فعلا ..الدنيا.. لعبة كراسي..!
08-17-2012 01:55 AM

فعلا ..الدنيا.. لعبة كراسي..!

محمد عبد الله برقاوي..
[email protected]

على مدى ما يزيد عن الأربعين عاما ومنذ بواكير الشباب وأنا في المرحلة الوسطى وتحديدا في أواخر الستينيات وقبل انقلاب مايو تفتحت عيناى على مانشيتات صحافتنا السودانية الجاذبة وافتتاحياتها الساحرة و أعمدتها الساخرة و منوعاتها الخلابة ، وقتها كان العمالقة هم كتاب ذلك الزمان ، فرضعنا لبانة الأسلوب الرصين من أثداء معينهم المترع بالصورة القلمية الملونة مبنى ومعنى و تشربّنا أدبا سياسيا رفيعا ، فكان رأيهم العميق هو الذي يوجه صناع القرار الى حيث منابع الحكمة ويقود الرأى العام الى مكامن الصواب..!
حتى حينما يختلف كاتبان أو مفكران ، تصبح مساجلاتهما التي يتبادلانها دون تجريح أو اسفاف مدارس لتعليم الأجيال، حفظتها أرفف الأرشيف وذاكرة التاريخ !
عشنا تلك الأيام صباحات التزاحم على الأكشاك ، حينما كانت جريدة الصحافة تنفد قبل شروق الشمس ، فالكل يريد أن يتثقف من فكر الأستاذ عمر مصطفي المكي وغريمه الشاعر صلاح أحمد ابراهيم وهما يرسمان ملاحم السجال الرفيع نحتا بأزاميل لا يمحو سطورها النورية تعاقب الزمان !
وعاصرنا كاريكاتير أستاذ الرسم الأنيق والتعليق الرشيق عزالدين الذى كان يمثل بمساحته الصغيرة دولة تهتز لجرأتها وصوتها أروقة الحكم !
وحتى حينما جاءت مايو وقلصت الصحف وذهب اساطين القلم أمثال الأساتذة بشير محمد سعيد ومحجوب محمد صالح ومحجوب عثمان وعبد الرحمن مختار و العتباني وغيرهم كثر ، تركوا الأرث لزملاء وتلاميذ لم يخذلوهم ولا القاريء في حمل الراية ، فرغم ما كانت تفرضه السلطة من قيود على الأقلام و جعلت الكثيرين من الدخلاء من المقربين يتبنون خطها الا أن الأصيلين من الكتّاب كانوا على ولائهم للمهنة ولم يحيدوا عن أخلاقياتها قيد أنملة !
في ذلك العهد دلفت مع بعض الشباب بخطى واجفة الى بلاط صاحبة الجلالة نتلمس الطريق ونحن نجلس الى محاريب اساتذتنا رحمي سليمان والفاتح التيجاني وحسن مختار وبقية العقد النضيد ، فوجدنا هناك من سبقونا وصاروا فيما بعد في الصفوف الأمامية حسن ساتي وفضل الله محمد ومحي الدين خليل ، كمال حسن بخيت وادريس حسن !
وحينما تعثرت الخطى قليلا ولاحت في الأفق ملامح التزاحم بكتوف التقرب الى مايو اندلاقا ونفاقا ، غادرت مع من غادروا السودان في عام 1976 فتركت مثلا محي الدين تيتاوي موظفا بالمكتب الفني لتصميم جريدة الأيام ولم يكن صحفيا مباشرا الا لماما في حروف ينثرها من ميادين الكرة!
و علمت بعدها بتساقط الكثيرين من أقلام الحقيقة بعيدا عن شجرة السلطة الرابعة التي بدأت خضرتها تجف ، فقفز الى مكانهم في الفروع التي أجدبت من بعدهم آخرون وكبرت أجنحتهم في فجوة الأعشاش الفارغة !
وللمفارقة العجيبة ونحن في الامارات بدأ يتسلل الى صفحات الورق اسم الطيب مصطفي بدون مقدمات وركوبا فقط على موجة الرأى المشاتر وليس الاحترافية الرصينة أو الموهبة القمينة !
ثم طرد لاحقا على خلفية موقف الأخوان المسلمين من احتلال الكويت ويبدو أنه قد تجاوز الخطوط الحمراء لأدب الضيافة !
وحينما عدت فيما بعد الى السودان كان الرجل قد أصبح صاحب منبر و دار ورئيس تحرير!
بحثت في سكة التفاؤل التي دفعتني الى حضن الوطن بعد اتفاق نيفاشا المشئؤم ، عن رفاق الأمس ، فلم يتعرف علىّ الا القليلون !
وتكّرم الاتحاد بمنحى بطاقة صحفي سريّح ، وقعّها تيتاوي وكان ينظر مستغربا الاسم و يقلب ملفي من صفحات الأيام الخوالي عله يتذكرني وقد غبت بعيدا في ضباب سماواته الجديدة ، كيف لا وهو الان يتربع على كرسي رئاسة اتحاد الصحفيين !
ولم أجد رغم لهثي لشهور عديدة مقعدا خاليا في أية صحيفة داخل بلادي التي طردت سياساتها المضطربة أقلاما ورجال ، ليحتلها رجال وأقلام!
فعدت أدراجي الى عالم الشتات ، لأكتب من مقعد الطيب مصطفي الخالى الذي غادره طريدا ، وأنا خالى الوفاض الا من قلم وورقة ولاحقا مفتاح لوحة جهاز ، صار خير جليس وأخلص انيس في نهارات الغربة اللاهبة ووحشة لياليها الطويلة !
و هاهو الطيب مصطفى يحط بمن يشاء ويرفع من يشاء متكئا على قلمه المسنود على حائط الغفلة و يحمل لقبا صحفيا دستوريا مفصلا له تحت مسمى ..
الخال الرئاسي !
فعلا .. الدنيا لعبة كراسي ..!


تعليقات 10 | إهداء 0 | زيارات 1583

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#450472 [ابوحامد]
0.00/5 (0 صوت)

08-18-2012 02:36 PM
كل عام وانت بخير ودمت ودام قلمك


#450407 [بت حامد]
0.00/5 (0 صوت)

08-18-2012 12:04 PM
سيذهب الزبد جفاءا ويبقى ماينفع الناس ...


#450311 [منير سعد]
0.00/5 (0 صوت)

08-18-2012 04:03 AM
يا أخي أنت صحفي مهني ومحترم , كل سنة وأنت واسرتك وقرائك بخير.


#449950 [الشاذ الافاقي]
5.00/5 (1 صوت)

08-17-2012 12:02 PM
الاستاذ برقاوي
هذه الاقلام الصدئة البائرة لم تعد تستطيع البقاء وهاهي صحفهم تنهار ماليا حين توقف عنها الدعم بسبب افلاس الدولة وتهربها من دفع مستحقاتها لان الصحيفة لم تكن لتستند على اي عائد من جيوب القراء ببساطة لانها بضاعة بائرة ليس فيها ما يدفع قارئ لاقتنائها يوما ناهيك عن المواظبة . لم تعد تنفع هذه الصحف الحزب الحاكم بامره شيئا فبارت تجارة المراهنين على صلابة العصبة وتماسك اقتصادهاوالان فضائحهم تملا كل مكان توقف الاعلان وتوقف الدعم المباشر سكتت المطابع وشرد العاملين بالصحف والمطابع تبادل حارقو البخور الاتهامات وتطايرت الوريقات التي كانت تستر فضائح مراكز القرار انظر اين هي الناطقة باسم العصابة والملتفة حول شخص الرئيس وشخص النائب ومن حولهما المنتفعين سترى تضعضع العلاقات المبنية على المصالح وتراجع الاحلاف المبنية على التقاء المنفعة وشيئا فشيئا سيتبين العجز وتتدحرج القلاع التي تسد مداخل الفضائح فتتسرب الواحدة تلو الاخرى الى العلن . وان غدا لناظره قريب


#449936 [نادر]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2012 11:42 AM
دي لعبة الكديسه غيرلو بشد الياء
و فعلا اكبر كيسة الخال الرئاسي و الخال بمعني شامة او نقطة سوداء في تاريخ الصحافة السودانية بل في تاريخ السودان كلة
و الكيشات كتبوا الهندي و تيتاني و الخ الخ
فأما من رفض ان ينكس و يدنس قلمه مثلك
أساتذتنا حقاً
نقول بكرة ترجع بلدك و تتوافد علي المطار كلنا لهفة بعودتك
حلم مشروع و ممكن
الي ذلك الحين رغم المسافات و الشتات
انت هنا في قلوبنا تفشي الظلام بكلماتك الشجاعة و أدبك و قلمك الذي لا يعرف الخوف
الله معاك و هو الشعب الفضل


#449935 [نادر]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2012 11:42 AM
دي لعبة الكديسه غيرلو بشد الياء
و فعلا اكبر كيسة الخال الرئاسي و الخال بمعني شامة او نقطة سوداء في تاريخ الصحافة السودانية بل في تاريخ السودان كلة
و الكيشات كتبوا الهندي و تيتاني و الخ الخ
فأما من رفض ان ينكس و يدنس قلمه مثلك
أساتذتنا حقاً
نقول بكرة ترجع بلدك و تتوافد علي المطار كلنا لهفة بعودتك
حلم مشروع و ممكن
الي ذلك الحين رغم المسافات و الشتات
انت هنا في قلوبنا تفشي الظلام بكلماتك الشجاعة و أدبك و قلمك الذي لا يعرف الخوف
الله معاك و هو الشعب الفضل


#449903 [أبوهبة]
4.00/5 (1 صوت)

08-17-2012 10:17 AM
لا أملك فى اللحظة الحاضرة إلا أن أقبل يدك التى تكتب بها وأقف إجلالآ لك وأدعو الله بأن لا يحرم بلادى من آمثالك .حبيبنا إنت يابرقاوى .


#449853 [الكاهلي]
5.00/5 (3 صوت)

08-17-2012 04:39 AM
الأستاذ والأديب الوريف / برقاوي

هي الإمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان .وهذه مهازلك يا دنيا وأمرحي لقد عد كلب الصيد من الفرسان.وأهلك العرب قالو بعد تتقلب الموازين التماسيح بتغرق والورول تكون عائمة.

هؤلاء هم رويعة الغنم ولكنهم اليوم أرتقوا مرتقيا وزدتهم أنت اليوم شرفا لا يدانيه شرفا بذكرك لهؤلاء النكرات فكيف لمن هو في قامتك الإعلامية أن يتذكر هذه الحشرات بدون أن تشمئز أو يقشعر بدنك
يا سيدي هذه كلاب ضالة لا يليق بكاتبنا الهمام أن يتطرق لهم من بعيد أو قريب والله أشفقت عليك .
إن كانوا هم في بروج مشيدة فأنت في القلوب والنفوس وجماهيرك وقرائك أنت لا حصر لهم ولا عد أما هم

فضاعتهم بائرة بعد أن ردها لهم الشعب لأنها بضاعة مشبوهة ومنابر مزيفة بنيت على الباطل وكل مابني على باطل فهو باطل ويذهب الزبد جفاء ويبقى قلم برقاوي لينفع الناس.
سيدي لاتحزن عليهم ولا تك في ضيق منهم والله هؤلاء لايستحقون قطرة من مدادك فأنت الأول وأنت الأصل وقلمك الفصل ,دمت لنا وحفظك الله ورعاك للوطن


#449844 [أوندي]
5.00/5 (1 صوت)

08-17-2012 04:19 AM
والله لقد ملاتنا أسى أيها الحبيب !
ان الله الذي شتت شملنا في كل واد لهو قادر على جمعنا غداًً في وطن يحنو علينا و يضمنا جميعاً دون تفرقة


#449816 [الطيب]
5.00/5 (2 صوت)

08-17-2012 02:44 AM
اخونا الحبيب
الرجل المحترم
محمد عبد الله برقاوي

ولايهمك ياخ .. مصيرو الكرسى ينعدل
ويقعدو فوقو البيملوهو ويعرفو قدره


محمد عبد الله برقاوي.
محمد عبد الله برقاوي.

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة