقد أشارت الإحصائيات الأخيرة أن عددهم يقترب من الإثنان مليون ، فإذا افترضنا أن هناك مبالغة في العدد ولنقل أن العدد الحقيقي هو مئة ألف طفل يتراوح عمرهم ما بين الست سنوات والعشرين سنة ، هؤلاء الأطفال سوف يصيرون مجرمين بعد عدة سنوات ، إذن فالأمر خطير حقيقة، أما عن مشكلة اللاجئين فإنني لم يعجبني أن تكون مصر هي مجرد محطة للاجئين للهروب إلى أحد الدول الأخري طمعا في مستوي معيشي أفضل . http://www.horytna.net/Articles/Deta...=259&AID=10839

11- http://arabic.irinnews.org/ReportArabic.aspx?SID=1871


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1201

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#446565 [مشوت Machut]
0.00/5 (0 صوت)

08-11-2012 04:12 AM
قريت القصة دى قبل سنتين ....... وكلما اقراءها ..... اتذكر ابنة خالتى التى قتلت بزمالك بنفس الطريقة وتحمل نفس الاسم الاول .....عندما ذهبنا لمكان الحادث ..... قالو انها قفزت من شباك الحمام لانها سرقت ...... والقاضى الذى بيدة القضية كان صديقا دائم فى منزل تلك الامراة ..... وحتى لحظة خروجنا من مصر لن نصل الى شى .....وكثير من الجنوبين ماتوا بهذة الطريقة ..... يدخل جزء منهم المستشفى بوعكى بسطة فيعودون جثث مشرحة ..... فتسال كيف تم تشريح الجثة قبل حضور الاهل ..... ولا تجد الاجابة


#446129 [حسن علي]
5.00/5 (1 صوت)

08-10-2012 03:21 AM
هذه الرواية غير مستمدة من واقع لاجيئي السودان الجنوبي بمصر وإنما خيال فطير من الكاتب جانب حقائق الواقع. ليست هنالك ثمة قبيلة (ولا واحدة) في السودان الجنوبي يتزوج فيها الشاب إبن عمته وبالتالي عرس جوليا من سبت محض خيال لا يسنده داعم من واقع قبائل السودان الجنوبي.أما ذلك الغثاء عن السرقة وغيرها وكيف أراد الكاتب المريض التسويق لفكرة أن المصريون ملائكة رحمة، فكلام حلب لا يجد مصدق له، حيث لم يسلم أي مواطن أو مواطنة من السودان الجنوبي في مصر من القذف بالبيض هذا غير الكلمات النابية التي تطرق أذنه بين الفينة والأخري مثل هونقا وشوكلاتة وغيرها. إختشي يا كاتب الهنا.


#446077 [مارتن لوثر]
0.00/5 (0 صوت)

08-10-2012 01:07 AM
شكرا لك ياصاحب القلم والحس المرهف


أسامة الخوّاض
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة