المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. صبرى محمد خليل
تطبيق الشريعة الاسلاميه بين الدعاية السياسية والدعوة الدينية والحضاريه
تطبيق الشريعة الاسلاميه بين الدعاية السياسية والدعوة الدينية والحضاريه
09-02-2012 01:07 AM

تطبيق الشريعة الاسلاميه بين الدعاية السياسية والدعوة الدينية والحضاريه

د.صبري محمد خليل/ أستاذ بجامعه الخرطوم/ تخصص فلسفه القيم الاسلاميه
sabri.khalil@hotmail.com

بين الدعوة والدعاية: يميز العديد من الباحثين بين الدعوة والدعاية من نواحي عديدة، فمن ناحية الموضوع فان موضوع الدعوة المبادئ والقيم ، بينما موضوع الدعاية الشعارات (والشعار قد يكون مبدأ أو قيمه تدعى جماعه ما أنها تسعى لتحقيقه - على المستوى النظري-، دون أن تحققه فعلا- على المستوى التطبيقي- )، ومن ناحية التطبيق فان الدعوة تتناول المبادئ والقيم وتفاصيلها وتطبيقاتها وآثارها ، بينما الدعاية تكتفي بالشعار دون التطرق إلى تفاصيله تطبيقاته وآثاره، ومن ناحية الحوار أو عدمه تقوم الدعوة على الحوار، بينما الدعاية تقوم على محاوله إبعاد الشعار المعين عن دائرة الحوار، وتحويله إلى مقوله غبر قابله للنقاش . ومن ناحية الاجتهاد والتقليد فان الدعوة تقوم على الاجتهاد ، بينما الدعاية تقوم على محاوله تكريس تقليد قاده الراى العام ، ومن ناحية الصلة بالمبادئ أو القيم أو الشعارات الأخرى فان الدعوة عندما تتناول مبدأ معين أو قيم معينه لا تتجاهل المبادئ أو القيم الأخرى،بينما الدعاية تقوم على الحصر الثنائي بين الشعار وضده دون الالتفات إلى الشعارات الأخرى،ومن ناحية الصلة بواقع الحياة فان الدعوة تهدف إلى ما يصلح الحياة من قيم ومبادئ، بينما الدعابة تهدف إلى إغلاق العقول دون ادارك واقع الحياة، لتبقى مفتوحة لما يدسه فيها قاده الراى من دعاية، ومن الناحية الحضارية فان الدعوة لابد أن تتسق مع حضارة الامه المعينة ، بينما الدعاية قد تهدف إلى نقض بعض المكونات الحضارية للامه المعينة (د.عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام، بيروت ، 88 19 ، ص 342-453).
وبناء على التمييز السابق بين الدعوة والدعاية فإننا نميز بين موقفين من تطبيق الشريعة الاسلاميه :
ألموقف الأول: الدعاية السياسية : الموقف الأول من تطبيق الشريعة الاسلاميه يطرح الشريعة الاسلاميه كدعاية سياسيه ، فهو يطرحها كشعار ، دون التطرق إلى كيفيه تطبيقها، ودون الدعوة إلى الحوار بين المذاهب الاسلاميه حول سبل تطبيقها ، ودون قيامه باى اجتهاد ديني أو فكرى، ويقوم على الحصر الثنائي بين شعار(الشريعة الاسلاميه) وضده (العلمانية) دون الالتفات إلى القضايا الأخرى، التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة ، وهو يهدف إلى إغلاق عقول المسلمين دون إدراك واقع الحياة ، لتبقى مفتوحة لما يدسه فيها دعاية سياسيه تحقق أهدافه، كما أن فهمه للشريعة الاسلاميه يتناقض في حالات عديدة مع ضوابط ومقاصد الشرع من الناحية الدينية ، كما يتناقض في حالات عديدة مع القيم الحضارية الاسلاميه للمجتمعات المسلمة من الناحية الحضارية.
واهم ممثل لهذا الموقف هو مذهب التفسير السياسى للدين،الذي هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، ظهر في المجتمعات المسلمة فى العصور الحديثة،كرد فعل على العلمانية التي نفت اى علاقة بين الدين والدولة، ويقوم هذا المذهب على تأكيد واثبات العلاقة بين الدين والسياسة ، ولكنه يتطرف في هذا التأكيد والإثبات،إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، لا علاقة ارتباط ووحده، وبالتالي يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة اعلي درجه من الدين حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين- بدلا من جعل الدين هو الأصل والسياسة هي الفرع -، وهو ما يلزم منه الاستغلال السياسي للدين، والذي هو شكل من أشكال الاتجار بالدين ،الذي ورد النهى عنه في الكثير من النصوص كقوله تعالى:(ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(المائدة:44)،وقوله تعالى (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الاخره ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم) (آل عمران).

الفهم والتطبيق الجزئي للشريعة الاسلاميه: ويستند مذهب التفسير السياسى للدين ، في تصوره لقضية تطبيق الشريعة الاسلاميه في المجتمعات المسلمة ، إلى افتراض مضمونه أن تطبيق الشريعة الاسلاميه يتوقف على وصول جماعه أو جماعات معينه ( الحزب أو الأحزاب السياسية الدينية / الاسلاميه) إلى السلطة واستمرارها فيها، مطبقه على المستوى الخاص دون المستوى العام في اغلب المجتمعات المسلمة)هو غير أن هذا الافتراض يترتب عليه أن تطبيق الشريعة الاسلاميه هو مسئوليه جماعه أو جماعات معينه، وانه مقصور على مجال معين من مجالات الحياة (والمجال السياسى)، وبالتالي فان هذا الافتراض يتناقض مع الدلالة الاصليه لمصطلح الشريعة والتي تشمل العبادات والمعاملات بنوعيها: المعاملات الفردية من أحوال شخصية ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة... والمعاملات التي تنظم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، وتشمل القواعد الكلية التي تستند إليها النظم الاقتصادية السياسية القانونية...كما سنوضح لاحقا، ووجه التناقض بينهما هو أن هذه الدلالة تفيد أن تطبيق الشريعة الاسلاميه (والمقصود به التطبيق الشامل لان الشريعة مسئوليه المجتمع المسلم كله،وانه يشمل كافه مناحي الحياة ( من خلال قواعدها الكلية)، هذا فضلا عن أن هذا الافتراض يستند إلى تفسير خاطئ لمقوله "ما يزرع الله بالسلطان أكثر ما يزرع بالقرآن" ومصطلح "الحكم" القرانى .
مقوله( ما يزرع الله بالسلطان أكثر ما يزرع بالقرآن) : فالمقولة بلفظها ذكرها أهل الأدب والسياسة( انظر: تهذيب الرياسة وترتيب السياسة للقلعي ، ص 95، ط. مكتبة المنار، الأردن و الكامل في اللغة والأدب للمبرد )،وهى صياغه لغويه لمقوله عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) ( ما يزرع الإمام أكثر مما يزرع القرآن )( أخرجه بن عبد البر في التمهيد 1/118) قال ابن منظور في (اللسان: 8/390 ) (معناه : أن من يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن تكفه مخافة القرآن والله تعالي، فمن يكفه السلطان عن المعاصي أكثر ممن يكفه القرآن بالأمر والنهي والإنذار). فالمقولة إذا تشير إلى الضرورة الاجتماعية للسلطة، ولكنها لا تشير إلى الافتراض السابق والقائم على أن تطبيق الشريعة الاسلاميه يتوقف على وصول جماعه او جماعات معينه إلى السلطة .

مصطلح حكم: كما يستند هذا الافتراض يستند إلى مذهب مضمونه أن لفظ ( الحكم ) الوارد في القرآن يراد به السلطة، وهذا غير صحيح، إذا أن هذه اللفظ إذا ورد في القرآن منسوباً إلى الله تعالى فانه يعني السيادة التكليفيه والتكوينية ، وإذا ورد منسوباً إلى الإنسان فأنه يعني الفصل في الخصومات والقضاء كما في قوله تعالى ﴿ و داؤود وسليمان إذا يحكمان في الحرث ﴾،وقوله تعالى ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾، كما يعني الحكمة النظرية كما في قوله تعالى عن يحي عليه السلام ﴿ يا يحي خذ الكتاب بقوة واتيناه الحكم صبيا﴾ وقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ﴿ ربي هب لي حكما وألحقني بالصالحين﴾، في تفسير البيضاوي أن لفظ الحكم ورد في القران بمعني الحكمة النظرية وفصل الخصومات.أما مصطلح السلطة كما في الفكر السياسي الغربي فلم يستخدم في الفكر السياسي الإسلامي، والمصطلح المقابل له في الفكر السياسي الإسلامي هو مصطلح ( الأمر)، ومنه سمي من اسند إلية السلطة ( الأمير) و(أولي الأمر)﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ﴾ ( النساء: 59)،وهو المصطلح الذي استخدمه الخلفاء الراشدين والصحابة :فعند وفاة الرسول(ص) تحدث أبو بكر عن السلطة فقال " إن محمد قد مضي لسبيله ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به"، وقال عمر بن الخطاب يصف السلطة " إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها وباللين الذي لا وهن فيه".
وإذا كانت الدلالة التبعية لمصطلح الشريعة ، والتي مضمونها النظام القانوني الاسلامى، ذات صله بالسلطة " وهى ذات صله أوثق بالسلطتين التشريعية والقضائية" ، إلا أنها لا تتحقق أيضا إلا من خلال شمولها لكافه مناحي الحياة في المجتمع المسلم ، إذ أن اى نظام قانوني إنما ينظم كافه مناحي الحياة في المجتمع.
يرتب على ما سبق أن أقصى ما يمكن أن يصل إليه مذهب التفسير السياسى للدين هو التطبيق الجزئي للشريعة الاسلاميه .
التناقض: كما يستند مذهب التفسير السياسى للدين، في تصوره لقضية تطبيق الشريعة الاسلاميه ، على بعض المفاهيم التي تتناقض مع مقاصد الشريعة وضوابطها : فعلى سبيل المثال يرتب هذا المذهب على تطبيق السلطة للشريعة الاسلاميه استناد السلطة الدينية إليها، تنفرد بها دون الجماعة،وهو ما يقارب مذهبي الثيوقراطيه والكهنوتية،وهو مذهب مرفوض في الإسلام، قال تعالى(واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم ،بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم. كما يرتب على تطبيق السلطة للشريعة الاسلاميه احتكارها التحدث باسم الدين، وهو ما يخالف إقرار الإسلام للتعدد والاختلاف على مستوى الفروع ، يقول ابن مفلح( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)[الآداب الشرعية 1/186]. كما قد يرتب هذا المذهب على تطبيق السلطة للشريعة الاسلاميه تكفير المخالف لها ، وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). و قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ) (ترجم له البخاري) .
ثانيا: الدعوة الدينية والحضارية: أما الموقف الثاني من تطبيق الشريعة الاسلاميه، فيطرح الشريعة الاسلاميه كمبدأ ، ويبحث في كيفيه تطبيقها، ويقوم على الحوار بين المذاهب الاسلاميه حول أنجع السبل لتطبيقها،كما يقوم على الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، كما أن تناوله لقضية تطبيق الشريعة إسلاميه، لا يحول دون تناوله للقضايا الأخرى التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة ، كما يربط بين تطبيق الشريعة الاسلاميه وتحقيق ما يصلح الحياة من قيم ومبادئ، كما يحاول هذا الموقف أن يجعل فهم الشريعة الاسلاميه متسقا مع ضوابط ومقاصد الشرع من الناحية الدينية ، ومع القيم الحضارية الاسلاميه للمجتمعات ألمسلمه من الناحية الحضارية.
الفهم والتطبيق الشامل للشريعة الاسلاميه: ويقوم هذا الموقف، فيما يتعلق بعلاقة قضيه الشريعة الاسلاميه بالسلطة ، على اعتبار أن تقرير المسئولية الخاصة لاى جماعه أو جماعات معينه(ومنها الأحزاب السياسية الاسلاميه)، يجب أن لا يترتب إلغاء المسئولية المشتركة للمجتمع المسلم كله عن تطبيق الشريعة الاسلاميه، وان تطبيق الشريعة الاسلاميه في مجال معين من مجالات الحياة يجب أن لا يترتب عليه إهمال أو إلغاء تطبيقها في المجالات الأخرى.
الاتساق : ويستند هذا الموقف، فيما يتعلق بعلاقة قضيه الشريعة الاسلاميه بالسلطة ، إلى التفسير الديني " الاسلامى – الشرعي- للسياسة، الذي يجعل الدين هو الاصل والسلطة هي الفرع،اى يصبح الدين بالنسبة للسلطة بمثابة الكل للجزء ،يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، وذلك من خلال التزام النشاط السياسى ، بجمله من المفاهيم التي تهدف إلى تحقيق اكبر قدر ممكن من الاتساق بينه وبين مقاصد وضوابط الدين، ومذهب أهل السنة في الامامه( السلطة والسياسة) ومن هذه الضوابط: أن الامامه من فروع الدين: فمذهب أهل السنة في الامامه أنها فرع من فروع الدين وليس أصل من أصوله ،يقول الإيجي : « وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام
تأسيّاً بمن قبلنا » (المواقف : ص 395) . ومن هذه الضوابط السياسة الشرعية ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص : كما أن السياسة الشرعية عند علماء أهل السنة هي ما كل يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.) . وطبقا لهذه الضوابط فان تطبيق الشريعة الاسلاميه في المجال السياسى يعنى أن يصبح النشاط السياسى اجتهاد في كيفيه اقامه السلطة في زمان ومكان معينين، مقيد بالقواعد والمبادئ الكلية( كالشورى والعدل والمساواة..)،التي جاء بها الوحي، والتي تضبط السلطة في كل زمان ومكان . ويتضمن هذا الاجتهاد اتخاذ مذاهب أهل السنة في الامامه نقطه بداية(وليس نقطه نهاية) لاى اجتهاد في المجال السياسى، كما يتضمن الاستفادة من إسهامات الأمم الأخرى بشرط عدم تناقضها مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة.
العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية : كما يستند هذا التفسير إلى تصور معين لطبيعة العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية- يرى انه التصور الاسلامى الصحيح- يجعل العلاقة بينهما علاقة وحدة وارتباط (لا خلط او تطابق) ،وتمييز (لا فصل) ،فهي علاقة وحده( لا خلط او تطابق) -بالتالي يقول بدينيه التشريع وليس السلطة كما في الثيوقراطيه- لان السلطة في الإسلام مقيده بالقواعد القانونية لايباح تجاوزها، ( الحدود )، كما أنها علاقة تمييز( لا فصل) -وبالتالي يقول بمدنيه السلطة وليس التشريع كما في العلمانية-لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم التوحيد﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾،والقواعد القانونية التي اسماها اجتهاد،والتي يباح الاختلاف فيها،والتي محلها الفقه في الإسلام ،والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف.ومضمون هذا التصور هو إسناد كل من السلطتين الدينية والسياسية للشعب – الجماعة بموجب مفهوم الاستخلاف. فالسلطة الدينية (الروحية) (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾،لذا فان في الإسلام علماء بالدين وليس به رجال دين،والفارق بين المصطلحين ان المصطلح الأول يفيد التخصص، بينما الثاني يفيد الانفراد، ،وهو ما يعنى ان هناك وسيط بين الإنسان وخالفه (وإذا ساْلك عبادي عنى فاني قريب أجيب دعوه الداعي إذا دعاني).والسلطة السياسية التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر مخوله بموجب الاستخلاف العام أيضا للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله ، يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)(الأحكام السلطانية، ص 7 ).ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين.
مواجهه العقبات: وطبقا لهذا الموقف فان المجتمعات المسلمة مهيأه دينيا وحضاريا لقبول النظام القانوني الاسلامى،لان الإسلام هو دينها وهيكلها الحضاري ، غير أن هناك بعض العقبات التي تحول دون اكتمال تهيؤ هذه المجتمعات... وبالتالي لابد من موجهتها لتكتمل هذه التهيئة.
أولا:العقبات النظرية:
ا/ نشر الوعي بالإسلام: إن إكمال تهيئه المجتمعات المسلمة لتطبيق النظام القانوني الإسلامي معنويا ونفسيا وثقافيا ... لا يتم إلا بنشر الوعي بالإسلام كعقيدة وشريعة وفكر ، لأنه إذا كان الإسلام هو مصدر لكثير من القيم الحضارية لهذه المجتمعات ؛ فإن واقع تخلف النمو الحضاري لهذه المجتمعات يفرز عدداً من المشاكل المتعلقة بالمعرفة بالإسلام ذاته، منها مشكله الجهل بدلالات ألفاظ القران والحديث، وعدم فهم كتب التراث الإسلامي؛ نسبه لأسلوب تدوينها المختلف عما تعارف عليه الناس في عصرهم.ومنها شيوع نمط التفكير البدعى، مما يؤدى إلى شيوع أنماط من الفهم الخاطئ للإسلام؛ والتي تكتسب قدسية نسبتها إلى الدين. ومن أسباب استمرار هذا الجهل بالدين، وبالتالي استمرار الفهم الخاطئ له. والذي يساهم في الإبقاء على واقع التخلف الحضاري - أن التيار التغريبي يرى أن التقدم لا يمكن أن يتم إلا بإلغاء الدين أو تهميشه. وهو بهذا يكرس للجهل بالدين وسط المثقفين الذين من المفترض أن يكونوا طليعة المجتمع في تثقيفه، وتوعيته بالإسلام وقيمه الحضارية الإنسانية، ومحاربه الفهم الخاطئ للدين الذي يساهم في الإبقاء على واقع التخلف الحضاري، وتقديم فهم صحيح له.
ب/ تحديد مصطلح شريعة : شاع في العصر الحديث الخلط بين الدلالات المتعددة لمصطلح شريعة ، حيث ان للمصطلح دلالتين: دلاله أصليه ودلاله تبعية ، أما دلالته الاصليه فهي تشمل العبادات والمعاملات بنوعيها: المعاملات الفردية من أحوال شخصية ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة... والمعاملات التي تنظم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، وتشمل القواعد الكلية التي تستند إليها النظم الاقتصادية السياسية القانونية... ورد فى لسان العرب(والشريعةُ والشِّرْعةُ: ما سنَّ الله من الدِّين وأَمَر به كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أَعمال البرِّ مشتقٌّ من شاطئ البحر؛ عن كراع؛ ومنه قوله تعالى: ثم جعلناك على شريعةٍ من الأَمْر، وقوله تعالى: لكلٍّ جعلنا منكم شِرْعةً ومِنهاجا) ،ويقول ابن تيميه(و إلا فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات‏...)‏ . أما دلالته التبعية فهي تعنى النظام القانوني الاسلامى وما يتضمنه من نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد – الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود ". و القواعد -الفروع، التي محلها الفقه في الإسلام يقول ابن تيميه ( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء‏:‏ شرع مُنَزَّل، وهو‏:‏ ما شرعه الله ورسوله‏.‏ وشرع مُتَأَوَّل، وهو‏:‏ ما ساغ فيه الاجتهاد‏.‏ وشرع مُبَدَّل، وهو‏:‏ ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه / الضالون إلى الشرع‏.‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم).
ج/ التمييز بين التشريع (الشريعة) و الاجتهاد (الفقه) : ميز الإسلام بينهما على مستوى النص القرانى وعلى مستوى اجتهادات العلماء
:أولا:التشريع: فمصطلح تشريع له دلالتين:
اولا:الدلالة القانونية(التقنين): اى حق إصدار القوانين بما هي مجموعه من القواعد العامة المجردة الملزمة التي تضبط سلوك الناس في المجتمع، والسلطة التشريعية هي احد أجهزه الدولة، التي يحق لها إصدار هذه القوانين.والمقصود بمصطلح ( إصدار) تبنى الدولة لقوانين معينه لتصبح ملزمه ، بصرف النظر عن مصدر هذه القوانين وطبيعتها . و لا يمكن أن توجد دوله (إسلاميه او غير إسلاميه) بدون تشريع وسلطه تشريعيه. وفى الفقه الاسلامى نجد العديد من القواعد والمفاهيم القانونية الاسلاميه التي تعبر عن هذه الدلالة لمصطلح التشريع، من هذه القواعد : "للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات" و "أمر الإمام يرفع الخلاف" و "أمر الإمام نافذ " .
ثانيا:الدلالة الدينية(الشرع): اى حق وضع القواعد - الحدود التي لا يباح تجاوزها، والتي اسماها الفقهاء والأصوليون الأصول ، وهو ما ينفرد به الله تعالى . لذا اسند القران فعل ( شرع) إلى الله تعالى : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصينا بة نوح والذي أوحينا إليك).
ثانيا:الاجتهاد: أما الاجتهاد فهو سلطة وضع القواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا، وبالتالي يباح للناس تجوزها بإلغائها أو تعديلها،والتي أطلق عليها الفقهاء والاصوليون الفروع. هذه القواعد محلها الفقه في الإسلام. و رغم وضوح هذا التمييز بين التشريع والاجتهاد إلا انه يشيع عند البعض الخلط بينهما ، فضلا عن الخلط بين دلالتي مصطلح تشريع من خلال ترتيب البعض علي مقولة التشريع صفة ربوبية( مضمون الدلالة الثانية للمصطلح تشريع) ،نفي حق البشر في وضع القواعد القانونية إطلاقا(مضمون الدلالة الأولى لمصطلح تشريع).
د/ تحديد مفهوم العقوبة: كما يشيع فى العصر الحديث اعتبار أن مصطلح العقوبة يتطابق مع مصطلحي الشريعة والحدود، بينما الواقع ان هذين المصطلحين اشمل من مصطلح عقوبة ، فكما سبق ذكره فان لمصطلح شريعة دلالتين: دلاله أصليه تشمل العبادات والمعاملات ،وطبقا لهذه الدلالة فان مصطلح شريعة اشمل من مصطلح العقوبة، إذ ان العقوبات المقدرة هي جزء من الشريعة ..ودلاله تبعية هي النظام القانوني الاسلامى،وهنا أيضا فان مصطلح الشريعة اشمل من مصطلح العقوبة الذى يتضمن نمطين من أنماط الجزاء على خرق النظام القانوني الاسلامى هما العقوبات الحدية و عقوبات التعزير. أما مصطلح حدود فله أيضا دلاله أصليه مضمونها القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها.فقد وردت الكلمة بمعني القاعدة الآمرة كما في قولة تعالي( تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا) (البقرة: 229)، كما وردت بمعني القاعدة الناهية كما في قولة تعالي (; تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا )(البقرة187) ، وللمصطلح دلاله تبعيه مضمونها العقوبات المقدرة يقول ابن تيمية( أما تسميه العقوبة المقدرة حدا فهو عرف حادث)( ابن تيميه، الفتاوى، ص41).وكما هو واضع فان مصطلح العقوبة يتصل بالدلالة التبعية لمصطلح الحدود، دون دلالته الاصليه.
العقوبات الحدية وقاعدة درء الحدود: أن الفهم والتطبيق الصحيحين للعقوبات الحدية لا يتحقق الا من خلال اعتبار قاعدة درء الحدود والتي من أدلتها: ما رواه ابن ماجه عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا)، وحديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود قال ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم )( رواه ابن حزم عن عمر موقوفا عليه ، قال الحافظ : وإسناده صحيح )، والحديث (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)، وعن عمر ، قال : لأن أخطئ في الحدود بالشبهات ، أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات (المقاصد الحسنة /50).والدرء لغة الدَّفْع (لسان العرب)، أما اصطلاحا فهو دفع العقوبة الحدية، قدر الاستطاعة ،بمدفعها الشرعي:أولا: على المستوى التشريعي: ومضمونه دفع العقوبة الحدية بمدفعها الشرعي على مستوى إصدار القانون ،ويتضمن درء الحدود على المستوى التشريعي عدم اعتبار النظام القانوني العقوبة المعينة عقوبة حديه ما لم يجمع عليها الفقهاء"و هو ما يدل على أنهم استندوا إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة" ، لان كل فعل يختلف فيه الفقهاء حلا و تحريما فان الاختلاف شبهه تسقط الحد ، يقول ابن قدامه في المغنى( ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه... لان الاختلاف في اباحه الوطء فيه شبهه، والحدود تدرأ بالشبهات).وهنا تعتبر العقوبة المعينة عقوبة تعذير، مع استمرار توصيف الجريمة التي تستوجبها بأنها جريمة حديه(طبقا للدلالة التبعية الأولى لمصطلح حد) ،وتوصيف الفعل المنهي عنه بأنه حد(طبقا للدلالة الاصليه لمصطلح حد). ثانيا: على المستوى القضائي : ومضمونه دفع العقوبة الحدية بمدفعها الشرعي على مستوى تطبيق القانون، وذلك بعدم تطبيق العقوبة الحدية على المتهم ما لم تتحقق في فعله كل شروط إيقاع العقوبة الحدية، و تنتفي عنه كل موانع إيقاعها ، فالمدفع الشرعي هنا له قسمان: الاول نافى ، ويتضمن موانع إيقاع العقوبة، ويضم هذا القسم الشبهات ، فقاعدة درء الحدود بالشبهات قررها اغلب الفقهاء،يقول الإمام ابن المنذر:(وأجمعوا على أنَّ درء الحد بالشبهات .كما يضم هذا القسم ما قرره القانون الجنائي الاسلامى من الأسباب الشرعية التي تسوغ سقوط الحد، والتي قسمها الفقهاء إلى ثلاثة أنواع : الأول يتعلق بشروط تحقق العقاب، و النوع الثاني ما يتعلق بالإثبات ، والنوع الثالث ما يتعلق باقامه الحد بعد توافر السبب وثبوت الشرط وقيام الإثبات الخالي من كل شبهه . والقسم الثاني مثبت،ويتضمن شروط إيقاع العقوبة، ويضم هذا القسم الستر كما في قوله صلى الله عليه وسلم قوله (لو سترته بثيابك لكان خيرا لك)، كما يضم العفو كما في القصاص،وتوبة الجاني قبل ان يقدر عليه كما في الحرابة. إن أساس مشروعيه قاعدة درء الحدود ان نظرية الجزاء في الإسلام لا تقوم على أساس الانتقام بل هي ، مثل كل أحكام الإسلام ، قائمة على حماية المصالح وذلك بالزجر الكافي والمناسب للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد الآمرة أو الناهية وهي " الحدود " .لذا فان التشدد في العقوبات الحدية المقصود منه الزجر والردع -وهو ما يتحقق بأقل حد ممكن من التطبيق - يقول ابن القيم) ومن المعلوم: أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم. ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله.(.وتطبيقا لهذه القاعدة تجد ان الفقهاء قد احتاطوا في تطبيق العقوبات الحدية ، فضيقوا دائرة الأفعال التي تنطبق فيها شروط الجريمة الحدية و تستوجب بالتالي عقوبة حديه إلى درجه جعلت الأفعال التي تنطبق فيها هذه الشروط فى حكم النادر. يقول الشيخ محمد أبو زهره( ان الأخذ بمبدأ الشبهة الدارئة للحد القصد منه هو ان تكون شريعة الحد قائمه، والتنفيذ القليل منها صالح لإنزال النكال بالمذنبين، او بعبارة أدق من يكون بصدد الوقوع في الجريمة) (الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، دار الفكر العربي، ص 200). وبناءا على ما سبق فانه لا وجه شبه بين قاعدة درء الحدود الشرعية، وتعطيل الحدود غير الشرعي، والذي مضمونه دفع العقوبة الحدية بدون مدفع شرعي،وذلك بعدم تطبيق العقوبات الحدية على المتهم الذى تحققت في فعله كل شروط إيقاع العقوبة الحدية، وانتفت عنه كل موانع إيقاعها (المستوى القضائي)،او عدم تحريم الأفعال التي تنطبق عليها شروط الجرائم الحدية، او اباحه الأفعال التي ورد النهى عنه بقاعدة ناهيه مصدرها نص يقيني الورود قطعي الدلالة(المستوى التشريعي) .
ه/ فتح باب الاجتهاد: بناءا على أن الإسلام وضع القواعد القانونية الكلية وترك للمسلمين أمر الاجتهاد أمر الاجتهاد في القواعد القانونية الجزئية، فان فتح باب الاجتهاد هو شرط لازم لتطبيق النظام القانوني الاسلامى. ويتضمن فتح باب الاجتهاد:
أولا:تجاوز الموقف التقليدي من الاجتهادات الفقهية السابقة والقائم على اعتبارها نقطه نهاية للاجتهاد، إلى موقف يعتبرها نقطه بداية لا نقطه نهاية للاجتهاد الفقهي.
ثانيا:الاجتهاد في القضايا المعاصرة(حقوق الأقليات،حقوق المراْه حقوق الإنسان).
ثالثا:الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى في المجال القانوني ما لم تناقض أصل من أصول الشرع.
و/التغريب القانوني: ومن العقبات التي تواجه تطبيق النظام القانوني الاسلامى التغريب ،الذي يقوم على الاعتقاد بأن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور، وتبني قيم وقواعد المجتمعات الغربية. وبمنظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم وقواعد حضارة أخرى(الحضارة الغربية الليبرالية) وان تناقضت مع أصول الدين وفروعه (وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض). فهو موقف يقوم على الرفض المطلق للنظام القانوني الاسلامى، والدعوة إلى تطبيق نظم قانونيه ذات مصدر ليبرالي تكرس الفردية والراسماليه والعلمانية... اى تكرس للتبعية القانونية للغرب.وهذه العقبة لا يمكن تجاوزها إلا بتجاوز موقفي الرفض المطلق(التيار التقليدي) والقبول المطلق(التيار التغريبي) لإسهامات المجتمعات الغربية إلى موقف نقدي يقوم على الأخذ والرفض طبقا لمعياري الاتفاق أو الاختلاف مع القواعد الأصول وواقع المجتمعات المسلمة.
ثانيا:العقبات التطبيقية:
ا/ اعتبار مصلحة الجماعة: ان النظام القانوني الإسلامي ينبغي ان يتصدى للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة ألزماني والمكاني،ويضع لها حلولا، ومرجع ذلك أن مقصد التشريع الإسلامي تحقيق مصلحة الفرد والجماعة ،وهو ما قرره علماء الإسلام. يقول ألشاطبي( إن أحكام الشريعة ما شرعت إلا مصالح الناس وحيثما وجدت العمل به فيه حق لله من جهة وجوب العمل به وفية حق للعبد من جهة انه ما شرع إلا المصلحة)( ألشاطبي ، الاعتصام ). فشرعه تعالي قائم علي أصول ما تحقق للجماعة مصالحها في كل زمان و مكان ، أما ما دون ذلك من مصالح متجددة ( مرسلة )، فقد ترك الإسلام للجماعة وضعها علي الوجه الذي يحققها ،في إطار أصول الشرع.
ب/ اعتبار الواقع: إن تغيير اى واقع لا يتحقق دون اتخاذ هذا الواقع منطلق للتغيير، وهو ما لا يتم دون دراسة هذا الواقع والمشاكل التي يطرحها. ، وقد أشار علماء الإسلام إلى اعتبار الواقع عند تطبيق النص يقول ابن القيم )ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.النوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك، لم يعدم أجرين أو أجرا،فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله( (إعلام الموقعين 1/87) .
ج/ التدرج: إذا كان ما هو كائن في المجتمعات المسلمة على المستوى القانوني هو: أما تطبيق نظم قانونيه ذات مصدر ليبرالي تكرس الفردية والراسماليه والعلمانية... اى تكرس للتبعية القانونية للغرب،أو تطبيق نظم قانونيه مبنية على اجتهادا فقهيه لمشاكل طرحها واقع غير واقعنا المعاصر، أو تطبيق نظم قانونيه تخلط بين النوعين. فان الانتقال مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون لا يتم إلا بما هو ممكن،وليس بالقفز المثالي مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، اى بالاستناد إلى قاعدة التدرج التي قررها الإسلام في كثير من الأحكام والتزم بها الرسول(ص)(المرحلة المكية والمرحلة المدنية. وهنا يجب التمييز بين نوعين من أنواع التدرج:
ا/ التدرج في التشريع: اى التدرج في بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية المعينة( من الاباحه إلى الكراهة الى التحريم او من الندب الى الوجوب...)،ومن أشكاله التدرج فى بيان درجه الإلزام فى شرب الخمر من الاباحه عند قوله تعالى{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67], إلى الكراهة عند قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219], و قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43], الى التحريم عند قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، غير ان هذا النوع من أنواع التدرج قد انتهى بختم النبوة بوفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم).
ب/التدرج فى التطبيق: اى التدرج فى تطبيق القاعدة الشرعية وليس فى بيان درجه الإلزام فى القاعدة الشرعية ومن أدلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين )(حلية الأولياء 5/282- صفة الصفوة لابن الجوزي 2/128)
د/ مرعاه العرف: كما أن نجاح تطبيق النظام القانوني الاسلامى يتوقف على مراعاة العرف الذي يسود في المجتمعات المسلمة ، وذلك بتجاوز موقفي القبول المطلق أو الرفض المطلق لهذا العرف، إلى موقف نقدي يقوم على اخذ وقبول ما وافق القواعد الأصول ، ورد ورفض ما خالفها. وهذا الموقف نجد أسسه في اعتبار الاصوليون للعرف كمصدر من المصادر التبعية للشريعة الاسلاميه.
ه/ توفير الشروط الموضوعية :كما انه يجب توفير الشروط الموضوعية اللازمة لتطبيق النظام القانوني الإسلامي، وهى تتضمن شروط سياسية كالشورى واقتصادية كالعدل الاجتماعي واجتماعيه كالاستقرار الاجتماعي.....هذه الشروط يتوافر بعضها (كالشورى والعدل...) في الدلالة الاصليه لمصطلح الحدود " القواعد الامره"، كما تستند بعضها (كالاستقرار الاجتماعي) إلى شروط إيقاع العقوبة العامة والخاصة ،التي حددها القانون الجنائي الاسلامى ،فمن الشروط العامة اللازمة لإيقاع العقوبة:أولا: التكليف: و يقصد به البلوغ و العقل فلا يجب معاقبة الصغير أو المجنون،ثانيا:الاختيار و عدم الإكراه: فلا يعاقب من أجبر بغير إرادته على اقتراف جريمة معينة لأن عنصر الإرادة و الاختيار مفقود، ومثال على ذلك عدم تطبيق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوبة القطع عام الرماده، لان الجوع يسلب الإنسان الاراده والمقدرة على الاختيار ، و هنا نرى انه ليس دقيقاً أن يقال إن عمر بن الخطاب قد عطل حدّ السرقة عام المجاعة . فما كان له أو لغيره أن يبيح ما حرّم الله ، ولكنه رأى في ظروف معينّة أن جزاء قطع اليد لم تتوافر له احد شروطه وهو الاراده ثالثا: العلم بالتحريم: فلا يعاقب من يجهل حرمة جريمة معينة ارتكبها لانتفاء القصد إلى ارتكاب الجريمة،رابعا:ثبوت الجريمة: لا عقوبة ما لم تثبت الإدانة بالطرق القطعية، ومن طرق الإثبات الإقرار: ويعتبر في المقر البلوغ وكمال العقل والاختيار. ومنها البينة : وهى شهادة العدول البالغين العاقلين، خامسا:النهى عن اقامه الحد وقت الغزو وهو ما يستنبط من ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم الرسول حدا قط في غزو، بدليل ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو،و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ،و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء(محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 ). و من الشروط الخاصة بإيقاع العقوبات الحدية في عقوبة السرقة: أن يكون السارق مكلفا ، وأن يقصد فعل السرقة ، وألا يكون مضطرا إلى الأخذ ، وأن تنتفي الجزئية بينه وبين المسروق منه ، وألا تكون عنده شبهة في استحقاقه ما أخذ ..
ويكون المسروق منه :معلوما ، وأن تكون يده صحيحة على المال المسروق ، وأن يكون معصوم المال وان إلا أن يكون المال المسروق متقوما ، وأن يبلغ نصابا ، وأن يكون محرزا ... وهكذا فان اى تطبيق للعقوبات الواردة في القانون الجنائي الاسلامى لا يستوفى شروط إيقاع هذه العقوبات العامة والخاصة يصبح غير شرعي.
و/الشريعة الاسلاميه و مصادر التشريع : تعددت الصيغ التي تحدد من العلاقة بين الشريعة الاسلاميه ومصادر التشريع فى الفكر الاسلامى ،و يمكن إجمالها في صيغتين أساسيتين:
الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع: وهذه الصيغة تخلط بين دلالتي مصطلح تشريع، فالمقصود بالتشريع في هذه الصيغة الدلالة الدينية لمصطلح التشريع : اى حق وضع القواعد - الحدود التي لا يباح تجاوزها، والذي ينفرد به الله تعالى ، وإسناده لسواه هو شرك. بينما المقصود بالتشريع في دستور الدولة الدلالة القانونية لمصطلح التشريع :اى حق الدولة في إصدار القواعد القانونية بواسطة احد أجهزته "،وهو ما لا يمكن ان توجد دوله بدونه ، هذا فضلا عن هذه الصيغة ذاتها هي شكل من أشكال الشرك، لأنها تخلط بين الشرع" "احد قسمي الدين بالاضافه إلى العقيدة " كوضع الهي ، وكل من التشريع طبقا لدلالته القانونية "احد أنشطه الدولة المخول لأحد أجهزتها " ، والاجتهاد " حق وضع القواعد- الفروع "باعتبارهما وضع انسانى.فضلا عن مساواتها بين مصادر النظام القانوني الاسلامى الاصليه(الكتاب والسنة)، ومصادره التبعية(الإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب وشرع من قبلنا والمصالح ألمرسله...)، يقول الشافعي( ولا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما سواهما تبع لهما
)( جماع العلم-11).
القواعد الاصوليه للشريعة هي المصدر الاساسى للتشريع: وهى الصيغ الأصح -فيما نرى -فهي القائمة على اعتبار ان القواعد الاصوليه للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع،لأنها تميز بين القواعد – الأصول، والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،و مصادر النظام القانوني الاسلامى الاصليه (الكتاب والسنة)، والقواعد- الفروع ،والتي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة و مصادر النظام القانوني الاسلامى التبعية. وهذا التمييز بين النوعين من القواعد قرره العديد من علماء الإسلام يقول ابن تيميه (ان الله بعث محمدا بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قاعدة عامه تتناول أنواعا كثيرة ،وتلك الأنواع تتناول أحيانا جزئيات، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطه بأحكام أفعال العباد )(الفتاوى، المجلد الأول، ص 410)، ويقول ابن القيم(الأحكام على نوعان نوع لا يتغير عن حاله واحده هو عليها... والثاني ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا)(أعلام الموقعين)،كما أنها تتسق مع الدلالة التبعية لمصطلح الشريعة اى النظام القانوني الاسلامى بأصوله التشريعية وفروعه الاجتهادية ومصادره الاصليه والتبعية والتي عبر عنها ابن تيميه بقوله عن الشريعة( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء‏:‏ شرع مُنَزَّل، وهو‏:‏ ما شرعه الله ورسوله‏.‏ وشرع مُتَأَوَّل، وهو‏:‏ ما ساغ فيه الاجتهاد‏.‏ وشرع مُبَدَّل، وهو‏:‏ ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه / الضالون إلى الشرع‏.‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم).
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان: http://drsabrikhalil.wordpress.com


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2719

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#459622 [مارتن لوثر]
4.13/5 (10 صوت)

09-02-2012 05:57 PM
الناس الطلعوا القمر كانوا مطبقين الشريعه؟


#459390 [أسوسا]
4.13/5 (7 صوت)

09-02-2012 12:47 PM
الكاتب ده صورتو صورة زميلنا في الجامعة الأستاذ أحمد علي سبيل .. بس كأنو بيكتب بإسم مستعار ولا شنو؟؟؟


د.صبري محمد خليل
د.صبري محمد خليل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة