المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ملس زيناوي: غياب اخر أباطرة إثيوبيا
ملس زيناوي: غياب اخر أباطرة إثيوبيا
08-28-2012 09:40 AM


ياسين محمد عبد الله


من المتوقع أن يهدد الصراع على إرث الرجل الذي ناضل لسنوات طويلة ضد هيمنة قومية الأمهرا على بلاده وقوميته التقراي وتبنى في وقت ما، مع رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير تقراي فكرة الانفصال عن الدولة الأم هروباً من تللك الهيمنة، أن يهدد الهيمنة الحالية لقوميته وأسس الإمبراطورية التى تبادلت القوميتان حكمها خلال الـ 120 عام الماضية.
استطاع ملس زيناوي، الذي جاء إلى السلطة بعد نضال مسلح استمر زهاء الستة عشر عاماً، أن يستخدم على نحو مذهل الإرث التاريخي والمزايا الجغرافية للإمبراطورية العجوز لإحداث نهضة اقتصادية في بلاده وليجدد أحلام تلك الإمبراطورية في قيادة الإقليم والقارة الإفريقية.
لقد جعل زيناوي من البلد الذي كان ضحية للضطرابات لعشرات السنين والغارق في الفقر والمرض أحد أهم البلدان الإفريقية على الساحة الدولية بسبب مشاركته الفعالة في الحرب على الإرهاب في منطقة القرن الإفريقي؛ خصوصاً في الصومال ولدور الوساطة الذي اضطلع به في المشكلة السودانية لحد أن قوات من بلاده تشكل لوحدها قوة الأمم المتحدة في أبيي المنطقة الخلافية بين دولتي السودان ولتمثيله القارة في المحافل الدولية.
واستطاعت إثيوبيا في ظل قيادة زيناوي أن تلعب دوراً كبيراً في حشد دول الإقليم في إطار الإيقاد للمشاركة في تنفيذ أجندات ذات بعد إقليمي ودولي وتمكن الرجل من حشد ست من دول حوض النيل لانتزاع ما يعتبره حقا طبيعيا لبلده في استخدام مياه النيل دون الالتزام باتفاقية أو حقوق تاريخية يدعيها كل من السودان ومصر.
وحققت إثيوبيا في ظل قيادة زيناوي نمواً اقتصاديا كبيراً قدره البنك الدولي بحوالي 8' خلال السنوات العشر الماضية كما شهدت البلاد في عهده عملية تنمية واسعة تضمنت بناء سدود (أهمها سد الألفية) وإقامة بنى تحتية ومشاريع زراعية ضخمة. واستطاعت البلاد في ظل قيادة الرجل التغلب على خسارة منفذها البحري بعد استقلال إريتريا وتوقفها الكلي عن استخدام مينائيها بعد اندلاع الحرب بين البلدين عام 1998 من خلال تطوير بدائل أخرى. وكان ملس زيناوي شريكاً إقليميا مهماً في مشروع ضخم يضم بجانب بلاده كل من كينيا وجنوب السودان ويهدف إلى ربط الدول الثلاث بشبكة طرق مسفلتة وخطوط سكة حديد وإنشاء ميناء ضخم في لامو بكينيا كما كان يعمل على بناء شبكة كهرباء إقليمية لمد الدول المجاورة بحاجتها من الطاقة.
حكم ملس زيناوي إثيوبيا بقبضة من حديد ولا يمكن لأحد أن يتخيل إمكانية استمراره كل هذه المدة في الحكم دون استخدام هذه القبضة. فالرجل ينتمي لقومية تشكل حوالي 6' من السكان والحزب الذي جاء به إلى السلطة حزب قومي استطاع أن يقيم في المرحلة الأخيرة من النضال ضد نظام منغستو جبهة تضم أكبر قوميتين في البلاد؛ الأورمو والأمهرا. ويقوم النظام السياسي الحالي في إثيوبيا على تحالف عريض بين ممثلين للقوميات الثلاث إضافة لممثلين للقوميات الصغيرة في جنوب البلاد. وقد استطاع الرجل استخدام هذا التحالف للبقاء في السلطة لكنه استخدم أيضاً الجيش والأمن والسيطرة على المؤسسات الاقتصادية والإعلامية لضمان الاحتفاظ بهذه السلطة. وقد اُتهم زيناوي من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية بالتضييق على معارضيه وعلى الأقليات القومية في الأوغادين وعلى العفر والأنواك وبمحاولة السيطرة على توجهات المسلمين الذين يقومون منذ عدة أشهر باحتجاجات واسعة ضد ما اعتبروه تدخلاً حكومياً في إدارة شؤونهم الدينية.
الأمر الذي لا شك فيه أن قدرات الرجل القيادية لعبت دوراً كبيراً في السماح لأقليته القومية بأن تحكم البلاد كل هذه الفترة في ظل نظام سياسي يقوم أساساً على المحاصصة القومية ومن الطبيعي أن يضع غيابه هيمنة تلك القومية أمام اختبار صعب وأن يهدد استقرار البلاد.
ينتمي نائب رئيس الوزراء هيلي ماريام دسالن، الذي يقوم الآن بمهام رئيس الوزراء حسب الدستور الإثيوبي، لقومية صغيرة في جنوب البلاد هي الولاياتا وهو يترأس الجبهة التي تضم القوميات في الجنوب وينوب عن ملس أيضاً في قيادة الجبهة الحاكمة. ويقال أن زيناوي كان يعد دسالن ليكون رئيساً للوزراء عندما تنتهي فترة ولايته عام 2015. ومن المتوقع أن يؤدي الرجل اليمين الدستورية أمام البرلمان كرئيس مؤقت للوزراء لكن السؤال الأهم هو من سيكون رئيس الوزراء حتى انتخابات 2015؟ هل سيتم تثبيت دسالن في هذا المنصب أم سيتم اختيار شخص آخر وماهي العوامل التي ستتحكم في اختيار رئيس الوزراء الجديد؟
يبدو أن ملس زيناوي أراد من اختيار دسالن ليكون نائباً له بدلاً من نائبه السابق أديسو لقسي الذي ينتمي لقومية الأمهرا قفل الطريق أمام هذه القومية حتى لا تعود للإمساك بزمام السلطة مرة أخرى كما أراد أن يقفل الطريق أمام احتمال أن يقفز إلى المنصب شخص ينتمي لأكبر قوميات البلاد؛ الأورمو. ويبدو أيضا أن أحد أهداف اختيار رئيس وزراء من قومية صغيرة مثل الولاياتا هو جعل رئيس الوزراء رهين لزيناوي وحزبه الجبهة الشعبية لتحرير تقراي. لقد كان يفترض أن يحل دسالن محل ملس في انتخابات 2015 لكن هل يمكن تنفيذ ما خطط له المايسترو بعد أن غاب؟
في اعتقادي أن قادة الجبهة الشعبية لتحرير تقراي سيترددون كثيراً قبل الموافقة على تثبيت دسالن في هذا المنصب فالجبهة تفتقد الآن لقدرات ملس الهائلة ولكاريزماه التي كانت دون شك إحدى أهم الضمانات - حتى لو كان خارج السلطة- لاحتفاظ التقراي بالمنافع التي حصلوا عليها من خلال هيمنتهم على السلطة لسنوات طويلة. وإذا تم تثبيت دسالن في المنصب، بالرغم من المخاوف التي قد تكون لدى قادة جبهة التقراي، فإن هذه ستكون المرة الأولى التي يأتي فيها إلى السلطة ممثل لقومية من خارج إقليم الحبشة التاريخي (الأمهرا والتقراي) منذ أن تقلد لفترة قصيرة في العقد الثاني من القرن الـ 20 إياسو حفيد الإمبراطور منيليك الثاني لإبنته قيادة الإمبراطورية وهو ينتمي للأورمو من ناحية أبيه.
ومن المتوقع أن يحي غياب زيناوي طموحات القوميات الشريكة في الجبهة بحيث تسعى لدور أكبر يتناسب مع حجمها السكاني خصوصاً الأورمو (حوالي 35') والأمهرا (أكثر من 20'). كما يتوقع أن تطالب الأقليات القومية بدور أكبر في الحياة السياسة والاقتصادية للبلاد وغالباً ما سيزيد غياب زيناوي من تصاعد احتجاجات المسلمين ومن ضغوط منظمات حقوق الإنسانية الوطنية والدولية على الحكومة لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان. ستواجه هذه التحديات رفاق زيناوي في جبهة التقراي أكثر من غيرهم فهم الذين يمسكون بمفاصل السلطة وفي الحالتين؛ إذا وافقوا على استمرار دسالن في منصب رئيس الوزراء إلى حين الانتخابات في 2015 أو دفعوا بأحدهم لاحتلال المنصب فلن يستطيع أحد بعد الآن التمتع بالصلاحيات المطلقة التي كان يتمتع بها زيناوي فالبلاد أمام خيارين إما أن تنتقل، ولو تدريجياً، لنظام ديمقراطي حقيقي أو أن تواجه على المدى المتوسط فوضى قد تفضي إلى تمزقها.
إن الإمبراطورية التي وسعها حدودها منليلك الثاني في القرن التاسع عشر وأكمل تحديثها هيلي سلاسي في القرن العشرين وحافظ على أسسها التاريخية منغستو هيلي ماريام، بكل هرطقاته الماركسية، يضعها غياب ملس زيناوي المتمرد، الذي كان قد حافظ على وحدتها عندما تراجع في ثمانينات القرن الماضي عن فكرة فصل إقليمه عنها، وحافظ على استقرارها بعد الاضطراب الذي تلا سقوط نظام منقستو وانفصال إريتريا من خلال تبنيه توليفة سياسية مكنته هو الذي ينتمي لأقلية صغيرة من حكمها لأكثر من 20 عاما يضعها غيابه الآن على طريق الاضمحلال باعتبارها مشروعا توسعياً لسكان الهضبة على حساب جيرانهم استخدموا فيه العنف والعزلة والدين كأدوات لفرض وضمان استمرار هيمنتهم.

' كاتب وباحث إريتري مقيم في بريطانيا
القدس العربي


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1169

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#456822 [محمد مى]
0.00/5 (0 صوت)

08-29-2012 05:18 PM
أننى أحترم هذا الشخص الذى كان المحرك الرئيسى فى أتفاقية مياة النيل الجديدة والذى علم المصريين الادب ووقف فى وجة المصريين ويتم الان أنشاء سد الالفية غصب عن المصريين هذا هو الرجل ميلس زيناوى وهذا السد يحجز خلفة 9 مليار متر مكعب من المياة التى تذهب الى مصر وعندما أخذت العنجاهية الصحفين المصريين وكانوا يطلبون الحرب على أشيوبيا وكأن مصر دولة عظمى تمتلك جملات الطائرات والصورايخ التى تعبر القارات شعب وهم والشئ الغريب أن الجيش المصرى غرقان فى سيناء لايستطيع أن يفعل شئ مع الجماعات الاسلامية فى سيناء وسوف أختصر رد زيناوى على هذا فى جملة واحدة جربونا وهذا أبلغ رد وأصاب المصريين الخرس وكان المصريين فى الماضى يعتمدون على هيمنة الكنيسة الارثوذكية المصرية على الكنيسة الارثوذكية الاثيوبة لان بابا الكنيسة المصرية كان بابا على الاثيوبية والمصرية ولكن بعد أنفصال الكنيسة الاثيوبة عن المصرية وأصبح الاثيوبين عندهم بابا خاص بهم أنتهى النفوذ المصرى فى أثيوبيا نأتى الى موقف الرئيس بشبش ومعة حكومة الكيزان الحرامية وهو الانبطاح الكامل أمام المصريين هل يوجد أحد سر هذا الانبطاح أمام المصريين الواحد أصبح يحس أننا محافظة من محافظات وبشبش محافظ عليها ماهذا الهوان وبعدين موقف بشبش أنة يقف مع المصريين ضد أتفاقية مياة النيل الجديدة لماذا هذا الانيطاح أمام المصريين لان أتفاقية المياة التى وقعت بين مصر والسودان سنة 1959 كانت فى مصلحة المصريين ظلم مصر تأخذ 55 مليار والسودان 18 مليار ماهذا الظلم وفى 5 مليار متر مكعب من المياة ذيادة عن حاجة السودان تتركها الى مصر لوجة اللة لماذا هل هذة مكافأة للمصرييين على أحتلال حلايب وأغراق حلفا وتشريد أهلنا وقتل أهلنا فى الجزيرة أبا بواسطة الطيران المصرى وقتل أهلنا فى ميدان مصطفى محمود فى المهندسين سنة 2005 وقتل الشباب السودانى فى سيناء وأخذ أعضائهم المواقف السوداء المصرية فى السودان من أيام الثورة المهدية علشان كدة أحترم مليس زناوى والاصلاحات التى عملها فى أثيوبيا كان الرئيس بشبش الرقاص الاول فى السودان ومعة حكومة الكيزان الحرامية سوفى يأتى يوم الحساب لقد أنتهى زمن الرجال فى السودان واًبح زمن الراقصين اللة يرحم عبد اللة خليل مهم طال الزمن سوف تأتى الثورة ويوم الحساب


#456799 [شهاب_اسمرا]
0.00/5 (0 صوت)

08-29-2012 04:47 PM
شكرا على هذه المقالة الكاتب والباحث ياسين محمد عبد الله ولكن احب فقط ان اوضح ان ارتريا لم تنفصل عن اثيوبيا فلم تكن جزء من اثيوبيا ابدا بل قامت اثيوبيا باحتلالها بالتواطء مع امريكيا وهو ما ذكره وزير الخارجية الامريكي الن فوستر دالاس عندما اكد ان المصالح الامريكية تحتم ربط ارتريا بالتاج الاثيوبي الصديق لها وبعد نضال ثلاثة عقود قدم فيه الارتريون اسمى التضحيات استقلت ارتريا بسواعد ابنائهاولم تنفصل.


#455611 [ابكر ادم ابكر]
4.00/5 (1 صوت)

08-28-2012 10:38 AM
المقال كلام عرب فاضي من المعنى و المضمون و الحقائق، ابتدائأ من عنوانة و حتى ختامه. فزيناوى ليس اخر الاباطرة الافارقة ، فهو ليس واحدا منهم قط و لا باى منطق. فهو ليس يعقوب قاون و ليس نكروما و لا لومببا و لا مانديلا و لا سمورا ميشيل و ليس توماس سانكارا و ليس منقتستو هيلامريام و ليس روبرت موقابى و ليس جوليوس نايريري و ليس جون قرنق و لا حتى مثل روب موي او جيري راولينج. الوضع الحالى لاثيوبيا يرجع الى ثورة منقستو هيلامريام و الذى اطاح باسرة منليك و متقمص الاله هيلاسلاسي. فتلك الثورة و التى خفضت الامية فى اثيوبيا من 98% الى 50% فى مدة اقل من غقدين من الزمان و التى اشركت كل القوميات و منها اقلية التقراى. فهى التى فتحت المدراس التى تعلم فيها التقراى و هى الى ادخلتهم الجيش و الذي كان محرم عليهم ، و من تلك المدراس و الجيش خرج ملس زيناوى. هى نفس ثورة منقستو هيلامريام التى ضحت بالكل و خرج زعيمها الى زيمباوبى منفيا مطلقا الساسية الى يومنا هذا ، و ذلك حقنا لدماء الشعب الاثيوبي. يشكر للاعزان الاوائل لملس يناوى انهم فككزوا دولة القبيلة و العشيرة الاولى من اجل اثيوبيا حديثة. اما بالنسبة للتحسن الاقتصادى و المحافظة عى حقوق الدولة الاثيوبية ، فذلك يرجع للشعب الاثيوبى كله و ليس لملس زيناوى و اعوانة. اثيوبيا ليست كضيعة البشير لكى ينسب ما فيها الى شخص واحد. عندما تمزن رئيسا لدولة مثل اثيوبيا ، فيحق لك فقط ذكر مساوئك ، ليس الا. المحاسن تنسب للشعب.


ياسين محمد عبد الله
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة