المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
جدل الأدب والتاريخ في إطار فلسفة التاريخ الجديدة
جدل الأدب والتاريخ في إطار فلسفة التاريخ الجديدة
08-29-2012 05:03 PM

جدل الأدب والتاريخ في إطار فلسفة التاريخ الجديدة

عبد الماجد عبد الرحمن الحبوب
[email protected]


" التاريخ يكتبه المنتصرون " (ونستون تشرشل).


" في الثورة , كما في الرواية , الجزء الأصعب هو كتابة النهاية" ( أليكس دو توكفيل , مفكر ومؤرخ فرنسي من عهد التنوير الأوربي).

" العالم كله مسرحٌ
وما الناس إلا محض ممثلين"
(شكسبير)

" أهم درس من دروس التاريخ , أن الناس لا يتعلمون منه كثيراً"
( الكاتب الانجليزي, أولدوس هكسلي)

احتلت فلسفة التاريخ حيّزاً رفيعاً في تاريخ الفلسفة والنظريات السياسية والاجتماعية طوال الزمن, وعلى مدار جولان العقل البشري. وفلسفة التاريخ من بين الهموم التي ما انقطعت تشغل الفكر والمفكرين منذ أكاديمية أفلاطون (387 ق.م - 529 م) وإلى الآن. وتجلى هذا كله, في النهاية, في جسم نظري عريض, عن معنى التاريخ وطبيعة بنيته ومكوناته وكنه أحداثه الكبيرة وطريقة تطوره, والقوانين العامة التي تحكم سيره المتثني ودروبه المتعرجة.

تنشعب الفلسفة الحديثة- في حال تحييد الفروق الأخرى- إلى منظومتين رئيستين: الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية. ورغم التداخل الطبيعي, فان الفلسفة التحليلية (وهي في غالبها منظومة الفلسفة (الأنقلو- أمريكية) تمثل الحداثة , في حين تمثل الفلسفة القارية,( وهي مصطلح نشأ في الجامعات الأنقلو-أمريكية, لوصف منظومة الفلسفات خارج إطار المظلة الأنقلو- أمريكية) ما بعد الحداثة, في تجليهما العام. ومنذ الثمانيات تقريباً , أضحت كثير من الفلسفات الانجليزية والأمريكية نفسها , أقرب إلى صفة القارية منها إلى التحليلية, وتمددت رقعة الفلسفة القارية باتجاه أوسع .

نود إن نعرض هنا, بإيجاز, للنظرات الجديدة في فلسفة التاريخ الحديثة:

-الاعتماد على أفكار وأدوات الفلسفة القارية , أكثر من منهجيات وأدوات الفلسفة التحليلية ( راجع الفرق بينهما في موسوعة ستانفورد الفلسفية).
- الاعتراف بأهمية دور الفرد والمنهج الذاتي في صياغة وتشكيل الأحداث , في مقابل المدارس القديمة التي كانت تقلل من شأن الفرد, وتعلى من شأن الأدوار الجماعية العامة , معتمدة أكثر على علمية التحاليل الموضوعية.
-الابتعاد عن البحث اللهث وراء الأسئلة الكبيرة والشديدة الضخامة مثل : ما كنه التاريخ وكيف يسير التاريخ الإنساني وما هي طبيعة القوانين العامة التي تحكمه, وما هي وجهته المستقبلية ؟ والتركيز في المقابل, على الأسئلة الصغيرة وذات الطابع السياقي الخاص , مثل تفسير أحداث تاريخية محددة في فترات محددة (الحروب الصليبية ,أو حروب نابليون , أو الثورة الفرنسية, أو فترة حكم محمد على باشا, أو انتفاضة أكتوبر 1964 أو 1985 في السودان , أو الظاهرة النازية, حادثة اغتيال غاندي/انديرا/كينيدي أو الربيع العربي الحالي, مثلاً), وإبراز هذه الأحداث , بوصفها كائنات تاريخية مهمة ونصوصاً هائلة في حد ذاتها, بصرف النظر عن الأسباب والعلل من ورائها.

-وفي السياق نفسه, التركيز أكثر على إبراز تجليات الحدث التاريخي وكيميائه . ينطوي هذا المنحى الجديد على نقد لفلسفات التاريخ القديمة التي كانت , في بحثها اللاهث, عن السبب وراء الأحداث التاريخية الكبرى , تنسى الأحداث ذاتها وتهمشها بشكل كبير, مهملة ضرورة التفريق بين العلل الطبيعية والعلل التاريخية. والتحية هنا للرواية الجديدة والسرد الجديد وللواقعيات السحرية-الجديدة, التي اكتشفت هذه القيمة, قبل فلاسفة التاريخ الجدد , وباتت تكثف الأحداث ذاتها وتبرز ملامحها ومناخاتها وطقوسها , بدلاً من التركيز على مسبباتها وتفاصيل عللها وحبكتها الممنطقة, كما كانت تفعل الروايات والأفلام الكلاسيكية. بمعنى آخر, تسعى الفلسفة الجديدة للتاريخ , ليكون التاريخ تاريخاً للمهزومين أيضاً , وليس فحسب ذلك الذي يكتبه دائماً المنتصرون, كما قال تشرشل !

-التعدد النظري والمنهجي , في تفسير وتحليل الأحداث التاريخية, في مقابل الآحادية النظرية/المدرسية العقيمة في تفسير التاريخ. فالتاريخ , مثل الرواية تماماً لا توجد قراءة واحدة صحيحة له, وقابل باستمرار للقراءة والقراءة الجديدة و هو يتسع على الدوام للتأويل المختلف. خذ مثلاً أسباب انهيار الإمبراطورية الرومانية الذي لم تزل عنه كل هذه السنوات والكتابات إلا غباراً قليلاً, وخذ قيام وسقوط الحضارات العتيقة, المادة المسيّلة للعاب العقل التاريخي منذ بن خلدون وشيخ المؤرخين الأوربيين ادوارد قيبون Edward Gibbon, صاحب كتاب ( The Decline and Fall of the Roman Empire), إلى مجلدات آرنولد توينبي الإثني عشر( A Study of History), إلى المؤرخ الأمريكي الحديث بول كيندي 1987( The Rise and Fall of the Great Powers, 1500-2000) وحتى زمن فوكاياما (نهاية التاريخ1992) وهنتينقتون ( صدام الحضارات 1996) .. هذا الكتاب الذي سخّفه ادوارد سعيد ونعته (بصدام الجهالات). بل إن المؤرخ الانجليزي الأكسفوردي الجهبذ توينبي, كان قد غيّر آراءه عدة مرات عن تاريخ الحضارات وعن أحداث ووقائع تاريخية بعينها !!

-البناء على منظومة تنظيرات وأفكار ما بعد الحداثة كتحليل الخطاب واللغويات النقدية والهيرمونوطيقا الجديدة, وتجليات النقد الأدبي الجديد ومفهوم الاختلاف التفكيكي والميتا- تاريخ والميتا-فكر.

- طبيعة المعرفة التاريخية مختلفة من طبيعة المعرفة الطبيعية- المادية, ومن ثم يتوجب الابتعاد عن محاولة المقارنات والمطابقات المخلّة بينهما.

-الاهتمام بدراسة الكتابة التاريخية نفسها. ومن ذلك, طبيعة تفكير المؤرخين والطريقة التي يكتبون بها الأحداث التاريخية ويفسرونها ورؤيتهم هم ذاتهم للطريقة التي يؤرخون بها , أو ما يعرف بعلم ال ( Histiography). وهذه الطريقة التاريخية الجديدة, أقرب إلى منهج جديد في النقد الأدبي يسمى (تاريخ الكتاب History of the Book) , تناولناه سابقاً , (فليراجع في مكانه). ومن أمثلة ذلك العمل الرائع الذي قام به البولندي دومانسكا في كتابه (فلسفة التاريخ في فترة ما بعد الحداثة), حيث قابل نحو من 11 مؤرخاً يسألهم عن رؤيتهم الخاصة للتاريخ. ومن اللافت ما قاله أحدهم (وايت) , أنه لا توجد حقيقة تاريخية بمعزل عن ما أسماه (بنية التفسير) المتصلة بها !! يمكن أن يندرج هذا , فيما يسميه هيقل "تاريخ التاريخ" وهو ضرب من التاريخ الفكري-التأملي ((Reflective History, أحد الأنواع الثلاثة المركزية للتاريخ بتقسيم هيقل (التاريخ الأصلي والتاريخ الفكري والتاريخ الفسلفي). ويكون لهذا المنهج, قيمة خاصة , حين يتعلق الأمر, بتاريخ يتم تركيبه وترتيبه واستعادته من الوثائق والأراشيف( فالمؤرخ هنا هو الذي يصوغ الأحداث ويحبّكها, في نهاية الأمر, ما يجعله في حاجة لمهارات الروائي وحذق السيناريست وخيال الشاعر).

-بإيجاز, فلسفة التاريخ الجديدة, قوامها التعددية النظرية والتنوع التحليلي, والتركيز على تجليات الحدث والظاهرة التاريخية نفسها بتفعيل الأسئلة الصغيرة ذات الحساسية-السياقية والمكانية والثقافية, بدلاً عن الآحادية-التحليلية والركض خلف أسئلة الكونية-التاريخية الضخمة المتعالية. وتنفتح فيها المعرفة التاريخية بشكل يتسع لدور الفرد والعامل الإنساني في تشكيل التاريخ. وتميل الفلسفة الجديدة للتاريخ, إلى منظومة تناظير ما بعد الحداثة, بدلاً من "العلموية-التاريخية" المشتبكة مع منظومة الحداثة ( مع تعميم, ربما, ليس غير مخل !), وتفيد كذلك من النظرات النقدانية الجديدة والتمثلات الأدبية الحديثة للتاريخ كما في الرواية والقصيدة الجديدتين .


-----------------------------------------------------


مصادر ومراجع

موسوعة ستنافورد الفلسفية plato.stanford.edu
Cohen, G.A. (2001), Karl Marx's Theory of History: A Defence, 2nd edition, Oxford, Oxford University Press.
Hegel, F. (1956). Lectures on the Philosophy of History, trans. J. Sibree New York: Dover.
Derrida, J. (1974). Of Grammatology, Gayatri Chakravorty Spivak (trans.), Baltimore: Johns Hopkins University Press.
Derrida, J. (1978) Writing and Difference, Alan Bass (trans.), Chicago: University of Chicago Pressegel.
Domanska, Ewa (1998). Encounters: Philosophy of History after Postmodernism. Virginia: University of Virginia Press.
Hegel, F. (1977). Phenomenology of Spirit, trans. A. V. Miller, Oxford: Oxford University Press.
Toews, J. E. (1997), A New Philosophy of History? Reflections on Postmodern Historicizing. History and Theory, 36: 235–248.
Toynbee, Arnold.(1934-1961 ). A Study of History (12 vols.). Oxford: Oxford University Press.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 990

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الماجد عبد الرحمن الحبوب
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة