المقالات
السياسة
ذكريات الموت في غابات الاستوائية
ذكريات الموت في غابات الاستوائية
11-17-2015 11:50 PM


بعد عشرين عاماً من الرحيل ما زالوا احياء يرزقون
بعد عشرين عاماً من بعدهم نحن في عداد الموتي الاحياء
بعد عشرين عاماً ما زالت سيرتهم تملأ الافاق والمجالس والسير
بعد عشرين عاماً سيرتنا نحن لا يعرفها الناس حتي تلتصق بهم
بعد عشرين عاماً ما زالوا هم كما هم شباباً نضيراً كريحانة
بعد عشرين عاماً نحن هرمنا وكهلنا واشتعل الراس شيباً اذا وجد الشعر
بعد عشرين عاماً وجدوا ما وعدهم ربهم من البشارة والسعادة
بعد عشرين عاماً ونحن تتقاذفنا امواج الفشل والشقاء
قبل عشرين عاماً كان السفر الي جوبا بلا جوازات سفر
بعد عشرين عاماً السفر الي جوبا مراً وشاقاً حتي بجوازات السفر

(1) يومها ترك ورقة الامتحان في قاعة الدرس والدهشة في عيون الاساتذة والطلاب تمنعهم من الكلام ولكنه كان قد حدد وحسم وجهته الي الله ، وجهته البحث عن شهادة تضعه مع زمرة الشهداء فقد كان خوفه الا يجد اصدقائه وزملائه حائطاً يضعون فيه شهاداتهم الورقية ، لم يشعر إلا وهو في طائرة عملاقة دخلها حشراً وتدافعاً بلا تذاكر وبلا قيود ، لم يمر علي صالة المغادرة ولم يقابل ضباط الجوازات ولم يسأله احد كم تحمل من الدولارات ، وجد نفسه في صف من البشر بعضهم يعرفهم وبعضهم يعرفهم بسيمائهم ، رجله اليمني علي متن الطائرة ورجله الاخري تتدلي في الهواء تحاول عبثاً اللحاق بالاخري .

(2) بمجرد اغلاق ابواب الطائرة احس ان روحه تكاد تخرج منه والحر يكاد يفتك به وكأن روحه تتصعد الي السماء يجابد الهواء فلا يجده إلا قليلاً قليلاً ، الطائرة غير الطائرات التي عرفها لا توجد به كراسي فقط صناديق الرصاص والذخيرة رمي فيها جسده المنهك من سهر الامتحانات ، والطائرة تصعد في الهواء تحسس جسمه فعرف انه ما زال علي قيد الحياة ، والرفاق والأخوان ينشدون يا طايرة طيري بينا الي فقيري ، اخذته من خياله البعيد حبات الرزاز وهي تتساقط علي جبينه كأنها قطرات الندي علي اغصان الشجر في الصباح الباكر .

(3) ادهشته جوبا بجمالها الابنوسي ورغم قسوتها عليه بالذكريات الحزينة ولكن لم يكن له من خيار إلا ان يعشقها ويحبها اكثر مما احب مدينته التي شهدت مولده وذكري صباه الباكر ، وكما يقول ماركيز ان المرء لا ينتمي لأي مكان مادام ليس فيه ميت تحت التراب ، وهو قد دفن تحت التراب كل احبائه وأصدقائه ورفقائه فلم يبقي له سوي الالم والحسرة والذاكرة الحزينة .

(4) بدأت معاناته مبكراً وهو يفكر في مصاحبة الاموات وليس هناك اقسي من مصاحبة الاموات ، استعجب كيف له ان يصاحب صاحباً ويصادق صديقا ينتظره الموت علي احر من الجمر بعد لحظات او ساعات او ايام ، لكن سرعان ما انتبه انه ايضاً يمكن ان يكون مكتوباً في قائمة الاموات وان الموت ينتظره كما ينتظرهم ، وما دري ان من يصاحبهم يشتهون الموت كما يشتهون الحياة ، وما دري ان الموت هنا يختلف عن الموت هناك فالموت في الاحراش والغابات لذيذ جداً وسريع جداً ، عقله ظل يدور ويدور في هذه الاشياء وتحول الي اتجاه اخر وتذكر ان رحلة الحياة الي الاخرة تحتاج الي رفيق وصديق يؤنس وحدته فتقبل الامر وصادق احدهم ولكن صديقه خذله ذهب وحيداً وتركه لذاكرة المراثي الحزينة .

(5) جامعة جوبا تحولت قاعات الدرس فيها الي مخازن للسلاح والبشر وكأنها شيدت لتُصبح ثكنة عسكرية ، اذا اردت وصفاً دقيقاً لجوبا يومئذ فكأنها تشبه معسكرات الجيوش في الحرب العالمية الثانية ، عربات الجيش الكبيرة تحمل الناس بالعشرات والمئات فوق سطحها العالي والتسلق اليها يحتاج الي مهارة وحيوية وما كان يفتقدها تسلق بطريقة مدهشة ورائعة و لا اعتقد انه يستطيع ان يفعل ذلك مرة اخري فأرجله قد ارهقها المسير فلا تقوي حتي علي حمل جسمه .

(6) الطريق الي نمولي لم يكن متعباً رغم انه طويل وقاسي ولكن كان احساسه بالتعب في اجازة مفتوحة ، لا تحس بالعربة الكبيرة وهي تتمايل و تكاد تسقط بين الخيران والطرق الوعرة ولا تجد احداً يهتم بذلك ابداً ، لا تسمع صرخات الركاب كما في شوارع الخرطوم المسفلتة تشكو من تهور السائق ، وحتي ان سقطت العربة الكبيرة فلا احد يهتم بذلك وكم من مرات ومرات سقطت ولم يأتي شرطي المرور .

(7) محطات الوقوف كثيرة جداً ولكنها بلا جبايات فمعسكرات الجيش تنتشر علي طول الطريق ويومها تري الرعب في المعسكرات وإذا كنت ماهراً في معرفة الموت فستري الموت في عيونهم ، والشعور بالتعب يمكن ان يختفي تحت لحظات التوتر او الخوف ولكن الجوع يمارس عليك سطوته فتتحسس جيوب الميري وما تحمله ولا يذهب بك الخيال بعيداً فما تحمله جيوب الميري او شنطة الجراية ليس سندوتشات من البيرقر او الشاورما بل هو شئ يقتل الجوع فقط بلا متعة وإذا ضُربت به علي راسك لقتلك ايضاً من صلابته ، فطالبات جامعة القران الكريم يصنعن زاداً كأنه من طين طوابي المهدي في امدرمان .

(8) لحظة الهزيمة لا تكاد تجد لها وصفاً فكما يقول اسحق لا احد يستطيع وصف الجنس وكذلك الهزيمة لها طعم لا يوصف ، الرعب في العيون والموت الذي ينبعث من كل الاماكن والجثث تتناثر في الاشجار والطرقات ، و الجرحي انينهم المكبوت يثير فيك كل مكامن الحس والشعور ، وأصوات الرصاص مثل زخات المطر وأصوات الدانات والمدافع مثل اصوات الرعد ، وتضحك من ابن العاص وهو يقول عجباً لمن راي الموت ولم يصفه .

(9) في ذلك اليوم من ايام نوفمبر قبل عشرين عاماً كان شعار المعركة سد الفرقة وهذا الشعار استدعاء لما حدث في كرري ، احياناً الوهم الذي يغرسه فينا المتوهمون يصيبنا في مقتل ، تصورنا ان كرري كانت نصراً للأمة السودانية هو تصورنا في معارك الاستوائية في تلك الايام ولذلك كانت الخسارة بطعم النصر المتوهم ، بعض الناس لهم قدرة خيالية في تحويل الفواجع الي بطولات ، اذا كان الخليفة عبدالله ارتكب اخطأ جسيمة بعامل الجهل وعدم المعرفة بأحدث التكتيكات العسكرية فما الذي يجعل دارساً في الاكاديميات العسكرية يتمثل بدرويش في التكتيكات العسكرية الفارق الزمني بينه وبينهم يتجاوز مائة عام .

(10) الذين مضوا في هذا اليوم الي الله ما كان ينقصهم اليقين انهم كانوا يفعلون عملاً نافعاً وصالحاً لوطنهم ولامتهم ولدعوتهم ، كانت جسارتهم وشجاعتهم فوق المستحيل كانوا يضحكون ويتغامزون وهم مقبلون علي الموت وكأنهم في نزهة في حدائق الخرطوم ، هؤلاء الشباب كانوا اكثر نضجاً ومعرفة وصدقاً من شيوخهم ولذلك احترم الناس ماضينا واحتقروا حاضرنا ، ما قاله وفعله معز عبادي عن الصبر لا تجده في كل الكتب ، وما قاله وفعله منير شوراني عن الشجاعة لا تجده إلا نادراً ، وكأن العبقرية عند السودانيين تلازمهم في شبابهم وتذهب بعيداً عنهم في كهولتهم ، مضي هؤلاء الي الله وهم ما يزالون شباباً وسيظلون حتي يبعثون وكما يقول مريد البرغوثي إذا كان الأحياء يشيخون فإن الشهداء يزدادون شباباً .

علي عثمان علي سليمان
[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3566

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1372428 [ابو شوك]
0.00/5 (0 صوت)

11-19-2015 10:55 PM
باختصار النتيجة شنو . شباب ازهقت ارواحم في حرب كانت خاسرة و قال عنهم شيخهم الذي ارسلهم الي تلك المحرقة انهم فطائس

[ابو شوك]

#1371545 [كبسور]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2015 08:53 AM
وقال شيخكم الذى طفا الى السطح هذة الايام بعد أن دفنة حواريية خمسة عشر عاماً ، أن صحبك هؤلاء ماهم إلا فطائس ،وأن جوبا لم ترتضى قبلة ممبسا وكينينا إلا بفعل الدواعش المهوسين ،ورسل الموت هؤلاء،
هل نحن مقبلون ثانياً لتكرار تلك التجربة البائسة ؟
هل تعود الحرب الإعلامية ضد الجيران ومصر تحديداً لأن شيخكم يقترب من حضن السلطة ؟.
هل يدنو مرة اخرى عذاب امريكيا وروسيا مجتمعتان ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
*****
ثلاثون ألف شاب مغرر بهم سيتحولون الى وقود احفورى بعد سنين تضخة عوادم سيارات ابناء شعبنا الجنوبى الذين فصلتموهم عن الوطن الكبير ، لانهم ببساطة قدموا اكثر من مليوننى شهيد ليتحرروا من الظلم والظلاميين فطوبى لهم .

[كبسور]

#1371457 [shawgi badri]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2015 01:45 AM
الاستاذ علي عثمان اللاام عليكم . من تتحدث عنهم كانوا مضللين . ذهبوا الي الجنوب وقتلوا اهلنا وخربوا ديارنا . وقال عنهم ابليس الذي ارسلهم ونظم لهم عرس الشهيد ، بأنهم فطائس . ان الدمار الذي حققوه في الجنوب يفوق ما قام به المغول والنازيون . نتمي من الله سبحانه وتعالي ان يرحمهم لانهم كانوا مخدوعين . وكانوا السبب في انفصال الجنوب لان الوحدة بعد تلك الجرائم لم تكن ممكنة .
الحديث عن تلك الايان بهذه الرومانسية ، بصق في وجة الجنوبيين الذين شردوا كاطفال صغار والتهمتهم الضباع بعد ان ماتوا من الارهاق والجوع . لقد قال المجرم ابراهيم السنوسي بأنه اخرج المجرمين المدانين من السجون وارسلهم لقتل اهلنا في الجنوب . اليس من المخجل ان نعظم المذابح وقتل اهلنا ؟؟

[shawgi badri]

علي عثمان علي سليمان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة