شريحة العاشق
10-04-2010 02:34 PM

أجراس الهواتف

شريحة العاشق

يحيي فضل الله

إهتز موبايل \"نجلاء\" ثلاث هزات مع ثلاث رنات متقطعة، حينها سحبت \"نجلاء\" نظراتها عن القمر المعلق في سماء خريفية لا تنذر بمطرٍ قريب، تناولت الموبايل من تحت المخدة واختارت عرض الرسالة المكتوبة التي وصلتها الآن من \"حاتم\"، قرات \"نجلاء\" الرسالة القصيرة: [كيف في طريقة الليلة؟]، تنهدت نجلاء بإرتياح وبدأت ترد على رسالة \"حاتم\" \" في إحتمال، خلينا مع الرسائل\".

كان الليل بقمره المتسلل بين السحب قد إقترب من منتصفه وكانت \"نجلاء\" مسترخية على سريرها الموضوع في ركن الحوش حيث اعتادت أن تنام دائماً بالقرب من شجرة ليمون شائخة وجهنمية برتقالية زرعتها هي بنفسها، كانت \"نجلاء\" في إنتظار رسالة \"حاتم\" حيث انهما إتفقا على استخدام الرسائل المكتوبة فيما بعد منتصف الليل حتى لا يفضح رنين تلفونها علاقتهما المتكتم عليها لأكثر من ثلاث سنوات،
كان \"حاتم\" قد تعرف عليها في مدرج كلية الفلسفة بجامعة النيلين وكان هو في عام التخرج وهي في العام الثالث في الكلية نفسها، \"حاتم\" يعمل الآن سائق ركشة وهي استطاعت أن تحصل على وظيفة منٍٍٍسق في إحدى المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان وكانا يخططان سوياً خطوة بخطوة للدخول في بيت الزوجية، كل ذلك ولا أحد في إسرتها المكونة من أمها \"ست النفر\" واختها \"مريم\" المتزوجة والمقيمة بمدينة \"الروصيرص\" واخويها عبد الحكم المقيم بالخليج و\"النذير\" المتواجد مع الأسرة الآن والذي يعمل في إحدى المنظمات الإسلامية، كان \"النذير\" متديناً حد التزمت وكان هو الرجل الوحيد في البيت، فقد رحل الوالد عن الدنيا قبل سنوات خلت و\"عبد الحكم\" أخيها الأكبر ترك السودان ليعمل في الخليج بعد وفاة الوالد وعاد إلى السودان وتزوج ورجع مع زوجته إلى الخليج. فيما بعد منتصف الليل كانت نجلاء تستقبل رسائل \"حاتم\" وترد عليها وهي مستلقية على سريرها بينما والدتها \"ست النفر\" في مرقدها المعتاد أمام راكوبة المطبخ وفي الجانب الآخر من البيت - حوش الرجال- يرقد أخاها \"النذير\" ، كانت الرسائل بينها وبين \"حاتم\" قصيرة ومشحونة بعواطف تحتشد لتنفيذ خطة لقاء ما بعد منتصف الليل.

كتب حاتم: \"أجي ولا ما أجي؟\"
ردت نجلاء: \"خليني أتأكد كويس\"
وتحركت نجلاء لتتأكد من أن أمها قد دخلت منطقة نومها العميق وتحركت نحو حوش الديوان وبخلسة مدربة رمت بنظرها إلى حيث يرقد \"النذير\" وعادت إلى سريرها.

كانت \"نجلاء\" قد اعتادت على لقاء \"حاتم\" فيما بعد منتصف الليل في بيتها، كان \"حاتم\" تعود على التسلل إلى بيت \"نجلاء\" بعد ترتيبات دقيقة يحكمها نظام الرسائل التلفونية المكتوبة وعبر الباب الصغير في - حوش النسوان - والمواجه تماماً لموضع سرير \"نجلاء\" وكانت شجرة الليمون العجوز والجهنمية البرتقالية تشكل حاجزاً معقولاً بينهما وبين موضع سرير أمها \"ست النفر\"، كان \"حاتم\" يتلقى الرسالة الأخيرة من \"نجلاء\" بعد سلسلة الرسائل المتبادلة وكانت دائماً رسالة قصيرة مكونة من كلمتين:
\"الباب فاتح\"
بعدها عادة ما تسمع \"نجلاء\" صوت \"الركشة\" وقد تجاوزت الباب بمسافة لتقف أمام \"مركز اتصالات الحلة\" الكائن بالقرب من البيت والمواجه لدكان \"البرقاوي\"، بعدها سرعان ما يدخل \"حاتم\" بالباب المفتوح والموارب دون أن تحس به \"ست النفر\" وبالرغم من المجهود والجهد العاطفي للرسائل المكتوبة وهذا التسلل العاشق إلا ان جلستهما تلك هي جلسة أشبه بالبرئية وكان الهمس بينهما عادة ما يكون حول خطط ومشاريع تحاول أن تجعل بيت الزوجية وأقع أكثر منه أحلام وأماني وبعدها بساعة أو أكثر قليلاً تمتص \"نجلاء\" صوت ركشة \"حاتم\" وهي تغادر الحلة لتذهب هي بعيداً في نعاسٍ حالم ومشبوب بالأمل.
كتبت نجلاء: \"إنت وين؟\"
رد حاتم: \"أنا قريب، في التقاطع\"
كتبت نجلاء: \"خلاص، أعمل ليك مشوار مشوارين\"
رد حاتم: \"يعني مافي طريقة\"
كتبت نجلاء: \"أمي نايمة-
ما متأكدة من النذير\"
رد حاتم: \"إنتي عارفة ما اتلاقينا قبل أكثر من شهر\"
كتبت نجلاء: \"عارفة، خليني أتأكد بس\"

وعلى أطراف أناملها تحركت \"نجلاء\" إلى حوش الديوان ورمت بنظرة حذرة ومتحسسة لمرقد \"النذير\" وعادت إلى سريرها. أمام \"مركز إتصالات الحلة\" كان \"عبد المنعم\" أشهر العاطلين في الحلة قد اشترى كرت إتصال ليشحن تلفونه ليؤدي مهمة خطيرة وهي الإتصال بـ”علوية” ست العرقي لتجهز له \"كريستالة\" كبيرة حتى يتسنى له أن يحملها عابراً بيتها دون توقف.

كتب \"حاتم\": أها كيف؟\"
ردت نجلاء: \"انا خايفة\"
كتب حاتم: \"في شنو؟\"
ردت نجلاء: \"أنا ما مطمئنة\"
كتب حاتم: \"يعني، أمشي بيتنا؟\"
ردت نجلاء: \"خليني أتأكد\"

بأطراف أناملها وبخطوات حذرة وصلت \"نجلاء\" إلى \"المزيرة\" داخل الراكوبة ورمت بنظرها أثناء شرابها للماء إلى أمها النائمة، وضعت كوب الماء على غطاء الزير وتحركت نحو حوش الديوان وتحسست مرقد \"النذير\" مقتربة هذه المرة حتي أنها توغلت أكثر في حوش الديوان و سمعت شخيراً خافتاً يطلقه \"النذير\" وعادت بخفة حذرة إلى سريرها.

كان \"عبد المنعم\" يجلس على عتبة \"مركز اتصالات الحلة\" ويدير رقم تلفون \"علوية\" دون جدوى فقد كان تلفون \"علوية\" ست العرقي خارج الخدمة.

كتب حاتم: \"أها- كيف؟\"
ردت نجلاء: \"إنتظر- ما تمشي البيت\"
كتب حاتم: \"يعني في أمل؟\"
ردت نجلاء: \"إنتظر الإشارة\"
كتب حاتم: \"ده كلام جميل\"

لا زال \"عبد المنعم\" مواصلاً إتصاله بـ”علوية” دون جدوى وقد استقبل تلفونات عديدة من شلة الأنس التي كانت تنتظره ليعود محملاً بالزيادة.

كتب حاتم: \"أها كيف؟... لسع؟\"
ردت نجلاء: \"انتظر شوية\"

\"عبد المنعم\" وهو مواصلاً اتصاله بـ\"علوية\" جاءته إشارة من جهازه تقول: \"البطارية فارغة\" فكان أن أصبحت مهمته أكثر تعقيداً.

تحركت نجلاء بخفة حذرة نحو الباب الصغير، إشتغلت أصابعها على الترباس دون أن تحدث صوتاً ملحوظاً، فتحت الباب وتركته موارباً كمقفول وعادت إلى سريرها وقبل أن تجلس غيرت رأيها وتحرك نحو حوش الديوان ومسحت مرقد \"النذير\" بعيون حذرة وعادت إلى سريرها، حين جلست على السرير
وكتبت إلى \"حاتم\" الإشارة المنتظرة \"الباب فاتح\"
جاءها صوت \"النذير\" كفجأة غير محتملة \"مالك صاحية لحدي هسع؟\"
إرتجفت \"نجلاء\" وبحركة غير إرادية أخفت جهاز التلفون تحت المخدة، لاحظ \"النذير\" ذلك وهجم على المخدة قاذفاً إياها في التراب والتقط جهاز التلفون صائحاً:

\"كنتي بتتكلمي مع منو؟\"

لم تجد \"نجلاء\" لسانها كي ترد على سؤال أخيها وكأن ذهنها قد تجمد، فحص \"النذير\" المكالمات الصادرة والواردة سريعاً وبهياج متدين متعصب وصل إلى الرسائل النصية وقرأ آخر رسالة من نجلاء إلى حاتم..

الرسالة الإشارة، \"الباب فاتح\"

داهم \"النذير\" الباب فوجده مفتوحاً، عاد سريعاً هائجاً إلى \"نجلاء\" صفعها بعنف ورجع إلى الباب، فتحه ووقف أمام الباب، في وقفته تلك مر \"حاتم\" بركشته عابراً النذير الواقف على الباب، خرج \"حاتم\" من المشهد إلا أن \"عبد المنعم\" دخل المشهد وكان قد قرر أن يصل \"علوية\" بنفسه، حين مرَّ \"عبد المنعم\" امام الباب الذي كان يقف فيه \"النذير\" هجم عليه \"النذير\" وأمسك به من تلابيبه وصفعه عدة صفعات وحين كان \"النذير\" يطالب \"عبد المنعم\" بالتلفون الذي يحمله كانت \"نجلاء\" قد دخلت غرفتها سريعاً وأخرجت جهاز تلفون آخر وأرسلت رسالة سريعة إلى حاتم تقول: \"غير الشريحة\"، ورجعت تنتظر مصيرها المجهول العواقب، وكانت تأتيها أصوات الضجة أمام الباب المتعددة الأصوات والصاخبة حد أن أيقظت أمها \"ست النفر\".


تعليقات 10 | إهداء 2 | زيارات 2893

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#32793 [الجعلى]
0.00/5 (0 صوت)

10-10-2010 10:09 PM
شكرا يحيى وبارك الله فى أبيك الذى سماك يحيى لتحيا لنا بهذا الإبداع المتقن 00 وياأخ حمودة نجلاء ليست كما قلت فهى تناقش المستقبل الجميل وترتيب عش الزوجية على سنة الله ورسوله


#30953 [نصر الدين حسن ]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2010 08:19 PM
الرائع وبن الرائع كما عودتنا دائما بالسهل الممتنع والسرد الشيق والمحبوك بدقه متناهية
ياعزيزي ارجوك لاتغيب عني فنحن في اشد الحوجه الي روائعك
اصلا السياسية الايام دي تجيب المرض
ولك الود


#30910 [ود موسى]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2010 05:28 PM
الليل موال العشاق..
دائما اخى يحي تزين لوحاتك الدرامية الرائعة بأطر الجو الخريفى والقمر المخنوق خلف السحب الداكنة التى توحى بأن المطر لن ينهمر..والزير والكوز مفردات ..تبعث الطمئنينة البساطة ونوم الناس العميق مبكرا زمن نستوحيه لن يعود ..وعصفورين تحول بينهم الظروف الإقتصادية لعش الزوجية..ولقاء برئ يوحى بتمسك مجتمع بالعادات التقاليدالتليدة السامية..ولكن تنجو البراءة هاربة بالركشة والكد الحلال ..وتقع عاقر ام الكبائر فى الفخ..رغم براءته ينال جزاء ليس وزرة هكذا الدنيا ..برئ فى قيود الاسر وبرئ فى سجون اليأس


#30811 [طارق ]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2010 12:43 PM

ايها العملاق لك الحب والتقدير دوما ربنا مايحرمنا منك


#30708 [ابوعبدالرحمن]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2010 09:18 AM
الرائع يحي ..
مازلت سامقاً كنخيل الشمال في بلادي رغم مايعتريها من من مهددات الطبيعة .
متابعين الحكي والدفق النبيل .


#30696 [ودحمودات]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2010 07:16 AM
ومولانا النذير ده ساكن في حلة فيها ستات عرقي وبنات ماكويسات ليه؟ مايرحل في ارض الله الواسعة .... شكرا استاذ يحيى على السرد المشوق .... دراما واقعية


#30606 [ود الحسن]
0.00/5 (0 صوت)

10-04-2010 09:55 PM
استاذي يحي
دم بفخر ودام قلمك كما عودنا دائما
لك مني الود خالص التحيه


#30547 [abdelmonem musa]
0.00/5 (0 صوت)

10-04-2010 07:03 PM
الي الانسان الرائع دوما الاستاذ يحي فضل الله دي ما نفس قصتي مع الحبيبة (ويا معاين من الشبأك يا أحلي زول شفنأك أرحم قلوبنا معأك)


#30463 [كامل محمد]
0.00/5 (0 صوت)

10-04-2010 03:33 PM
ةذا الرائع احد الاشياء القلائل التي مازالت تلح علينا بضرورة احترام الانتماء لوطن كان قد تكالبت علية المحن حتى اصبح لا ترى فية الا جراحة 00 ولا يزال يحي فضل اللة واخرون قلائل جدا ينثرون علينا الدرر بقية ان نستمر في الحياة 00 شكرا على كل الابداع الذي لطالما صور بؤس الحياة في بلاد تشكو قلة الفئران في مزارعةا


#30461 [ود العوض]
5.00/5 (1 صوت)

10-04-2010 03:28 PM
ياخ الراجل ده مالو على عبد المنعم عدم عرقي وضرب كمان.


يحيي فضل الله
يحيي فضل الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة