المقالات
منوعات
الكنداكة الأولى قبل نحو ألف سنة
الكنداكة الأولى قبل نحو ألف سنة
01-01-2016 07:55 PM


الكنداكة هو لقب ملكات السودان القديم أطلق على الملكات في عصرمملكة كوش الثانية. وقد جرت عادة الملوك في دولة كوش أن يتزوجوا أخواتهم منذ بداية حكامها الأوائل. فقد جاء في لوحة الملك تهارقا في معبد الكوة أن الملك "ألارا" أول حكام كوش الثانية قد نذر اخواته للآلهة وتضرع إليه أن يجعل الملك في نسلهن (Tormond Eide et al, Font Historiae Nubiorum. University of Bergen, 1996, vol.1 p42. نشير إليه فيما يلي FHN وسليم حسن، مصر القديمة ج 11 ص 196). وتزوج هو وأخوه كاشتا أخواتهما فأصبح ذلك سنة اتبعها الملوك من بعدهما، فاحتفظوا بوراثة العرش في سلالتهما.
وكان عدد الملكات زوجات الملوك كبيراً، لكن أغلبهن حملن لقب الملكات دون أن ينفردن بالملك ويمارسن السلطة. وقد بلغ عدد الملكات كما في قائمة ملك كوش عند لازلو توروك وموسوعة كيمبردج لتاريخ افريقيا 49 ملكة، لكن اللاتي تولين الحكم فعلاً عددهن قليل، نحو أحدعشرةملكة. وأول ملكة انفردت بالحكم - كما في القائمة المشار إليها - هي الملكة باسكارين (أو بسكاكيرن) فكتابة الأسماء تختلف قليلاً من قائمة لأخرى، وقد حكمت لعام واحد في مطلع القرن الخامس قبل الميلاد. ثم حكمت بعده منفردة الملكة شاناداخت في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد.
وظهر لقب الكنداكة لأول مرة كما في القائمة مع اسم الملكة اليكاباسكن في بداية القرن الثالث قبل الميلاد، غير أنها لم تكن منفردة بالحكم. لكن الملكة التي اشتهرت بلقب الكنداكة هي الملكة أماني ريناس التي حكمت في الفترة المروية من مملكة كوش الثانية في نهاية القرن الأول قبل الميلاد. وقد حاربت الرومان الذين كانوا يحكمون مصر في حدودهم الجنوبية في منطقة أسوان، وانتصرت عليهم وأخذت تمثال الامبرطور أغسطس. ثم دافعت عن المملكة عندما غزاها الرومان. وأعقب ذلك توقيع اتفاقية بين الرومان ومملكة كوش أدى إلي استتباب السلم بين الطرفين.
ولكن اتضح أن هنالك ملكة سابقة لهذه التواريخ عاشت في الفترة الواقعة القرنين 11 و 8 ق م. ويمثل التاريخ الأول نهاية الاحتلال المصري في عصر الدولة الحيثة للسودان و التاريخ الثاني يمثل قيام مملكة كوش الثانية "نبَـتة". وتعرف هذه الفترة في التاريخ المصري بفترة الانتقال الثالثة. كما تعرف أيضاً بالفترة المظلمة أي التي لا تتوفر عنها معلومات وتاريخها غير واضح من جهة، والتناقص الواضح في عدد السكان وبخاصة منطقة شمال حلفا (الخلو السكاني) من ناحية أخرى.
وقد ناقشت بعض الدراسات الحديثة مثل دراسة روبرت موركوت (العصر المظلم النوبي في أسامة عبد الحمن النور، أركاماني: مجلة الآثار السودانية العدد 4 فبرائر 2003) ودراسة لازلو توروك (Between two Worlds: the Frontier Region between Nubia and Egypt 3700 BC - 500 AD Leiden, 2009 p 293 - 300. ولازلو توروك أيضاً L. Torok, in Tormond Eide et al, FHN, Vol. 2 p 288 - 293)
ناقشت هذه الدراسات وجهات النظر السابقة، ويمكن تلخيص ما توصلت إليه في الآتي: أولاً هنالك بعض الأدلة الآثارية - مثل المقابر - في كل المنطقة الواقعة بين الشلالين الأول والرابع توضح ضعف الرأي الذي يقول بتناقص السكان (نظرية الخلو السكاني)، وثانياً: تمكنت القيادات المحلية التي استعان بها الاحتلال المصرية من نمو وبناء قوتها وتوسع سلطاتها مؤسسة بذلة نواة الممالك المحلية التي قامت في المنطقة بعد نهاية الاحتلال المصري. وقد وجدت بعض الأدلة الآثارية مثل محتويات مقابر حلة عرب بالقرب من جبل البركل ومقابر الكرو وبعض النقوش مثل نقش الملكة كاديمالو، وضحت هذه الأدلة قيام عدد من الممالك المحلية بعد نهاية الاحتلال المصري بين منطقتي البطانة والشلال الأول. وسوف تتم مناقشة كل ذلك بشئ من التفصيل في مكان آخر. ويهمنا هنا نقش الملكة كاديمالو.
نقش الملكة كاديمالو (أو كاريمالا) أو نقش سمنة الذي قال عنه روبرت موركوت (المرجع السابق) أنه لم يجد العناية المطلوبة من المؤرخين. تم العثور على النقش في منطقة سمنة، ويوجه فيه ملك غير معروف الاسم الخطاب إلى"الملكة كاديمالو زوجة الملك العظيم وابنة الملك" ويتحدث النقش عن حرب ضد الثائرين في مناطق تعدين الذهب. (نص النقش في Eide et al, FHN, Vol. 1 p 35) والذي يهمنا في النص هنا هو محاولة الباحثين التعرف على هذه الملكة والوقت الذي عاشت فيه.ً
اتفقت آراء الباحثين أن النقش يرجع إلى الفترة السابقة لعصر ألارا وكاشتا، لكنهم اختلفوا في تحديد الوقت، فأرجعه بعضهم إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وبعضهم الآخر ارجعه إلى القرن التاسع قبل الميلاد وجعله آخرون القرن العاشر قبل الميلاد. وذهب بعض الباحثين إلى أن الملكة كاديمالو هي ابنة اوسركون أحد ملوك الأسرة المصرية الحادية والعشرين في الربع الأول من القرن العاشر قبل الميلاد. ويرون أن النقش يمثل توغل الغزو المصري في تلك المناطق.
غير أن هذا الرأي لم يجد قبولا من كثير من المؤرخين، وقد استعرض توروك (Between p 295 - 298 و FHN Vol. 1 p 41 -42.) الحجج التي استند عليها أصحاب هذا الرأي والتي تتمثل في أن اسم الملكة يشير بوضوح إلى الأصل المروي وأنها تنتمي إلى متكلمي اللغة المروية في منطقة النيل الأوسط. هذا بالاضافة إلى أن مصر في عصر الأسرة الحادية والعشرين كانت ضعيفة والسلطة موزعة بين ملوك الدلتا والصعيد. ومن الصعب توغل حملة إلى منطقة سمنة التي تقع جنوب الشلال الثاني. كما لم يرد في آثار هذه الأسرة ما يشير إلى دخول حملة عسكرية في السودان.
ويرى توروك وموركوت أن الملكة كاديمالو ربما كانت زوجة لأحد ملوك السودان في مناطق الشلال الثالث أو الرابع، وربما كانت ملكة منفردة مستقلة بالحكم، أو زوجة لأحد أسلاف ألارا، أو تنتمي للأسرة الكوشية المالكة ولكنها زجة لأحد ملوك الشمال. وعلى كل الأحوال - كما يرى المؤرخون - فإن الملكة كاديمالو تمثل ظهور مملكة كوش وتوحيدها لمناطق الشمال حتى أسوان في وقت مبكر قبل عصر ألارا. فمقابر الكرو الملكية يرجع بداية الدفن فيها إلي بداية القرن العاشر قبل الميلاد.
فالملكة كاديمالوا كانت الكنداكة الأولى نحو القرن العاشر قبل الميلاد، إلا إذا كشفت الآثار كنداكة أخرى سابقة لها. وساهمت الكنداكة الأولى بدورها في بناء دولة كوش الثانية، وتوحيد المنطقة والقيام بدورها الكبير في تاريخ وادي النيل والبحرالمتوسط بنحو ألف سنة قبل كنداكة مروي التي في نهاية القرن الأول قبل الميلاد.

ahmed.elyas@gmail.com


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3434

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1395253 [ابوبكر بشير]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2016 05:51 AM
مقال ممتاز
أرجو ان يساعد السودانيين فى اكتشاف هويتهم التى يتوهمون انها جاءت من الجزيرة العربية قبل الف اقل من الف عام مع ان منطقة الشلال الرابع والخامس او ما يسمى بمنطقة منحنى النيل كانت ماهولة ومزدهرة وبها معابد وجيوش وملكات قبل ثلاثة الف سنة، وفى ذلك التاريخ كان وجود بشر فى منطقة الحجاز او وجود آبار يعتبر معجزة الهية

[ابوبكر بشير]

د. أحمد الياس حسين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة