الإسلام والعرب في السودان (1-2)اا
10-05-2010 12:45 PM

رأي !

الإسلام والعرب في السودان (1-2)

د. حيدر إبراهيم علي

مدخل:
كان للطريقة المنظمة اللاحقة التي دخل بها العرب الى السودان، أثرها السلبي في تكوين النخب العالمة والمفكرة، وهذا هو المخزون التراكمي لحملة رايات التنوير والنهضة والعقلانية. وهذا للأسف ما لم يقم به العرب الاوائل، فلم يهتموا بالعلم والدين والمعرفة، بل كان همهم أن تمتلأ خزائن السلطان، وأن يجلبوا الموارد البشرية للجندية والزراعة وخدمة القصور. وظلت هذه العلاقة مستمرة ولم تتغير مع تغير السلاطين والخلفاء والامراء. فلا بد من قراءة أكثر عمقا وحيادية وموضوعية. خاصة أن لحظات النهضة والتنوير لا تحدث فجأة، ولا بد من الامتداد والتواصل. والسودان بلد الانقطاعات الحضارية بسبب «الخراب» الذي يحيق بكل حضارة سابقة.
«1»
دخل الاسلام الى السودان على انقاض ممالك مسيحية منقسمة لم تستطع توحيد نفسها رغم اشتراكها في دين واحد، وهذا ما اضعفها وسهّل سقوطها. ولم تصمد المسيحية أمام دينامية الفاتحين والمهاجرين المسلمين المتدفقين من شبه الجزيرة العربية منطلقين الى العالم كله. ومن بين المواضع التي قصدتها العناصر الإسلامية، شمال افريقيا وبالذات مصر ومنها كان التدفق الاسلامي الهائل نحو بلاد النوبة. فقد بدأ احتكاك وتفاعل مباشران، بعد دخول عبد الله بن سعد بن أبي السرح الى مصر. ومن الثابت أن السودان الشرقي قد عرف الهجرات العربية منذ فترة بعيدة قبل الاسلام. فقد نزحت بعض المجموعات بسبب الصراعات القبلية أو شح الغذاء، وعبرت هذه القبائل البحر الأحمر مباشرة أو أتت من الشمال عن طريق مصر، أو من الساحل الشمالي لإفريقيا. وفي هذا الاثناء، جاءت قبائل بني هلال وبني سليم وجهينة وربيعة والجعافرة وقبائل مغربية من البربر. ويرى بعض المؤرخين أن بلاد البجا قد عرفت مبكرا قبل الإسلام هجرة الحضارمة، ثم تحولوا الى الاسلام، واطلق عليهم البجا اسم الحدراب.
وتفاعلت بلاد النوبة ايجابيا مع الهجرات العربية السابقة للاسلام، لذلك كان من السهل على القبائل والمجموعات العربية المسلمة لاحقا، أن تجد طريقها الى الممالك النوبية المسيحية منذ القرن السابع الميلادي. ومثال ذلك ما يقوله «عابدين» إن المجموعة التي تسمى: المجموعة الجعلية أو المجموعة الجعلية-الدنقلاوية، والتي سكنت السودان الشمالي، كان أثرها أقوي وأشد مقارنة بالمجموعة الجهينية الاكثر عددا. فقد تمكنت هذه المجموعة من التمازج مع السكان المحليين ونشرت الإسلام والعربية الى حد كبير. ومن المعلوم أن الإسلام لم يدخل السودان من خلال غزوات والفتح العسكري، لذلك كانت عملية التحول الى الدين الإسلامي بطيئة للغاية. كما كان التدين بسيطا أقرب الى القدوة والتقليد منه الى الفكر والمعرفة العميقة. ويلاحظ «حسن»: «أن سودان وادي النيل لم يصبح بلدا مسلما الا بعد قيام السلطنات الاسلامية كالفونج والفور وتقلي. والسبب في ذلك أن الديانة المسيحية لم تمت بسقوط الكيان السياسي في مملكتيّ النوبة وعلوة، بل بقيت المسيحية في بعض مظاهرها حتى وقت متأخر. وقد ظلت الشعائر المسيحية تمارس في أقصى شمال السودان حتى اواخر القرن الخامس عشر.
وظلت العلاقات بين بلاد النوبة والمسلمين في مصر متوترة باستمرار. وقد تميزت بالمناوشات وتهديد الحدود، وخطوط تجارة القوافل، خاصة بعد أن فتح المسلمون مصر على يد عمرو بن العاص عام 20هـ/641م، في عهد عمر بن الخطاب. وتواصلت محاولات اخضاع بلاد النوبة، فقد ذكرت المراجع العربية الوسيطة، أن عمرو بن العاص بعث عقبة بن نافع الفهري، وكان نافع أخا العاص لامه. فدخلت خيول المسلمين أرض النوبة، ويقول البلاذري: «.. فلقي المسلمون بالنوبة قتالا شديدا. لقد لاقوهم فرشقوهم بالنبل حتى جرح عامتهم، فانصرفوا بجراحات كثيرة وحدق مفقوءة، فسموا«أي النوبة»رماة الحدق». ولم تكن المعركة حاسمة، لذلك عاد النوبيون بعد فترة وجيزة الى الاغارة على الحدود والقوافل، وانتهت الهدنة القصيرة. اما عبد الله بن سعد بن ابي السرح، فقد استهل عهده بحملتين عاميّ20ــ 21هـ /641م و30 ــ 31هـ /651م. فقد قرر أن يضع حدا لتهديدات النوبة، فجرد جيوشه الى النوبة ووصل الى دنقلا وحاصرها ورماها بالمنجنيق الذي أفزع النوبيين، فطلب الملك قليدروت الصلح. وبالفعل تم توقيع اتفاقية البقط. وهي كما يقول ابن الحكم، هدنة امان لا عهد ولا ميثاق. وهي في حقيقتها أقرب الى معاهدة تجارية وسياسية بين مصر الاسلامية ومملكة دنقلا المسيحية، أو مجرد معاهدة حسن جوار تضمن حرية الحركة والتجارة بين البلدين. وهي تختلف عن كل اشكال المعاهدات الاخرى التي عقدت بين المسلمين وغير المسلمين. وقد جاء في نص اتفاقية البقط ما يلي:
«.... أنكم معاشر النوبة آمنين بأمان الله وأمان رسوله «ص» ألا نحاربكم ولا ننصب لكم حربا ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه. وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه. وعليكم حفظ من نزل بلدكم أو يطرقه من مسلم أو معاهد حتى يخرج عنكم . وأن عليكم رد كل آبق «هارب» خرج اليكم من عبيد المسلمين حتى تردوه الى أرض الاسلام. ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه. ولا تتعرضوا لمسلم قصده وجاوره الى أن ينصرف عنه. وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم. ولا تمنعوا منه مصليا. وعليكم كنسه واسراجه وتكرمته. وعليكم في كل سنة ثلثمائة وستون رأسا تدفعونها الى امام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب يكون فيها ذكران وإناث ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم. تدفعون ذلك الى والي اسوان«. . . .» فإن أنتم آويتهم عبدا لمسلم أو قتلتم مسلما أو معاهدا أو تعرضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئا من الثلثمائة رأس والستين رأسا فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان، وعدنا نحن وانتم على سواء حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين».
ومن الملاحظ أن المسلمين لم يلتزموا بدفع أي شيء للنوبيين في المقابل. ولكن جرى العرف على ان يقوم المسلمون بإرسال كمية من الحبوب والملابس الى النوبيين. وهذا ما يراه «مسعد» نتيجة اقتناع عبد الله بن سعد بحاجتهم اليها لفقر بلادهم، فصار هذا التقليد رسما اتبعه كل من جاء بعده من ولاة المسلمين. ويرى في عدم التزام المسلمين بدفع شئ رسميا ما يوحي بادعاء نوع من السيادة في بلاد النوبة، من وجهة نظر اسلامية. كما لم يلتزم المسلمون بالدفاع عن النوبيين اذا هاجمهم عدو خارجي.
وهذا شكل مختلف تماما عن المعاهدات التي أبرمها في البلدان التي فتحت عنوة. ويرجع بعض المؤرخين ذلك العهد المختلف الى فقر البلاد وسوء حالتها الاقتصادية. كما أن المسلمين لم يروا بأسا في مجاورة دولة مسيحية ليست ذات خطر، خاصة ان المسلمين قد واجهوا في المراحل الاولى للتوسع الاسلامي مشاكل كثيرة داخلية وخارجية، رغم أن المادة الخاصة برعاية المسجد الموجود في المنطقة والاجراءات المنظمة للنشاط الاقتصادي، قد مهدت لاحقا بانتشار الموجات المهاجرة من رأوا ضرورة التفرغ لها وعدم تشتيت الجهود.
«2»
لم يتضمن البقط منطقة البجا، اذ لم يرد عنهم نص في المعاهدة. ويبدو أن عبد الله بن سعد لم يعطهم اي اعتبار ــ كما يقول بعض المؤرخين مثل ابن عبد الحكم ــ لأنهم لم يمثلوا خطرا على المسلمين. ولكن البجا أغاروا على صعيد مصر حوالي عام 725م، فصالحهم ابن الحبحباب وكتب لهم عقدا خاصا. وقد نص العقد على أن يدفعوا ثلثمائة من الابل الصغيرة، وعلى أن يجتازوا الريف تجارا غير مقيمين، والا يقتلوا مسلما أو ذميا وألا يأووا عبيد المسلمين، ويظل وكيلهم في الريف، رهينة في يد المسملين. ولكن البجة عاودوا مهاجمة المسلمين وأغاروا على قوافلهم من جديد في منطقة أسوان. لذلك جرد عليهم الخليفة المأمون حملة بقيادة عبد الله بن الجهم سنة 841م، انتهت بعهد جديد مع رئيسهم كنون بن عبد العزيز، ومن أهم شروطه:
1- أن تكون بلاد البجة من حد أسوان الى حد مبين دهلك «مصوع» وباضع «جزيرة الريح» ملكا للخليفة، وأن كنون بن عبد العزيز وأهل بلده عبيد لأمير المؤمنين، على ان يبقى كنون ملكا عليهم. وأن يؤدي ملك البجة الخراج كل عام مائة من الابل أو300 دينار لبيت المال.
2- أن يحترم البجة الإسلام ولا يذكروه بسوء، وألا يقتلوا مسلما أو ذميا حرا أو عبدا في أرض البجة أو في مصر أو النوبة، وألا يعينوا أحدا على المسلمين.
3- ألا يهدموا شيئاً من المساجد التي ابتناها المسلمون بصيحة وهجر.
4- وعلى كنون أن يدخل عمال أمير المؤمنين بلاد البجة لقبض صدقات من أسلم من البجة.
وهذا عقد مختلف عن البقط الذي أبرم مع النوبة، اذ يلاحظ أن بلاد البجة حتى مصوع صارت جزءا من الدولة الإسلامية، وطبق عليها شروط البلاد المفتوحة، بدليل فرض الخراج. وفي العقد ما يدل على وجود مسلمين في المنطقة مثل شرط عدم التعرض للمسلمين بأذى، وجمع الصدقات من المسلمين، ثم شرط حفظ المساجد القائمة. وهذا يعني دخول جماعات إسلامية لأسباب مختلفة وبطرق شتى الى بلاد البجة.
وظلت علاقة النوبيين مع المسلمين متوترة باستمرار مما أثّر على استقرار وتطور بلاد النوبة، فقد لعبت اتفاقية البقط دوراً مهماً في استمرار التنازع والتوتر.
وصف أحد المستشرقين المهتمين بدراسة السودان، اتفاقية البقط بأنها مثيرة للاهتمام. فالمسلمون لم يقوموا بضم بلاد النوبة وقبلوا بجوار دولة غير مسلمة؛ ويقصد بذلك أنهم لم يحاولوا أسلمتها. وقد صمدت الاتفاقية لحوالي ستة قرون حتى العصر الفاطمي. ويعود هذا إلى كونها عهد تعايش وتبادل تجاري، ولم تفرض جزية. فالنوبيون لم يهزموا عسكريا تماما. ويرى «ترمنقهام» أن هذه الاتفاقية قد أرست أسس تجارة الرقيق التي ستكون ــ حسب رأيه ــ من ملامح فترة الحكم اللاحقة، وهي تختلف كثيراً عن الرق أو العبودية المنزلية. ويرى بعض الباحثين أن اتفاقية البقط كانت بالغة القسوة على أهل النوبة، ولم تكن صيغة البقط هي الشكل الوحيد لجلب الرقيق من النوبة، فقد سمحت الاتفاقية للمسلمين بالدخول الى بلاد النوبة لشراء الرقيق، كما لا تمنعهم من القيام بانتزاع العبيد بأنفسهم بالقوة. واستمرت عملية جلب الرقيق النوبي الى جانب رقيق البقط لسنوات طويلة. ويكتب«بن عامر»: «وقد ازدهر هذا التيار التجاري، ولا سيما في عهدي الطولونيين والاخشيديين. وأصبح الصعيد المصري معبرا لهذه البضاعة الآدمية. وفي هذا العصر ظهرت قضية الجلاب الذي سنجده باستمرار بعد ذلك».
«3»
لم تتوقف الحملات الإسلامية من الشمال على بلاد النوبة، لأن الاتفاقية كانت باستمرار عرضة للانتهاك والخروج عنها بسبب قسوتها وظلمها. وفي هذه الحالة يقوم الحكام والولاة المسلمون باستخدام القوة، خاصة عند امتناع النوبيين عن دفع البقط. ومن المرجح أن النوبيين كانوا يقومون بالاغارة على القبائل والجماعات المجاورة لهم للحصول على الاعداد المقررة عليهم من الرقيق. وتذكر بعض المصادر أنهم تسببوا في تخلف المجتمع النوبي وتعطيله عن التطور والنمو، وحرمانه من تجديد عناصره في الجيش والانتاج. وكان النوبيون كثيري التمرد على دفع البقط، خاصة في فترات انتقال الحكم العديدة التي عرفتها مصر بسبب عدم الاستقرار. كما استغلوا في بعض الاحيان فترات ضعف الحاكمين في مصر، ليتوقفوا عن الدفع. ويقول القوصي: «فقد كان ملوك النوبة بتقصي الاخبار عن حالة مصر قوة وضعفا.. فاذا وجدوا الظروف في صالحهم امتنعوا عن دفع البقط، وهاجموا البلاد منتهزين فرصة ضعفها. وكان ذلك يحدث دائما في أوقات الاضطراب وفي فترات الضعف.. غير أن حكام مصر سرعان ما كانوا يردون على الغارات بغارات مماثلة على بلاد النوبة عندما كانت تتهيأ لهم ظروف الاستقرار الداخلي في البلاد.
ومن الواضح أن اتفاقية البقط لم تحقق سلما دائما بين النوبيين والمسلمين، ولكن مع ذلك تمسكت بها كل الاسر الحاكمة وظلت سائدة قرابة سبعة قرون. ويبدو ان اتفاقا ضمنيا ومعلنا بين الطرفين ثبّت مبدأ الدفع، وإن ظهر ــ أحيانا ــ خلاف حول الفترة: هل كل عام أم كل ثلاث سنوات أم مرة واحدة فقط؟ ولكن تفسير المسلمين رأى فيها التزاما ابديا لا يسقط عن النوبيين ابدا. وتقول المصادر أنها قد نفذت كاملة في عهد ولاة مصر من قبل الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وفي عهد الخلفاء الامويين والعباسيين. ولكن في عهد الخليفة المهدي وفي عهد المعتصم الخليفة قبل الاخير في العصر العباسي الاول «833 ــ 842»، حصل النوبيون على استثناء يقضي على أن يؤدي البقط كل ثلاث سنوات ــ حسب ادعاء النوبيين. وقد حدثت بعض الانقطاعات في عهد المأمون «813 ــ833» حيث توترت العلاقات لمدة أربع عشرة سنة من العداء. واعقبت ذلك حروب انتقامية، مثل حملة عام 855 في ايام الخليفة المتوكل اول خلفاء العصر العباسي الثاني. وحملة عام 951م في أيام المطيع لله الخليفة الرابع عشر في العصر العباسي الثاني «946ــ 974»، عندما كان الاخشيديون يحكمون مصر. وبعد عهد المتوكل «847 ــ 861» لم يعد حكام مصر يختارون من العرب بل من الاتراك المنافسين للعرب وفقد العرب نفوذهم، وكان من نتائج ذلك تأسيس الدولة الطولونية علي يد أحمد بن طولون، والذي أعد حملة سنة 868م بقيادة العمري. والذي يقول عنه «مسعد» انه أحد رواد الثقافة الاسلامية الاول الذين يدين لهم النوبة والبجة بالاسلام. ولكن في مصر «وصلته أنباء مناجم الذهب بالنوبة والعلاقي فسال لعابه، وهكذا تحول رجل الدين الى مغامر كبير. واجتمع اليه كثير من طلاب المعدن، وسار على رأسهم نحو بلاد النوبة وأرض البجة». وهذا مثال لغياب علماء محترفين ومتفرغين لتعليم اصول الدين الاسلامي للسودانيين. خاصة أن الاسرة الحاكمة اللاحقة لم تنشغل ــ قصداــ بنشر الإسلام والفقه الاسلامي المجمع عليه.
واستقل الاخشيديون بحكم مصر خلال الفترة من935م حتى 969م، واستمروا بنفس حماس سابقيهم في جباية رقيق البقط، وقد سيروا عددا من الغزوات على النوبة الذين شعروا بضعف الدولة الإسلامية في الشمال فتمردوا عليها عدة مرات ورفضوا دفع البقط. ومن أشهر هبات النوبيين، قيامهم بالإغارة على الواحة الخارجة عام 951م واتبعوها بحملة أخرى على أسوان عام 956م حيث قتل ملك النوبة جمعا من المسلمين. وسيَّر الاخشيديون في العام التالي حملة بقيادة محمد بن عبد الّله الخازن على عسكر مصر، والذي هزم النوبيين وتقدم حتى ابريم وسبى كثيرا من اهلها وقدم بهم الى مصر. ويعلق «مسعد» على هذا الوضع: «بيد أن هذه الهزيمة لم تضع حدا لهجمات النوبيين على حدود مصر من ناحية الجنوب فتجددت إغاراتهم على صعيد مصر زمن كافور، وتقدموا شمالا حتى ادفو منتهزين فرصة اضطراب الأحوال في مصر، وقيام المجاعة فيها بسبب انخفاض مياه النيل وتعرضها من الشرق لتهديد القرامطة. وليس من المستبعد أن تكون هذه الاغارات النوبية نتيجة لدعاية فاطمية واسعة، الغرض منها اضعاف الادارة المصرية وشغلها في أكثر من جهة حتى لا تركز جهودها ضد الزحف الفاطمي من الغرب». وقد قال الشاعر في غزوة كافور الاخشيدي هذه:
ولما غزا كافور دنقلة غدا بجيش
لطول الأرض من مثله عرض
غزا الأسود السودان في رونق الضحى
فلما التقى الجمعان أظلمت الأرض
وتورد بعض المصادر أن عدد الرقيق المدفوع قد تزايد بعد هذه الغزوة، فاضيفت عشرون رأساً لعامل اسوان وخمسة رؤوس لقاضي البلد. وأصبح الصعيد معبرا لهذه البضاعة البشرية المرغوبة لدى المسلمين. وقد ساهم هذا الرقيق النوبي في تكوين كتائب السود التي وجدت في جيوش الطولونيين والاخشيديين.
«4»
ويرى كثير من المؤرخين أن عهد الفاطميين في مصر «969ــ 1171م» كان أقل توترا في علاقة المسلمين والنوبيين، رغم استمرار الفاطميين في المطالبة بدفع البقط. فلما أتم جوهر الصقلي قائد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي فتح مصر؛ أرسل أحمد بن سليم الاسواني الى جورج الثاني ملك النوبة، مطالبا بالبقط على أساس أن الفاطميين هم الآن حكام مصر. واستجاب ملك النوبة، فقد كان يعرف قوة وقدرة الفاطميين. وجاء في بعض المصادر أن جوهرا دعا الملك جورج الى اعتناق الاسلام ولكنه لم يستجب للدعوة. وهذه مسألة واردة بسبب حماس الفاطميين للدعوة والتوسع والترويج للمذهب الشيعي في هذه المناطق. ورغم ذلك، استمرت العلاقة ودية بين الطرفين، لأن الفاطميين لم يروا خطرا حقيقيا في وجود دولة مسيحية على حدودهم الجنوبية. يضاف الى ذلك، أن الفاطميين اقاموا بصورة دائمة في ثغر اسوان من جهة الشلال الاول. وشهدت هذه الفترة ميلاد امارة عربية قوية اتخذت مدينة أسوان مركزا لها، وامتد نفوذها جنوبا في أرض مريس، وأنشأ هذه الامارة زعيم من عرب ربيعة. ورغم نشوب النزاع بين بطون ربيعة، إلا أن هذه العشيرة كونت طبقة حاكمة خضع لها النوبيون في مريس بعد زوال السلطان الفعلي لملك النوبة المسيحي، وتحول معظم السكان الى الاسلام.

الصحافة


تعليقات 4 | إهداء 2 | زيارات 7395

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#31050 [حمدى مرسى]
0.00/5 (0 صوت)

10-06-2010 08:25 AM
دكتورنا الجليل حيدر نفهم من خلال السياق التاريخى ان البقط او الرق مورس فى عهد سيدنا عثمان وسيدنا على وبقية الخلفاء فكيف مارس هؤلاء الرق اذا كان هناك نصوص واضحة فى القران بتحريم الرق او العبودية بشتى اشكالها--- صراحة موضوع الرق فى الاسلام فيهو لبس وياريت علمائنا الاجلاء يتناولوا المسألة دى بجرأة -- ايضا ورد فى اتفاقية البقط جزئية خاصة بالخمر وان يرسل النوبيون الخمور للمسلمين فهل كان الخمر محلل فى ذلك الوقت ام ماذا ---- صراحة كثير من الماسى اللى صاحبت نشر الاسلام فى السودان كان سببو المسلمين او العرب انفسهم الجوانب دى كلها يا دكتور حيدر عاوزة تناول او سرد التاريخ وتحليلو ونقدو بشفافية--- فمثلا اهلنا النوبة بيحكو عن هذه الحقبة بكثير من المرارات بل هناك حقائق بتتداولها الاجيال حتى الان فى بلاد النوبة عن كيف ان المسلمين كانوا يربطون النوبيين مع قادوس الساقية حتى ينطقوا الشهادة ---- هذا ما كان من امر الغزاة --- بعد داك تحالف العبدلاب والفونج وتامرهم على النوبيين وخراب سوبا -- السوال هل انتشر الاسلام فى السودان من غير حروبات .


#30927 [asadalmajead]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2010 06:23 PM
يا استاذنا حيدر انارك الله بالحقيقه ووسع مداركك اريدك ان تفسر ما معني جعل او كلمه جعلي واريد ايضا ان تتطلعني علي كلمه زول ومن اين اتت


#30826 [د. ياسر الشريف]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2010 01:52 PM
شكرا للدكتور حيدر على هذا المقال الممتاز. أعتقد أن السنوات في هذه الفقرة:
[عندما كان الاخشيديون يحكمون مصر. وبعد عهد المتوكل «847 ــ 861» لم يعد حكام مصر يختارون من العرب بل من الاتراك المنافسين للعرب وفقد العرب نفوذهم، وكان من نتائج ذلك تأسيس الدولة الطولونية علي يد أحمد بن طولون، والذي أعد حملة سنة 868م بقيادة العمري.]

تحتاج إلى تصحيح. 947 ـ 961 .. و 969..



#30818 [واحد]
1.00/5 (1 صوت)

10-05-2010 01:09 PM
ما زلت اسأل ما معنى البقط انما هى القبط قدمت الباء على القاف وهذا معلوم فى العربيه و==مصر =هى EGYPT== قبط وكما تدل مخارج الحروف
وقد عمل الجميع على تثبيت اسم بقط حتى لا تعود البلاد الى القبطيه


د. حيدر إبراهيم علي
د. حيدر إبراهيم علي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة