المقالات
منوعات
خواطر ونقيب بين النشوغ والدمر
خواطر ونقيب بين النشوغ والدمر
09-01-2012 01:42 PM

خواطر ونقيب بين النشوغ والدمر

محمد التجاني عمر قش
[email protected]

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي أذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل
" شاعر جاهلي"
عندما أحاول الكتابة عن شمال كردفان، فإنها تقترن في ذهني بأرض البطانة، وتقفز إلى الذاكرة خواطر الطفولة والصبا الباكر،وتظل أبداً حية في الأعماق؛ لأنها تعبق بصدى أوائل ستينات القرن الماضي فأحن إلى ريرة وأم بادر على حدٍ سواء لشدة ما بينهما من تشابه في كثير من الأحوال والظروف والتداعيات الوجدانية، حتى لا يمكن الحديث عن إحداهما دون ذكر الأخرى.ولذلك أذكر روعة الطبيعة ورونقها أيام الخريف، وذلك السحاب المتراكم فيهفو الفؤاد إلى حدثين هما أجمل ما في حياة البادية: النشوغ والدمر. فالشوق إلى المكان مرتبط بالزمان ارتبطاً وجدانياً، فكل منا يميل إلى استرجاع الماضي زماناً ومكاناً بدافع الحنين والتشوق إليه والتغني به وبأمجاد أهله الراحلين، وتذكر الماضي بتفاصيله وشخوصه وأماكنه،لأنه تجسيد لرؤيته في الحياة، وتجسيد للصراع الذاتي أو الداخلي بين الشخص وواقعه في الزمن الحاضر، ولذلك فإن الحنين إلى الماضي يُعد من أكثر الظواهر النفسية شيوعاً بين الكثير من البشر.هذه الأيام أعاني من هذه الظاهرة، وقد زاد الأمر عن كونه تفكيراً عابراً وحنيناً طبيعياً، بل كلما تذكرتُ الماضي استحضرت معه كل متعلقاته بحسرة، وأنا هنا في هضبة نجد وسط جزيرة العرب،بينما تعيش مشاعري بين ربوع كردفان والبطانة. ففي مثل هذه الأيام من كل عام تزدان بوادي شمال كردفان وغيرها من سهول السودان في البطانة بأبهى الحلل، بعد أن تجود عليها السماء بوابل أو طل فتغطي الخضرة كثبانها، وتسيل أوديتها و يعم الفرح والسرور وتشرئب الأرواح والقلوب إلى الرحيل في الظعائن المرتحلات وتمد البدويات أطنابهن في تلك الربوع في منظر هو غاية في الجمال والروعة ونحن هنا في ديار الغربة تعود بنا الذاكرة إلى تلك المشاهد والأزمنة كلما حان وقت الخريف في سوداننا الحبيب رغم ضنك العيش وتبدل الأحوال والناس. فمن منا لم يتصل هاتفياً في هذه الأيام ليسأل عن الخريف والمطر،أقول هذا و بخاطري قول البدوية من ديار الكبابيش:
من طيرة أم بشار
جانا السلف قطار
إتلموا يا عمَار
فرق الموالف حار
و"أم بشار"،كما هو معلوم، هي أول سحب تظهر في السماء مع بداية فصل الخريف ويسميها بعض أهل البادية " صفيحات الغُزُل" لأنها غالباً ما تكون سحب حمراء متفرقة، وهي ذات دلالة خاصة إذ يستعد بعدها الرعاة للرحيل وهذا ما تخشاه هذه البدوية لأنه يعني لها فراق الأحبة من زوج وإخوة وقد يغيبون عنها فترة من الزمن. وهذا الترحال وما يصاحبه من حركة دءوب وانتقال من مكان إلى آخر هو ما جعل الكاتب والمربي الكبير حسن نجيلة يعشق بادية الكبابيش ولذلك فإنّ من يقرأ كتابه ذائع الصيت " ذكرياتي في البادية" لا يملك إلا أن يتمنى أن يعيش تلك الحياة البدوية التي صرنا نخشى عليها من أن تنالها عوامل التغيير نظراً لتغير معطيات كثيرة منها ما يتعلق بالمناخ ومنها ما هو مرتبط بالنشاط البشري والمستجدات التي طرأت على حياة الناس في الآونة الأخيرة.
تهب على الديار هذه الأيام نسمات الخريف الذي ربما بدأ مبكراً هذا العام، فقد جادت السماء بمطر غزير روى مناطق متفرقة في كافة أرجاء البلاد وصارت الخلائق من إنس وحيوان تنظر إلى آثار رحمة الله شاكرة وحامدة. فهذا مزارع يعد أرضه للزراعة، وأصحاب المواشي الآن يستعدون لأيام هي أحلى ما في حياة البداوة والرعي حيث ترتع الأنعام في أرض الله الواسعة وتخضر الأرض ويمتلأ الضرع،ويتغير الحال من بؤس وشقاء وسموم إلى خضرة ونسيم عليل وروعة لا يضاهيها جمال. وإزاء هذا الحال تعود بي الذاكرة إلى أماكن وأزمان قد تطول، وتقفز إلى الذهن صور وخواطر تعبق بذكريات الصبا الباكر، حيث الطفولة في بوادي شمال كردفان وقراها التي نَحِنُ إليها كما تحن الإبل إلى المعطن. أذكر فيها خضرة الطبيعة عندما يكسو الأرض بساط سندسي أخضراء فاقع لونه يسر الناظرين، ويظللها سحاب متراكم ترى الودق يخرج من خلاله، ويلوح من بين ثناياه وميض برق غائر المزن خلب يأخذ الألباب بسحره الآسر، والنجيمات الخجولة تمد أعناقها من بين طيات السحاب كلما كانت الفرصة مواتية ليلاً.
وعقب في القبله لاح حرقوص خلقلو سحابا
لا هلال لا نجم بقت الأرض دهرابا
صبح سيلها ناحر الأرض مسيلو سرابا
وناقصة الحفاير إتقرنن دبابا
وقبيل الظهر تظهر في كبد السماء غيمة راحلة، فتحجب ضوء الشمس فتظل تحاول إرسال أشعتها ولكن يحول دونها الغمام مكوناً شيئاً من الظل وتزداد الطبيعة ألقاً ورونقا،ً ونجري نحن الصغار وراء " أب ضليل" لا نعرف الكلل ولا الملل:
برق القبلة شال شالت معاه بروق
ختتلو أم رويق عمّ السحاب من فوق
العفرت رحل يبكي ويسوي القوق
والضحوي أتردف ليلو ونهـارو يسوق
أحياناً تجود السماء بقطرات الماء ليلاً وتبلل رؤوس النبات بحبيبات الندى في الصباح الباكر،وحينئذ تفوح رائحة "الدعاش" والبرم من أشجار الهشاب والكتر والسدر واللعوت والسيال والمعراب ومن نبات الفِليّة، والريحان، والعيشوبة، والمرحبيب أو "الإذخر"، ويداعب النسيم زهرات مختلفاً ألوانها بين صفرة وحمرة وبنفسج، وهي تتمايل طرباً مع حركات الفراشات ورقصاتها فوق ذلك البساط الأخضر الممتد إلى ما لا نهاية.
الشدر المدلهم طَبل وأصبح جار
والباشندي فاح في روبة الكتّار
الخلفة القبيل رقت من المسدار
قلبت صوفه بت للضلع كسار
وقد تلوح في الأفق البعيد ظعائن مرتحلات ترن أجراسها كأنها موسيقى روحية تربط الماضي بالحاضر، وقد تطل حسناء من هودجها المزركش بشتى أنواع وأدوات الزينة البدوية الخلابة، يتهادى بها بعيرها وكأنهما يشتركان في الإحساس بروعة الترحال، وسط ذلك الركب الذي يتقدمه فارس يحمله جمل نجيب يسير وراء إبله، تقرأ في سمته الوقور علامات الرضا والسعادة بما وهبه الله من نعم مستفيضة فماء وخضرة ووجه حسن وأنعام كثيرة.
أنا عقلي طار وطشا
ورا المراح النشا
المشايات وراه ناس عشا
ست السوار أب نقشا
بأحلى العطور مترشا
تلك الخواطر تنطوي على ممارسات وأنشطة لا توجد في غير هذا المكان فمن منا لم يأكل " اللبا" والفريك والنبق ويطارد الأرانب ودجاج الوادي والغزلان ويصطاد السقد والغرنوق حينما كنا نرعى الغنم صغاراً، ومن منا لم يرقص على إيقاع الجراري، والتوية، والهسيس، ويطرب للدوبيت، ونغمات المزمار " الزمبارة" تأتيك من "الفريق" المجاور أو "المراح" عندما يجلس أحد الرعاة ليعزف ذلك اللحن الشجي وكأنه قد ملك الدنيا بناصيتها. ويتكرر ذات المشهد والنغم إذا جلس الرعاة حول غدير الماء ترفرف فيه طيور الوزين وتسبح بكل حبور وغبطة، وتحيط به أبقارهم وقد امتلأ الضرع وتناثرت الأبقار كحبات عقد من العقيق تفوح منها رائحة لا يضاهيها إلا عطر باريسي معتق.
شمال كردفان، هي بوتقة انصهار لكل أهل السودان، فتجد فيها أهل الشمال والشرق، ناهيك عن أهلها من قبائل الكبابيش ودار حامد والمجانين والكواهله والهواوير والجوامعة وبني جرار والحمر والبزعة والشنابله والكاجا والكتول والدواليب وغيرهم،وقد اختلطت فيها دماء وعادات وتقاليد وثقافات شتى امتدت منذ عصور ما قبل التأريخ. وجاء من بعد ذلك المد العربي، الذي غير معالم المنطقة وثقافتها جملة وتفصيلاً، من حيث اللغة والدين، وبالطبع الفنون والتراث وطرق كسب العيش والعلاقات الاجتماعية والقيم والأخلاق والأعراف. وقد جذبت بادية شمال كردفان بسحرها ورونقها عدداً من الأدباء والكتاب منهم حسن نجيله، والناصر قريب الله، ومحمد سعيد العباسي، والصوفي العاشق شريف محمد سعيد العباسي وعاش فيها محمد علي التوم (المر)، وود إدريس، وإبراهيم التجاني عمر، وضوة بت عبد الزين وهي القائلة:
طلعن لي نجوماً
وظهرن لي هموماً
باكر هن بقومن
وكلاب الدكه بحومن
وغير هؤلاء نفر كثير ممن دونوا ذكرياتهم وعبروا عن مشاعرهم شعراً ونثراً فأخرجوا لنا صوراً نعود إليها كلما حنت الروح وعادت بنا الذاكرة إلى ذلك الزمان الجميل حيث كل شيء مألوف ومحبب إلى النفس. الإنسان كان حينها بسيطاً لا يعرف الغل ولا الحسد، طيب النفس، مرتاح البال والضمير، لم تشغله الحياة بعد بمستجداتها ومتطلباتها المرهقة ولم تعكر صفوه الهموم بل كان حراً من كل هذه القيود، يكيف حركته حسب ظروف الطبيعة، بين النشوغ و الدمر، يجوب الفيافي حيث شاء ومتى شاء، لا تحكمه إلا راحة أنعامه التي يرهق نفسه من أجل راحتها، ويجد في ذلك السلوى والطمأنينة. فقد تحدث ود إدريس عن الطبيعة في بادية كردفان واصفاً إياها بأحلى ما يقال من الكلام و نجد ذلك واضحاً في قوله:
برقك من جبال النوبة قاسك وابلو
هيفو يغمر العصفور دعاشو الهابلو
سحبك رعدو للبواح مواصلي قنابلو
عقبان منك الفقر الفروق بتقابلو
ويقول أيضاً:
بدري الليلة براق كردفان وسحابو
يلعب بالشدر زبد الودين جابو
اللي الضيف فناجر وفي المحن بنهابو
هبروا الحو وهدر الكعمولو نيابو
وهل كان ود الشلهمة يقصد البطانة أم بادية شمال كردفان؟ أم تشابه الحال يجعل هذا الأبيات تنطبق على المكانين:
مسك القبلة في كوع الشمال برّاقِك
قشّط سدرو في عامر سحابو وساقِك
تبّونك قرّنن والسيل دهك شقاقِك
الضايق نشوقك حار عليهو فراقِك
فمن يجرب النشوغ وحياة البادية عموماً،سيظل يحن إليها كلما لاح برق أو " واوا ونقيب" في فيافي البطانة وشمال كردفان، فلله درك يا ود الشلهمة وأنت تعبر عن هذا الإحساس بقولك (الضايق نشوقك حار عليهو فراقِك)، وكلنا ذلك الرجل نظل نحن إلى تلك الأيام الرائعة التي ظلت منحوتة في الذاكرة على الرغم من البعد وتبدل الظروف والحال. ولعل هذه الكلمات ( النشوغ والدمر) قد لا تكون مألوفة لدى كثير ممن لا يعرفون مدلولاتها الأدبية وما تنطوي عليه من إشارة إلى نشاط بشري ظل يحكم حياة أهل البادية في مناطق عدة من السودان خاصة في باديتي البطانة و شمال كردفان حيث كان النشاط الاقتصادي، حتى وقت قريب، يعتمد على الرعي بالدرجة الأولى. ولم يكن الناس يزاولون هذه الحرفة من أجل كسب العيش فحسب، بل يفعلون ذلك إشباعاً لرغبات موروثة، ترتبط بطبيعة الإنسان العربي البدوي وتركيبته النفسية التي لا تنفك تعشق الترحال عبر الفيافي الواسعة دون قيد، بحثاً عن الماء والكلأ من أجل راحة أنعامه وماشيته.وفي ذلك يقول شاعر دار حامد محمد ود عبد القادر:
بشوف كونيبك مرق والوبر حاتاه
وسيدك برضو من ليم الدُغُس فاداره
بت الكرته السلف البكار شايلاه
بعقّر ليها جرّاف الرُغام ترعاه
و يقول شاعر البادية يوسف البنا في الإبل " جقلة":
يوم عُقداها طربانين فراحه يهويتو
ويوم بتسادِر الوعر المكاجره يويتو
يوم مقروعه فوق تَباً صافيه نقعت مويتو
يوم حازمها كِيراً راش بولو فوق هبويتو
هذه التحركات ليس مجرد نشاط رعاة يجوبون الصحراء، بل هي منظومة اجتماعيه تحكمها وتنظمها جملة من التقاليد والأعراف القبلية التي يجب على الجميع التقيد بها واحترامها في كل الظروف والأوقات. وهنالك ما يمكن أن نسميه "هرم إداري" يتم اختيار أعضائه حسب معايير دقيقة جداً، وليدة التجربة والخبرة وحسن التصرف والقيم الأخرى مثل الشجاعة والكرم، وسعة الصدر، وحسن التدبير والحنكة. ومن ذلك على سبيل المثال أن العرب مع بداية موسم الخريف يعقدون اجتماعاً لاختيار "دليل" وهو الشخص الذي يحكم في الأمور التي قد تنشب بين الأفراد وهو منصب أو لقب لا صلة له بالإدارة الأهلية، بل تختار كل مجموعة شخص من ذوي الخبرة ليكون مرجعاً لهم في أثناء تحركهم، وهو الذي يمثل تلك المجموعة أمام الأطراف الأخرى في حالة حدوث نزاع أو خلاف، وتسند إلى الدليل و بعض كبار السن مهمة وضع خطة سير المجموعة وتوقيت ترحالها، وتكون كلمته مسموعة لدى الجميع، كما يجب احترام قراره الذي غالباً ما يتخذ بعد التشاور مع الكبار. وقد اشتهر من هؤلاء رجال مثل محمد ود جودات ومحمد أبو زرقة في دار حامد، ومحمد ود فضل الله في دار الكواهلة، وود جودة عند الكبابيش و أبو زيد من بني جرار.
يقول شيخ العرب جامع علي التوم:
الساريه البولول برقها اللمّيع
أصبح ماها راقد فى الرمال والقِيع
دليل الهبرب السنتينى ما بتطيع
أصبح سرجو فوق واحداّ هميم وسريع
فمعنى النشوغ، وقد يطلق عليه أحياناً "الشوقارة" أو "النجعة"، هو الرحلة التي يقوم بها رعاة الإبل وربما البقر والأغنام في أول موسم الخريف نحو الأماكن التي تهطل فيها الأمطار مبكراً فينبت العشب وتخضر الأرض ويتوفر الماء ويترك العرب أسرهم في مناطق الدمر ويرتحل الرجال فقط.يقول الشاعر عمر الشيخ محمد ربّاح:
نجعنا حلالي قبّال السحاب ما يسْتّي
نامن نسمة السافل قرّبت بشتي
أنا وعاليبو فارقنا أم شلوخاً ستي
واواي الوناقيب ليها شقّ كبدتي
و يرد عليه الطيب خليفة بمجموعة من الرباعيات التي تتحدث عن رحلة "النشوغ" قال فيها:
نجعنا حلالي طاردين البروق وسحابا
بعدت غادي من بلد الجفاف وسرابا
وصلت بدري جقله للرهود شرّابا
نايب كيرها يخلف في هديره ربابا
وهنا يحدد الطيب خليفة إتجاه رحلة النشوغ قائلاً:
قامت الناقة بي عدل الجبال تهقيتها
رفعت روسها كرفت للهبوب بتقيدها
رمياً بالسلاح حكمت عليه عقيدها
تبت بالعقال بتحن تعزي فقيدها
ويصف الطيب خليفة الإبل في الخريف وأثناء فترة النشوغ بقصائد كثيرة نختار منها ما يلي:
كونيبك حفل و حز سنامك وسرّا
و سمّح شوفك بيهو النفوس تنسرّا
ناويابي النجيع شايفك ركن منصرّه
عيلي و مدي يا أم شطراً بهل ماصرّا
ويلاحظ هنا استخدام الشاعرين لكلمات مثل "النجيع" و "نجعنا" وكلها تصف نفس الرحلة وهي تحرك العرب مع بداية فصل الخريف. في شمال كردفان كان رعاة الإبل يتحركون جنوباً مروراً بمنطقة أبو سنون وأم صميمة في دار البديرية، وعيال بخيت والخوي في دار حمر وتستمر رحلتهم قرابة ثلاثة أشهر يصلون خلالها حتى بت أم بحر وهي منطقة تجمع مياه معروفة( أضاة).ثم يعودون نحو الشمال باتجاه الظليط والضليل وتنه وجرقل وأبو عسل وسودري وكاجا وكتول والسروج والحمرة وربما يتجهون غرباً إلى وادي الملك و شرق ميدوب و يواصلون الرحلة إلى الصحراء الكبرى لرعي نبات الجزو(نبات شديد الخضرة يجزئ أو يكفي الإبل بدلاً عن الماء ولذلك تبقى هناك مدة طويلة) في فصل الشتاء ثم يعودون إلى مناطق الدمر مع بداية الصيف.
ومن جاتهن هبيب السافل المنقدا
جنىْ ود جوده عايط للقبيلي وشدا
بت دعتوره ما بترضى الوسخ والردا
بتدور تاني بي ود اللبيب الصدا
وفي الوقت الراهن تغيرت هذه الرحلة نحو الشمال نظراً لبعض الظروف الأمنية فصار العرب يتوجهون شمالاً نحو الصافية وأبو عروق وعد المرخ وقِمِر وعيلاي في بادية الكبابيش والهواوير ويواصلون الترحال شمالاً حتى غرب دنقلا. إن فترة النشوغ هي الأكثر إثارة إذ يكون فيها فراق الأحبة والأهل مما يشكل مصدر إلهام لكثير من الشعراء والشاعرات. وتحدث أثناء النشوغ أنشطة كثيرة منها ما يعرف " بالدور" وهو الركوب على الجمال السريعة في مجموعات في غالب الأحيان بحثاً عن مرعى أو فلاة أفضل وهي أشبه ما تكون بسباق هجن لمسافات طويلة يظل العرب يتحدثون عنها في مجالسهم و يمدحون الجمل الذي فاز أو سبق في تلك المناسبة وهم لذلك يدخرون جمالاً بعينها لتلك المنافسة لما تنطوي عليه من متعة وشهرة؛ ليس هذا فحسب بل إنهم يؤرخون بمثل هذه الأشياء فيقولون مثلاً " سنة كذا أو سبقة جمل فلان" وهذا يدل على أهمية هذا المنشط البدوي ودلالته بالنسبة لسكان البادية وفي هذا المعنى يتحفنا ود إدريس بقوله الرائع:
شال سحب الصعيد بدري ودفر متحين
دور أم زور بقول البلد ممطورة والفرع لين
منشاق البعيد الشوفو مو متبين
للجعارة قاسي ولأم شراريب هين
يقول شاعر البطانة الكبير يوسف البنا:
لَوَتْ الناقة فوق القش زمن ما شربت
راتعة مفرقة ومردومة سيجةً خِرْبَت
جمل دورها أنطلق طول مقيم ما كَرْبت
ماصعها ألفح رقّ أب هدرة طِرْبت
والنشوغ هو الفترة التي تسمن فيها الإبل وتطلق الفحول من الجمال لتلقيح النوق، ويرتاح الرعاة من عناء الصيف ولذلك تجد أن الشباب أو " الوناقيب" هم الذين يرعون نهاراً ويتفرغ الكبار للأمور الإدارية والإشراف والتخطيط فقط إذا جاز التعبير. يقول يوسف البنا:
هاج بكرينا قنّبْ في حِقاقو يطارد
ود بُريبَة الصي أم وريداً شارد
حابِك فوقنا غيماً مهيّف وبارد
يطري الزول مجالات الشلوخه عوارض
في البطانة يتجه الرعاة شمالاً في فترة النشوغ نحو مناطق جبل قريعا والغُر والمندرة وأبو جراد وأبو قنافد وريرة والصفية ويستمرون في تلك الرحلة حتى جنوب أم شديدة وأبو عش وغيرها من المناطق في أرض البطانة. وتشابه رحلتهم هذه ما يحدث في شمال كردفان تماماً نظراً لتشابه الطبيعة والظروف المناخية و العنصر البشري الذي يشكل البدو غالبيته العظمى وجميعهم تقريباً من رعاة الإبل الذين آثروا حياة الترحال في البادية على الاستقرار وتتشابه تبعاً لذلك ثقافتهم وتراثهم الشعبي ومسميات أنشطتهم وكل ما يتعلق بحياتهم ونظامها الاجتماعي. ومع نهاية الخريف يعود أهل البطانة جنوباً للدمر حول موارد المياه بالقرب من نهر الرهد. أما في سنوات الجفاف فقد يتجهون نحو الدندر مروراً بمناطقهم التي ترد كثيراً في أشعارهم مثل ود زقل و جودية والقضارف وغيرها. يقول أحد شعراء البطانة:
حليلكم يا الأهل ود الزقل فتوهو
ديك جودية والدندر خلاس جيتوهو
في طلحة المشرمة ها الشقاق ختوه
وحور الجاهلة بتوب الحرير غطوهو
ويقول آخر وقد رحل العرب من الدمر بمن فيهم محبوبته فغلبه الشوق وجفا النوم عينيه:
قاموا الليلة من دار الدمر وأنقلو
سقّد مايقي روقة الغمدة مابيه تطلو
حازمة ضعينتن منجمعة ما بنفلو
قلبي مع الجراسة البنقرن قام كلو
وكلمة "الدمر" تعني فترة وأماكن إقامة العربان صيفاً وغالباً ما تكون حول موارد المياه في العاديك والبشيري وأم بادر وأم سنطة وحمرة الشيخ و سودري وأم قوزين والسواني وجبرة ودونكي المغد و أم سنطة والجمامة وغيرها من مناطق شمال كردفان قريباً من المرعى، وبين هذه وتلك هنالك فترة المواطاة وهي العودة من النشوغ إلى القرى والفرقان مع نهاية الخريف ويعود الرعاة بخيرات " الصعيد" مثل القضيم والقريقدان والقنقليس و" القديد" وهو اللحم الناشف وهذا الكلمة من فصيح العامية في شمال كردفان. والدمر فترة استقرار يجتمع فيها الشمل وتحدث فيها المناسبات الاجتماعية من أفراح كالزواج وختان الأبناء وفي أثناءها يتم التجهيز والإعداد لرحلة النشوغ. وفي فترة الدمر يمارس الرعاة " السدور" وهو الذهاب إلى المرعى لمدة تتراوح ما بين سبعة إلى تسعة أيام يعودون بعدها لسقيا الأنعام وهي كذلك يتخللها كثير من التحركات التي يطلقون عليها مسميات خاصة تميز كل يوم عن غيره فهنالك يوم " الضل" وهو اليوم الذي يسبق الورود إلى الماء؛ و " الحواضة" وهو الركوب لحجز المواقع حول البئر ويركبون له على الجمال السريعة أيضاً إلا أنه ليس مثل " الدور" و قد ذكروا ذلك بأكثر من طريقة وفي ذلك يقول شاعرهم عبد الرحيم أبو شناح " الرجل العرضان" مخاطباً جمله:
بعد ما أخر حليلة الدمر يا الكير
حس جضيض كورك بودر حنة التفجير
دي الما اتابقت بي فوق لا اسنطت لصفير
هاك طيتها سولب يا مقرعب طير
ويقول شاعر البطانة:
خرَّفْـتِ، وطلايْعِـكْ للمراتِـع لفَّـنْ
ضعايْنـِكْ شيَّلَـنْ من المدامِـر، وقفَّنْ
وديانِـك مشَنْ، ليهِـن سبوع ما جفَّن
وقِبْليـكْ تَوَّر الركَمِـي السحابو مَدَفَّنْ
وتقول إحداهن عندما رأت أن الماء قد قلّ وحان تفرَق العرب وتوجههم نحو مناطق دمرهم و نتيجة لذلك سوف تفارق حبيبها الذي كان قريباً منها تراه في ذلك المورد ولما يعزّ عليها الفراق تكني عن هذا الإحساس بقولها:
الماء بقي بالوزنا
دا ر يفرّقنا
الضحوي الشايل مزنا
يشرب فيه الغايظنا
وقد سجل الشعراء تلك الرحلات والمناطق في أشعارهم وقصصهم وشكلت بذلك مادة التراث الشعبي الذي نجد فيه أسماء الأماكن والأشجار والنبات والأحداث التي قد تمر بهم. تقول أخرى في هذا المعنى وقد خلت أم سنطة من أهلها الذين رحلوا عنها:
الليلة أم سنطة خفيفه
وارداها أم بوح العيفه
سياد الفز بي ليفه
طردوا البطلق زيفه
وتصور أخرى ما آل إليه الوضع في الصيف من شح المياه و ظهور علامات موسم الأمطار بعد ذلك، حيث لاح البرق في الأفق مبشراً بقرب حلول الخريف :
جانا خبيرهم لايح
شرابهم بالصفايح
داك براقاً لايح
بسقي الرق الضايح
ويروى عن الشيخ المر علي التوم وقد آلمه حال ناقته التي لم تتمكن من النشوغ تلك السنة،وقد كانت عجفاء جار عليها الزمان فأقعدها عن اللحاق بالقطيع، فرآها في الحمرة وهي " تحن" فقال مواسياً لها:
كان حنيتي ما بتلامي
ضايق النجعة في النعم البقوم قدامي
القش الربيعك فوقه صيد ونعامي
ما قام أصله بخلنبه المحول يا أم شامي
إن الحنين إلى سالف الأزمان والأماكن، صفة ملازمة لكثير من البشر، وقد كانت هذه محاولة متواضعة للتعبير عما يجيش بالخاطر من ذكرياتي "كونقيب" أمضى فترة من الزمن في ربوع شمال كردفان حين كان الزمان غير هذا الوقت المملوخ، وكان الناس صافية نفوسهم وحلوة عشرتهم وبينهم من الود والألفة الشيء الكثير فهل يا ترى يعود ذا الزمن؟


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 3924

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#460417 [يوسف الغول]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2012 08:58 PM
لك التحيه على هذه النافذه التي اعتبرتها نقل حي لما يدور في باديتنا كردفان وزكريات جميله تزين الخاطر ولكن الحزن سيطر علي لأن الان الخريف في قمته وانا بعيد عن الديار ولا حول ولا قوة لي لكن تمنيت ان اكون هناك في غمضة عين ،عموما الترحال مابين بواد كردفان له ادب وطعم وقانون منظم غير مكتوب ولو فتحنمجال للزكريات لما استطعنا قفل هذا الباب الذي نهرب منه خوفا من الحزن.


#459015 [الكليس]
0.00/5 (0 صوت)

09-02-2012 12:43 AM
تحياتي اخي الكريم ,,

صراحه هذا اجمل موضوع أطالعه بالراكوبه التي بدأت تتجه نحو مايبرز موقعها كموقع كبير
يتابعه الكثير ..

أخي جعلت جلدي يتخازز كل ما قرأت وجة برق أو رزم رعد في مقالك , وشبهت حالي بحال
الشاعر الفرجوني عندما قال وهو يحن للباديه واهلها :
لمن أطراها في وسط البحور بتبنج

ولك من الشكر على انعاش الذاكره واقل لك كما قال شاعر البطانه :ود سند

عقبوا أمات قماري وختو في الدقداقه
عشاهم بالعتيم ما كشنوا الفرطــاقه

ولك الود


ردود على الكليس
Saudi Arabia [محمد التجاني عمر قش] 09-02-2012 02:18 PM
أشكرك أخي الكليس على هذا الكلام الجميل ودونك هذه الرباعيات في وصف خريف البطانة:


سِمْحَتْ، ومن شَناة الصَّيفـة لونا اندسَّ
وجبَّالِـكْ لِبِس من الخَـدار واتكسَّـى
يا المـَرْدة التَّليني مع الجُمـال في الرسَّة
فوقِكْ زَرْقَـن الرَّزَمِي السحـابو اتمسَّى

*************************

تِعْلِك دودا فوق حقَّاص ضهـورِك خَتَّ
وضُهْرِيكْ صَابَـق السَّارْية وصبيبو انحتَّ
قِبْلِيـكْ ساوَق أم بَرَد البِرَمِّـي سَقطَّـا
جبَّالِك جَبَد كُجَـر السحـاب، واتغتَّى

*************************


الحُقُنْ إنْمَلَـنْ،والدَّابي جاتـو فضيحتـو
ومو خاتي إن مرق،ضاقَتْ عليهو فسيحتو
إندشَّ السرِح، كرَفَتْ هواهـو منيحتـو
والمحريـب شَهَـقْ، فتَّـح قزايز ريحتـو


محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة