المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
خواطر حبشيّة (5) : رحيل ملس زيناوي
خواطر حبشيّة (5) : رحيل ملس زيناوي
08-23-2012 09:17 AM

خواطر حبشيّة (5) : رحيل ملس زيناوي

بقلم / عوض أحمد حسن - سفير سوداني سابق :

مات ملس زيناوي، رئيس وزراء إثيوبيا عن عمر يُناهز السابعة والخمسين بعد أن حكم إثيوبيا لنحو عشرين عامًا بيد من حديد ( بيمينه مطرقة تهوي على رؤوس معارضيه، وبيسراه كتاب).

كان طرازًا فريدًا في حكام إفريقيا؛ هجر دراسة الطب في جامعة أديس أبابا قبل أن يُكمل دراسته، وانضمّ لمقاتلي جبهة التقراي في حربها الطويلة والدامية ضدّ منقستو هايلي مريام حتى كُتب لهم النصر، هم وحلفاؤهم الأرتيريون والأورومو والأمهرة وغيرهم من أمم إثيوبيا التي قهرها النجاشي الأحمر (بالشيوعية والدماء).

كان ملس لا يقوم بزيارة أقاليم إثيوبيا ومدنها زيارات "تاريخية"، ولا يُخاطب المسيرات المليونية. خُطبه تتم فقط داخل البرلمان، ووقته مقسّم بقسطاط بين اجتماعات الحزب والحكومة والزوّار، وبين الكتب والتقارير. كان قارئًا نهمًا. يقرأ، ويستوعب ويهضم ما يقرأه، ثم يُخرجه حُججًا وأرقامًا بلسان فصيح في الأمهرية والتقراوية الإنجليزية. وكان محاورًا شديد المراس، يجلس إلى وفود الدول والهيئات المانحة (التي تعيش إثيوبيا على مساعداتها الاقتصادية والإغاثية) وكأنّ يده العُليا ويدهم السُفلى. وكان شديد الاعتزاز بإثيوبيّته وبتقراويّته؛ يهرس خصومه ولا يعتذر ولا ينبطح.

في عقدين من الزمان، حوّل ملس أديس أبابا من مدينة إقطاعية غير مخطّطة، تفتقر إلى الطرق والجسور والخدمات، وتمتلئ جنباتها، أينما اتفق، بأحياء الصفيح العشوائية، إلى مدينة عصرية تشقها طرق متينة البناء، وجسور علوية وأنفاق، وطريق دائري يُجنّب المدينة شرّ الشاحنات العابرة. وفي عقدين من الزمان، أحال افتصاد إثيوبيا المُغلق المحدود، إلى اقتصاد منفتح مزدهر، جاذب للاستثمارات الأجنبية المُنتجة، أصبحت زراعة الزهور وتصديرها المصدر الأول للعملة الصعبة في أقل من بضع سنوات، ومعظمها استثمارات أجنبية شجّعها مناخ الاستثمار الإثيوبي، وجدّية الحكومة (رغم الموروث الطويل لبروقراطية متحجّرة جمعت بين المركزية الإمبراطورية أيام هيلاسلاسي، والمركزية الماركسية أيام منقستو، والشلل الناتج الذي يُقعد الهمم عن الابتكار والتصرّف في مجال اتخاذ القرار).

غير أن مشاكل إثيوبيا أعقد من أن تُحل في عقدين أو ثلاثة. بعضها ورثه ملس وصحبه، كالفقر المتفشي، خاصة في الريف، وسطوة الكنيسة والمذهب الأورذوثكسي الخانق، وغياب التنمية في معظم أجزاء إثيوبيا، ومحدوديّة التعليم، والتقاليد البالية التي ما زالت تُقعد المرأة والمجتمع؛ وبعضها صنعه بيده (وقد يكون فيه هلاك البلاد والعباد في مقبل الأيام)، كنظام الفدرالية الاثنية الذي تبعت فيه جبهة التفراي دستور الاتحاد السوفييتي "العظيم" الذي أعطى (على الورق) الجمهوريات السوفييتية المكوَّنة على أساس عرقي الحق في الانفصال عن الاتحاد، وهو حق مارسته هذه الجمهوريات حين تراخت قبضة موسكو في بداية التسعينيات؛.

ولعلّ أثقل وأخطر ما تركه ملس وراءه هو عجزه (وربما عدم رغبته) في "اقتسام" السلطة (الحقيقي) مع أمم إثيوبيا الأخرى: الأورومو (وهم الغالبية الساحقة)، والأمهرا (وهم الصفوة القديمة ويُكوّنون نحو ربع سكان البلاد)، والأقاليم المهمّشة ذات الأراضي الواسعة والمياه الوفيرة (وهو ما تحتاجه إثيوبيا للخروج من نقص الغذاء المزمن والمجاعات المتواترة)، وذات الكثافة السكانية المحدودة كأقاليم العفر والصومال والأمم الجنوبية وقمبيلا وبني شنقول والقمز.

وتحت السطح، تربض المشكلة "المخفية" التي يتجاهلها الجميع، أي مكانة ودور المسلمين (وهم الغالبية رغم الإحصاءات المتوفرة) في مستقبل إثيوبيا، وقد قبلوا لردح طويل من الزمان أن يتصرّفوا، ويُعاملوا، كأقليّة (تُسيطر على الاقتصاد).

كوّن ملس "مؤتمرًا وطنيًّا" أسماه جبهة إثيوبيا الشعبية الثورية، وعاء عريضًا يضم كل ألوان الطيف الإثيوبي، جعل في قلبه جبهة تحرير التقراي التي بيدها مقاليد الأمور. اللا مركزية التي أتى بها الدستور القائم على الأعراق، تنسخها هيمنة الحزب ومركزيّته التي هي، في نهاية المطاف، في يد جبهة تحرير التقراي (وللعلم، يكوّن التقراي نحو 5% فقط من سكان إثيوبيا). وفي ظنّي أن أمل إثيوبيا في الاستقرار والنماء يصعب أن يتحقق دون اقتسام حقيقي للسلطة (وربّما الثروة) بين أقاليمها ومللها، وهو التحدّي الذي سيُواجه البلاد بعد رحيل ملس برؤيته وجديّته والتزامه وتفرّغه- وحزمه الذي يصل إلى حدّ القسوة والبطش والتنكيل بالمعارضين.

يقترب عدد سكان إثيوبيا من المائة مليون، جُلّهم من الشباب والأطفال، يطحنهم الفقر واليأس وانسداد الآفاق وتمدّد سقوف الطموحات والمطالب. وتجلس إثيوبيا على منابع النيل الأزرق الذي يُغذّي النيل بمعظم مياهه.. تأثّر السودان على مرّ العقود الماضية سلبًا (وإيجابًا) بما يحدث في إثيوبيا. بيْد أن تأثير ما قد سيحدث في إثيوبيا بعد رحيل ملس لن يقتصر على السودان فحسب، بل سيتعدّاه إلى دائرة أوسع فد تعبر البحار والمحيطات، فإثيوبيا تقع، جيو-سياسيًّا، في قلب أحداث واستراتيجيات شتى.

الراية


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1846

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#452943 [جمال فضل الله]
0.00/5 (0 صوت)

08-23-2012 09:43 PM
لقد زرت اثيوبيا لاول مرة عام 1983 ابان حكم الدكتاتور منغستو هايلي ماريام ولم اتوقف عن زيارتها منذ ذلك الزمان وذلك لاسباب كثيرة اهمها ذلك التشابه الكبير في السحنات والعادات والتقاليد والاكل بيننا وبين الاثيوبيين وذلك الحب الدافئ الذي يكنونه للسودانيين عموما. ثم قضيت عاما كاملا في 1996 في اديس ابابا وكان من احلى واجمل اعوام حياتي رغم بؤس حالي وقتها ولكن حفاوة الاثيوبيين ورخص تكاليف المعيشة حينها جعلا اقامتي سعيدة وهنية. ولقد شهدت خلال تلك الفترة وقبلها دخول الثوار الى اديس ابابا وفرار الطاغية منغستو الى الخارج. وعند عودتي الى اديس ابابا بعد 6 اعوام قضيتها في امريكا اصبت بالدهشة والانبهار الذي طراء على اديس ابابا ابتداء من المطار الحديث ومرورا بالشوارع المعلقة والعمارات العاليةوانتهاء بالانضباط في كل مناحي الحياة. لقد تحولت اديس ابابا من قرية صغيرة بائسة الى عاصمةانيقة تنافس اكبر العواصم الكبيرة كما ذكر السيد السفير. لقد بذل السيد ملس زيناوي مجهودا جبارا لتحويل اثيوبيا من دولة فقيرة الى دولة عصرية يحسب لها الف حساب في شئؤون القارة الافريقية عامة والقرن الافريقي خاصة.وحولها من دولة متخلفة لايوجد فيها قانون ولا خدمة مدنية فاعلة الى دولة راقية ذات اقتصاد قوي ومتطور وفتج مجال الاستثمار واسعاامام كل العالم لنهضة اثيوبياويمكنك ان تنال رخصة الاستثمار في يوم واحد فقط اذا كانت كل مستنداتك مكتملةوهذا لايحدث حتى في امريكا. لقد كان مليس باني نهضة اثيوبيا الحديثة ويمكن ان نقارنه بمهاتير ماليزيا واديناور المانيا بعد الحرب. لقد كان جادا وطموحا ومفكرا واعياومتقشفا في حياته وعدوا لدودا للفساد والمفسدين بل لم يتوانى ولو للحظة واحدة في تقديم نائبه ووزير الدفاع حينها الى المحاكمة بتهمة الفساد رغم انه كان يحتاج الى دعم قبيلة الامهرا وقتها والتي ينتمي الها نائبه ولكن المبادئ عنده فوق كل شئ وذلك كان كفيلا بلجم الفساد الى الابد.نعم لقد مكث لفترة طويلة في الحكم وكان قاسيا على معارضيه واعدائه ولكنه ترك ارثا قلما فعله حاكم قبله في افريقياولا اعتقد سياتي بعده من يفعل مثله. له الرحمه.


#452718 [sama]
0.00/5 (0 صوت)

08-23-2012 01:47 PM
شكرا سعادة السفير ما فى شك قرأت مقالك عن ظهر قلب و تعرفت منه على الكثير فيما يتعلق بالشأن الأثيوبى الذى نجاوره ولا نعرف عنه شىء غير الفنون والرقص و الطرب هذا الشعب المعقد فى تركيبته و جغرافيته لديه كثير من العادات التى تشبه عاداتنا السودانية خاصة الإجتماعية منها فملامح بعضهم تشبه ملامحنا وفى المحلات العامة أجد كثيرا منهم يخاطبوننى باللغة الأثيوبية ظنا منهم أننى منهم فهم شعب له عاداته و تقاليده و أكلاته الشعبيةالمعروفة التى نحبهانحن السودانيين ناهيك عن الطبيعة الخلابة التى تتمتع بها الدولة الأثيوبية. يبدو أنك من خلال عملك كسفير كنت مهتم بالشأن الأثيوبيى و تعرف الكثير عنه فأرجو أن لا يكون هذا المقال الأول و الأخير حتى نتعلم منكم


#452557 [Salahuldinn]
0.00/5 (0 صوت)

08-23-2012 09:35 AM
نحن نجهل جيراننا جداً ونكتفي بالقشور فقط ..هذا المقال رصين رغم قصره الشديد وكنت أرجو أن يكون دراسه شامله ويبدو أن كاتبه جدير بذلك ..لا نعلم عن اثيوبيا الا بقدر أنغام هيمانوت ويالبؤس الافق وضيقه .يحبنا الإثيوبيين جداً وأكثر ما يعجبهم فينا خصلة الشهامه والمروءه والنجدة التي لا تفارق السوداني أينما حل إلا أن المعرفه الحقيقيه بهم معدومة ولم تنهض بها مؤسسات جادة ..هذا المقال محفز للغاية


عوض أحمد حسن - سفير سوداني سابق
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة